شهدت قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك،، مشهدًا لافتًا مع بدء رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلقاء كلمته، بعدما غادرت عشرات الوفود مقاعدها احتجاجًا على خطابه، وسط هتافات واعتراضات من داخل القاعة وخارجها.

 

وجاء الانسحاب الجماعي بينما كان نتنياهو يتوجه إلى المنصة لإلقاء كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة، في مشهد تكرر للعام الثاني على التوالي، بعدما شهدت جلسة العام الماضي أيضًا مغادرة وفود عدة خلال خطابه.

 

وبحسب تقارير إعلامية، شملت الوفود المنسحبة دولًا عربية وإسلامية وأفريقية وآسيوية وأوروبية وأمريكية لاتينية، فيما بقيت أجزاء واسعة من القاعة خالية خلال الكلمة. ووصف نتنياهو المنسحبين بأنهم "جبناء أخلاقيًا"، قبل أن يطلب ممن يشاركونهم الموقف مغادرة القاعة أيضًا.

 

 

 

 

انسحاب عشرات الوفود من القاعة

 

مع اقتراب نتنياهو من منصة الجمعية العامة، بدأت وفود دولية في مغادرة القاعة، بينما ظهرت في التسجيلات المصورة مقاعد خالية بأعداد كبيرة، في وقت تعالت فيه أصوات الاحتجاج والهتافات.

 

وضمت قائمة الوفود التي أوردتها تقارير إعلامية مصر وإيران والعراق وفلسطين والأردن والسعودية وقطر وتركيا والكويت وعُمان والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا ولبنان وسوريا، إلى جانب دول من أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.

 

ولم يكن الانسحاب مفاجئًا بالكامل، إذ سبقت خطاب نتنياهو مواقف وانتقادات حادة من عدد من قادة الدول خلال اجتماعات الجمعية العامة، على خلفية الحرب في قطاع غزة والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

 

وأظهرت المشاهد التي تداولتها وسائل الإعلام مغادرة المندوبين بالتزامن مع وصول نتنياهو إلى المنصة، بينما وقف أعضاء الوفد الإسرائيلي للتصفيق له.

 

 

نتنياهو يهاجم المنسحبين

 

لم يتجاهل نتنياهو مشهد مغادرة الوفود، بل بدأ خطابه بالتعليق عليه، قائلًا إن من غادروا القاعة "جبناء أخلاقيًا"، ودعا من تبقى إلى المغادرة إذا كانوا يتفقون مع مواقف المنسحبين.

 

وقال إن إسرائيل، وفق روايته، لا تدافع عن نفسها فقط، وإنما تدافع أيضًا عن دول أخرى غادرت وفودها القاعة، في محاولة لتحويل مشهد الانسحاب إلى جزء أساسي من خطابه أمام الجمعية العامة.

 

 

 

 

وتزامن ذلك مع استمرار الاحتجاجات خارج مقر الأمم المتحدة في نيويورك، حيث تجمع مئات المحتجين للتعبير عن رفضهم لزيارة نتنياهو وخطابه، فيما تدخلت الشرطة لتفريق بعض المتظاهرين واعتقلت عددًا منهم.

 

ويأتي المشهد في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية للحكومة الإسرائيلية بسبب الحرب في غزة، بينما يواجه نتنياهو أيضًا ضغوطًا سياسية داخلية مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر المقبل.

 

 

هجوم على فرنسا وبريطانيا وقطر

 

خصص نتنياهو جانبًا من كلمته لمهاجمة دول وحكومات اتخذت مواقف منتقدة لإسرائيل خلال الحرب على غزة.

 

وهاجم خصوصًا فرنسا وبريطانيا، منتقدًا مواقفهما من الحرب والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، كما وجه انتقادات إلى قطر وتركيا، متهمًا الدوحة بدعم جامعات أمريكية ووسائل إعلام بما وصفه بنشر روايات معادية لإسرائيل.

 

ورفضت قطر هذه الاتهامات، وقال مسؤول قطري إن مهاجمة الدوحة لا تغير من دورها كوسيط في المفاوضات المتعلقة بالحرب، مشيرًا إلى أن قطر لعبت دور قناة اتصال بين إسرائيل وحركة حماس والولايات المتحدة ومصر في ملفات التفاوض وتبادل الأسرى.

 

كما انتقد نتنياهو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في إطار هجوم أوسع على منتقدي الحكومة الإسرائيلية وسياساتها في المنطقة.

 

وفي المقابل، أثارت تصريحات نتنياهو بشأن قطر ردودًا من الدوحة، التي دافعت عن طبيعة دورها في الوساطة، في وقت استمرت فيه المفاوضات والاتصالات الإقليمية المرتبطة بالحرب.

 

 

دفاع عن الحرب ومواجهة اتهامات الإبادة

 

احتلت الحرب في غزة جانبًا رئيسيًا من خطاب نتنياهو، إذ رفض الاتهامات الموجهة إلى حكومته بارتكاب إبادة جماعية، وقال إن إسرائيل لم ترتكب إبادة، بل منعَت وقوعها، بحسب روايته.

 

وجاء ذلك في مواجهة اتهامات دولية متواصلة بشأن سلوك القوات الإسرائيلية في قطاع غزة، إلى جانب تحقيقات وتقارير حقوقية وأممية تناولت الانتهاكات المرتبطة بالحرب.

 

وفي سياق منفصل، يظل نتنياهو خاضعًا لمذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حيث قالت المحكمة إن المذكرة تتعلق باتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها التجويع كأسلوب من أساليب الحرب وتوجيه هجمات ضد المدنيين. وتنفي إسرائيل هذه الاتهامات وتطعن في اختصاص المحكمة.

 

وأعاد نتنياهو خلال خطابه التأكيد على الرواية الإسرائيلية بشأن الحرب، محاولًا تقديم العمليات العسكرية باعتبارها دفاعًا عن إسرائيل في مواجهة حركة حماس والتهديدات الإقليمية.

 

وفي حديثه عن إيران، قال إن تدمير منشآتها النووية كان مهمة شديدة الصعوبة، لكنه وصف اتخاذ قرار مهاجمتها بأنه كان من أسهل القرارات التي اتخذها، كما أشاد بالتعاون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووصف الولايات المتحدة بأنها شريك رئيسي لإسرائيل.

 

 

نتنياهو يهاجم ممداني داخل الأمم المتحدة

 

لم يقتصر خطاب نتنياهو على الحرب في غزة وإيران، بل خصص جزءًا واضحًا منه للهجوم على عمدة نيويورك زهران ممداني، الذي سبق أن وصف نتنياهو بأنه مجرم حرب وانتقد سياسات حكومته تجاه الفلسطينيين.

 

وقال نتنياهو مخاطبًا ممداني إنه حاول منعه من القدوم إلى نيويورك وإسكاته، مضيفًا أنه لا يستطيع إسكات رئيس الوزراء الإسرائيلي أو ما وصفه بالحقيقة.

 

كما اتهم نتنياهو ممداني بالتسبب في تراجع شعور اليهود بالأمان في نيويورك، ووجه إليه اتهامات تتعلق بمواقفه من إسرائيل والحرب في غزة. ورد ممداني برفض هذه الاتهامات، مؤكدًا أن خطاب نتنياهو تضمن ما وصفه بأكاذيب لا أساس لها.

 

وقال ممداني في رده إن نتنياهو استخدم المنبر الأممي لتكرار ما وصفها بادعاءات تهدف إلى تبرير الحرب على الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن مذكرة التوقيف الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية تظل قائمة.

 

وكان ممداني قد اتخذ خلال الأشهر الماضية مواقف شديدة الانتقاد لنتنياهو والحرب في غزة، كما أثار موضوع مذكرة المحكمة الجنائية الدولية خلال حملته السياسية، قبل أن يقر بأن سلطات مدينة نيويورك لا تملك وحدها صلاحية تنفيذ المذكرة.

 

 

الجولان وفلسطين في خطاب نتنياهو

 

تطرق نتنياهو كذلك إلى قضية الجولان المحتل، موجّهًا حديثه إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، ومستندًا إلى رواية تاريخية ودينية لتأكيد ما اعتبره وجودًا يهوديًا قديمًا في المنطقة.

 

كما تحدث عن القضية الفلسطينية، قائلًا إن الصراع، من وجهة نظره، لا يتعلق بالأراضي فقط، وإنما بما وصفه بحق وجود دولة يهودية.

 

واستخدم نتنياهو في هذا السياق خطابًا يركز على المخاوف الإسرائيلية من التهديدات الأمنية، وربط ذلك بما وصفه بخطر تعرض إسرائيل للإبادة، في محاولة لتقديم سياسات حكومته العسكرية باعتبارها إجراءات دفاعية.

 

وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة انقسامًا واضحًا بشأن الحرب في غزة، مع تصاعد الدعوات الدولية لوقف القتال وتحسين وصول المساعدات الإنسانية، مقابل تمسك الحكومة الإسرائيلية بمواصلة عملياتها العسكرية.

 

ويعيد انسحاب الوفود من كلمة نتنياهو هذا العام مشهدًا مماثلًا وقع خلال خطابه أمام الجمعية العامة في سبتمبر 2025، عندما غادرت وفود دول عدة القاعة بالتزامن مع توجهه إلى المنصة.