أثارت واقعة مقتل الطالبة آية رضوان، البالغة من العمر 16 عامًا، في مركز الصف بمحافظة الجيزة، انتقادات حقوقية واسعة، بعدما انتهت واقعة تغيبها عن منزل أسرتها إلى العثور عليها في الإسكندرية ثم عودتها إلى أسرتها، قبل أن تقتل داخل منزل العائلة، وسط اتهامات لشقيقها بارتكاب الجريمة.

 

ودخلت 9 منظمات ومبادرات نسوية وحقوقية على خط القضية، منتقدة طريقة تعامل الأجهزة الأمنية مع واقعة التغيب، ولا سيما نشر صورة الفتاة وبيانات عن مكان العثور عليها والظروف التي كانت موجودة فيها. واعتبرت المنظمات أن ما جرى يطرح أسئلة تتعلق بمدى كفاية إجراءات حماية القاصرات عند إعادتهن إلى أسر قد تمثل بيئة غير آمنة.

 

وتأتي هذه الانتقادات في وقت تواصل فيه جهات التحقيق إجراءاتها في واقعة مقتل آية، بينما تشير تقارير صحفية إلى حبس شقيقها على ذمة التحقيقات، إلى جانب اتخاذ إجراءات بحق الشخص الذي كانت الفتاة برفقته قبل العثور عليها.

 

 

بداية القصة ببلاغ عن تغيب

 

بدأت وقائع القضية في 13 سبتمبر الجاري، عندما أبلغت أسرة آية رضوان، المقيمة بدائرة مركز الصف في الجيزة، عن تغيب ابنتهم البالغة 16 عامًا، بعدما خرجت من المنزل لقضاء بعض الاحتياجات ولم تعد.

 

ومع استمرار البحث عنها، نشر محامي الأسرة أحمد أبو النيل مقطع فيديو عبر صفحته على موقع فيسبوك، طالب خلاله الأجهزة الأمنية بالتحرك لكشف مصير الفتاة، التي كانت قد تغيبت لعدة أيام.

 

وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي منشورات تتعلق باختفاء آية، الأمر الذي دفع الأجهزة الأمنية إلى فحص الواقعة، بحسب ما أعلنته وزارة الداخلية في بيانها الرسمي بشأن الحادث.

 

وأصبحت القضية خلال فترة قصيرة محل اهتمام واسع على مواقع التواصل، قبل أن تعلن الداخلية التوصل إلى مكان الفتاة في منطقة العجمي بمحافظة الإسكندرية.

 

 

الداخلية تعلن العثور على آية

 

قالت وزارة الداخلية في بيان نشرته عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، إن تحرياتها تمكنت من تحديد مكان الفتاة المتغيبة في منطقة العجمي بالإسكندرية، وإنها عثرت عليها هناك.

 

وبحسب البيان، أقرت آية بأنها تركت منزل أسرتها بمحض إرادتها وأقامت برفقة أحد معارفها، فيما تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط الشخص الذي كانت تقيم برفقته، وتبين أنه يعمل فرد أمن بإحدى الشركات الخاصة ويقيم في نطاق مركز قليوب بمحافظة القليوبية.

 

وأشارت الوزارة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية، لكنها لم تفصل في بيانها طبيعة هذه الإجراءات أو ما انتهت إليه بشأن الشخص الذي عُثر على الفتاة برفقته.

 

وتشكل هذه النقطة محورًا أساسيًا في الانتقادات التي وجهتها المنظمات النسوية لاحقًا، إذ رأت أن التعامل مع فتاة قاصر لا ينبغي أن يتوقف عند تحديد مكانها وإعادتها إلى أسرتها، بل يتطلب أيضًا تقييم مستوى الخطر الذي قد تواجهه بعد العودة.

 

 

عودتها انتهت بجريمة قتل

 

بعد العثور على آية وعودتها إلى أسرتها في الصف، جاءت التطورات الأكثر مأساوية، إذ أفادت تقارير صحفية بمقتلها داخل منزل العائلة، مع اتهام شقيقها بارتكاب الجريمة.

 

وذكرت تقارير صحفية نقلًا عن تحريات أولية وشهود أن الشقيق أقدم على قتل شقيقته عقب عودتها إلى المنزل، ثم سلم نفسه للشرطة. كما تداولت هذه التقارير أن الدافع المبدئي للجريمة ارتبط بما يسمى اجتماعيًا «غسل العار».

 

وفي اليوم التالي لتداول نبأ مقتلها، نُقل جثمان آية إلى مشرحة زينهم لإجراء الصفة التشريحية وبيان أسباب الوفاة، قبل أن تصدر جهات التحقيق لاحقًا قرارًا بالتصريح بدفن الجثمان بعد انتهاء الإجراءات اللازمة. كما أُعلن عن حبس شقيقها المتهم أربعة أيام على ذمة التحقيقات.

 

ولا تزال المسؤولية الجنائية النهائية وتفاصيل الواقعة مرتبطة بما تسفر عنه التحقيقات الرسمية، بينما تركز المنظمات الحقوقية في جانب آخر على الإجراءات التي سبقت مقتل الفتاة.

 

 

منظمات تحمل الداخلية مسؤولية

 

في بيان مشترك، أدانت تسع منظمات ومبادرات نسوية وحقوقية مقتل آية، وحملت وزارة الداخلية جزءًا من المسؤولية الجنائية والأخلاقية، على حد وصفها، بسبب نشر صورة الفتاة وبيانات تتعلق بواقعة تغيبها والعثور عليها.

 

ومن بين الجهات التي وردت ضمن البيان «المرأة الجديدة» و«قضايا المرأة المصرية» و«براح آمن» و«سند للدعم القانوني».

 

وذهبت المنظمات إلى أن نشر صورة فتاة قاصر وتفاصيل تتعلق بظروف العثور عليها قد يجعل هذه المعلومات أداة للضغط والوصم داخل المجتمع، خصوصًا في الوقائع التي تتضمن خلافات أسرية أو تهديدات محتملة بالعنف.

 

واعتبرت أن القضية تكشف، من وجهة نظرها، عن ثغرة في آليات التعامل مع الفتيات القاصرات اللاتي يتغيبن عن أسرهن، إذ لا يكفي تحديد مكان الفتاة وإعادتها إلى عائلتها إذا كانت هناك مؤشرات على احتمال تعرضها للعنف أو الانتقام.

 

وأكدت المنظمات أن الأولوية في مثل هذه الحالات يجب أن تكون لسلامة القاصر ومصلحتها الفضلى، وليس فقط إنهاء واقعة التغيب من الناحية الإجرائية.

 

 

انتقادات لتسليم الفتيات لأسرهن

 

ركز البيان الحقوقي على ما وصفته المنظمات بأنه نمط متكرر يتمثل في إعادة الفتيات المتغيبات إلى ذويهن، مع الاكتفاء بإجراءات وتعهدات تتعلق بحسن المعاملة، دون إجراء تقييم شامل للبيئة التي ستعود إليها الفتاة.

 

وبحسب المنظمات، فإن بعض حالات التغيب قد ترتبط بخوف الفتاة من عنف أسري أو تهديدات أخرى، وبالتالي فإن إعادتها مباشرة إلى الأسرة قد لا توفر بالضرورة الحماية المطلوبة.

 

وطالبت الجهات الموقعة بإعادة النظر في آليات التعامل مع الفتيات والنساء اللاتي يواجهن تهديدات من داخل الأسرة، وتوفير بدائل آمنة يمكن اللجوء إليها عندما تشير الملابسات إلى وجود خطر حقيقي.

 

كما شددت على ضرورة أن تتضمن التحقيقات في واقعة آية جميع الإجراءات التي اتخذت منذ العثور عليها في الإسكندرية وحتى عودتها إلى أسرتها، بما يسمح بكشف تسلسل الأحداث وتحديد مسؤولية كل طرف وفق ما تثبته التحقيقات.

 

 

جدل حول نشر بيانات القاصرات

 

أثارت قضية آية أيضًا مسألة نشر صور وبيانات القاصرات عبر الصفحات الرسمية لجهات إنفاذ القانون على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وترى المنظمات أن نشر هذه المعلومات قد يترتب عليه آثار تتجاوز مجرد المساعدة في العثور على فتاة متغيبة، خصوصًا عندما تتضمن البيانات تفاصيل شخصية أو ظروفًا يمكن أن تؤثر في نظرة الأسرة أو المجتمع إليها.

 

وحذرت الجهات الحقوقية من تحول صور وبيانات الفتيات إلى وسيلة للوصم والضغط، داعية إلى وضع ضوابط واضحة تضمن حماية خصوصية القاصرات، مع الالتزام بأخلاقيات النشر عند التعامل مع بلاغات التغيب.

 

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في حالة آية، إذ جاء إعلان العثور عليها متضمنًا تفاصيل عن مكان وجودها والشخص الذي كانت برفقته، قبل أن تنتهي الواقعة بمقتلها عقب عودتها إلى منزل أسرتها، وفق ما أوردته تقارير صحفية.

 

 

«غسل العار» في مرمى الانتقادات

 

إلى جانب انتقاد الإجراءات الرسمية، سلطت مؤسسة قضايا المرأة المصرية الضوء على الجانب المجتمعي من القضية، محذرة من الخطاب الذي يسعى إلى تبرير جرائم قتل النساء والفتيات تحت عناوين مثل «غسل العار» أو «الحفاظ على شرف العائلة».

 

وأكدت المؤسسة أن تبرير العنف أو تقديم القاتل باعتباره مدافعًا عن الأسرة يمثل خطرًا على سيادة القانون، لأنه يحول الجريمة من فعل يستوجب المحاسبة إلى سلوك يمكن البحث له عن مبررات اجتماعية.

 

كما حذرت من التعليقات التي قد تمنح الجاني شرعية اجتماعية أو تصف قتله للضحية بأنه تعبير عن «الرجولة»، معتبرة أن مثل هذه الخطابات تساعد في استمرار أنماط العنف القائمة على السيطرة والوصم.

 

وفي المقابل، تظل هذه التفسيرات المجتمعية منفصلة عن التحديد القانوني النهائي لدافع الجريمة، الذي يفترض أن تحسمه التحقيقات والأدلة المعروضة أمام جهات التحقيق والقضاء.

 

 

مطالب بتغيير آليات الحماية

 

وضعت المنظمات مجموعة من المطالب على خلفية القضية، في مقدمتها مراجعة الإجراءات التي تتبعها جهات إنفاذ القانون عند العثور على فتيات قاصرات متغيبات، خصوصًا إذا كانت هناك احتمالات لوجود خطر أسري.

 

كما طالبت بتوفير أماكن رعاية آمنة يمكن أن تستقبل الفتيات والنساء المهددات بالعنف، بدلًا من حصر الخيارات في العودة المباشرة إلى الأسرة.

 

وشملت المطالب كذلك إلزام الصفحات الرسمية لجهات إنفاذ القانون بقواعد واضحة عند نشر صور وبيانات القاصرات، بما يضمن عدم كشف تفاصيل حياتهن الشخصية إلا بالقدر الضروري، إلى جانب حماية هويتهن وخصوصيتهن.

 

وطالبت المنظمات أيضًا بالإسراع في إصدار قانون موحد لمناهضة العنف ضد النساء، إلى جانب مراجعة بعض مواد قانون العقوبات التي ترى أنها قد تسمح بتبرير أنماط من العنف الأسري تحت مسميات مثل «حق التأديب».