جعفر عباس

أديب وكاتب صحافي سوداني

 

ذات ليلة ليلاء، كنت المحرر "السهران" في جريدة "الاتحاد" الإماراتية، أي كنت المحرر المناط به متابعة ما يستجد من أخبار ووقائع، حتى مثول الصحيفة للطباعة في ساعات الفجر الأولى، وكانت مهمتي الأساسية، إعداد مادة العنوان الرئيسي للصفحة الأولى، وكتابة الافتتاحية، تأسيسا على تلك المادة التي كان أمرها محسوما، لأنه يتعلق بالبيان الختامي لقمة عربية، كانت جلستها الأخيرة منعقدة في تلك الليلة.

 

وبعد منتصف الليل بقليل صدر البيان الختامي، وبعدها بنحو دقيقتين كنت أقف أمام كبير المحررين، الأستاذ عبد العال الباقوري (رحمه الله فقد توفي في أغسطس 2018)، ووضعت أمامه رزمة من الأوراق وقلت له: دي مادة العنوان الرئيس ومعها الافتتاحية، فصاح في وجهي: أنت اتجننت وللا عاوز تجنني؟ إزاي يكون البيان صدر من دقيقتين، وإزاي انت جايب ملخص ليه، وكمان افتتاحية بتتكلم عنه؟

 

فقلت له: رجاء اقرأ ما هو أمامك، وقد استخدمت فراستي وأوردت بيان القمة الختامي قبل صدوره، وقد تجد نقصا أو زيادة بسيطة هنا وهناك. فطفق يقرأ أوراقي ثم صاح: شوف، إما أنت كنت مشاركا في القمة، أو أنت عميل للموساد ووصلك تسريب البيان الختامي قبل صدوره رسميا.

 

تطلب الأمر مني ومن الباقوري تعديلات بسيطة هنا وهناك تتعلق ببعض المفردات، ولكن جوهر بيان القمة الذي أعددته قبل صدوره من ذوي الشأن، كان سليما. ولم يكن مرد ذلك أنني عبقري، بل أن بيانات القمم العربية كانت عادة معلبات يتم اجترارها وإعادة تدويرها: القضية الفلسطينية مصيرية، ولابد من تضافر الجهود لتحقيق التكامل العربي، والسح الدح أمبو. (وهذا تعبير عامي ساخر اشتهر في الثقافة المصرية، ويُستخدم للدلالة على كلام كثير بلا مضمون حقيقي، أو عبارات محفوظة تُقال وتُكرر من دون معنى أو أثر).

 

حب المعلبات يجري في جيناتنا، ولا أعني بذلك فقط ما يخص الطعام، بل ما يخص مختلف الشؤون. فمثلا ما أن يدخل علينا عيد حتى تزدان جميع الصحف العربية في موقع ما ببيت الشعر: عيد بأية حال عدت يا عيد..، ولو كان المتنبي حيا لطالب بحذفه من ديوانه وغوغل ويوتيوب، أو لجأ إلى قوانين الملكية الفكرية وحظر على الكتاب الصحفيين الاستشهاد به، وأعتقد أن ولعنا بالمعلبات اللفظية يعود إلى علة في مناهجنا المدرسية، فقد كان المعلمون يثقبون رؤوسنا ويصبون فيها "البلاغة"، حتى نتعلم الكتابة بطريقة ابن العميد وابن المشير، بأن نحفظ ببغاويا ما يسمونه بالمحسنات البديعة، ولهذا تجدنا نتكلم عن "شخص ضخم الكراديس"، وزوجتي الثالثة طالق إذا كان 97% ممن استخدموا تلك العبارة يعرفون أين موقع الكردس/ الكردسة من جسم الإنسان، أو كانوا يعرفون أين "أبو الرأس" بافتراض أنهم يعرفون أين "أم الرأس"، كما في قولنا: ضربه على أم رأسه.

 

وعشقنا للتعليب يتجلى في شغفنا بوضع مشاهيرنا في علب، نحسب أنها ستزيدهم تقديرا وإعجابا: فأحمد شوقي هو أمير الشعراء، مما يشي بأن عالم الشعر ملكية وراثية، ولكن محمد مهدي الجواهري هو شاعر العرب الأكبر، فهل يدين له أمير الشعراء بالولاء؟ وشاعر الرافدين دجلة والفرات، هو معروف الرصافي، وبما أنه بلديات الجواهري (عراقي)، فلابد من فك الاشتباك بينهما. وحافظ ابراهيم شاعر النيل، فابحث أنت عن شاعر الأمازون، وعندك عميد الأدب، وابحث أنت عن لواء أو مشير الأدب، وعندنا الأخطل الصغير، بينما الأخطل الأصلي اسمه غياث بن غوث. والمطربة فيروز هي سفيرة لبنان الى النجوم وقيل في تبرير اسناد هذا المنصب اليها إن "صوتها الراقي وعالميته تجاوزت حدود الأرض والزمان".

 

وسأتوكل على الله وأعلن هنا أنني فشلت تماما في استساغة أغنيات أم كلثوم، على ما سيجلبه عليّ ذلك من ذم واتهام، بأنني أعاني من خلل في الأذن الوسطى وغدد التذوق. بل هناك من سيقول إنني "خائن" وعميل لإسرائيل والاستعمار ودول الاستكبار. وربما منشأ نفوري من غناء أم كلثوم هو أنها كوكب الشرق، وأنا لست من الشرق، بل "من إفريقيا/ صحرائها الكبرى وخط الاستواء/ لفحتني بالحرارات الشموش/ وشوتني كالقرابين على نار المجوس/ فأنا منها كعود الأبنوس"، رحم الله شاعرنا صلاح أحمد إبراهيم.

 

وثمة سبب آخر قوي لذلك النفور، وهو أن بيني وبين المعلقات الشعرية ود مفقود، وحدث ذلك عندما تم إرغامي على حفظ معلقة لبيد بن ربيعة العامري، عن ظهر قلب مع معاني كل كلمة وبيت، استعدادا لامتحانات الشهادة الثانوية. وقد كان، وفزت بدرجة عالية في ورقة الأدب العربي، لا لسبب سوى أنني كنت ببغاء عقلها في أذنيها، وانظر يا رعاك الله إلى أول بيتين من معلقة لبيد:

 

عفت الديار محلها ومقامها          **             بمِنىً تأبّد غوْلها ورجامها

ومدافع الريان عُري رسمها           **             خَلقا كما ضمن الوُحِيُّ سِلامها

 

وستتساءل، كما فعل الممثل المصري سعيد صالح في مسرحية مدرسة المشاغبين "دا إنجليزي يا مرسي؟". وأم كلثوم تحول كل أغنية إلى معلقة تستغرق قرابة الساعة.

 

وأقر وأعترف بأن الشاعر المصري الكبير أحمد فؤاد نجم، حفّزني أكثر على النفور من غناء الست (نعم، الست هي أم كلثوم وبس)، فلأنها ظلت تتغنى بتلك المطولات زهاء 55 سنة، فقد قال فيها نجم: يا ولية عيب اختشي/ يا شبه يا الهون/ دا أنت اللي زيك مِشِي/ يا مرضعة قلاوون/ مَدَحتِ عشرين ملك، ومِيت (100) وزير ورئيس / مروان وعبد الملك والمفتري ورمسيس / بتغني بالزمبرك/. وللا أنت صوت إبليس / من أول المبدأ حتى نهاية الكون.

 

ثم كان ما كان من أمر شاب اسمه إسماعيل هجم عليه كلب تملكه أم كلثوم، فتعرض إسماعيل للجرجرة في مخافر الشرطة، فطالما رأى فيه ذلك الكلب خصما فـ "حتما هو غلطان"، وفي ذلك قال أحمد فؤاد نجم أنت فين والكلب فين؟ ما أنت كده يا إسماعيل.. هو كلب الست يا ابني/  وانت تطلع ابن مين؟

 

أقول قولي هذا، وأجدد وأؤكد نفوري من المعلبات والألقاب المجانية والقوالب الجامدة، ثم أتوكل على الله وأقول إنني أرى فيروز هرما شامخا في دنيا الغناء والتطريب.