أنهى هجوم بطائرات مسيرة رحلة الربان المصري السعيد عبد العزيز سلامة فوق مياه البحر الأسود، بعدما أصابت الضربات سفينة البضائع «NORAN» قرب ميناء نوفوروسيسك الروسي، بينما نجا ثمانية بحارة مصريين كانوا ضمن طاقم السفينة.
وكشفت الواقعة حجم المخاطر التي يواجهها البحارة المدنيون مع اتساع تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على حركة الملاحة، بعدما تحولت رحلة تجارية عادية إلى حادث دموي انتهى بمقتل الربان وإجلاء زملائه الناجين.
ست مسيرات تضرب غرفة القيادة
وقع الهجوم أثناء مغادرة السفينة للميناء الروسي بعد الانتهاء من شحن بضائعها، بحسب رئيس نقابة الضباط البحريين المصرية، الذي أكد أن الاستهداف جاء بصورة مفاجئة وفي منطقة تشهد حساسية أمنية متزايدة.
وتعرضت السفينة، التي ترفع علم دولة سانت كيتس، لهجوم بست طائرات مسيرة دفعة واحدة، اخترقت أجزاء من مناطق الإعاشة ووصلت أضرارها إلى غرفة القيادة التي كان يوجد فيها الربان المصري.
وأدت الإصابة المباشرة لغرفة القيادة إلى وفاة السعيد عبد العزيز سلامة، في وقت تمكن فيه ثمانية بحارة مصريين آخرين من النجاة، لتتحول السفينة خلال دقائق إلى مسرح لخطر عسكري أصاب طاقماً مدنياً.
وتبرز طبيعة الهجوم صعوبة حماية السفن التجارية العاملة قرب مناطق الصراع، خصوصاً عندما تصبح الموانئ وخطوط الإمداد البحرية أهدافاً محتملة، بما يضع أطقم السفن أمام مخاطر تتجاوز طبيعة العمل البحري المعتادة.
وتحمل الواقعة بعداً إنسانياً مضاعفاً، إذ لم تتوقف الأزمة عند وفاة الربان، بل امتدت إلى إجراءات استعادة الجثمان ونقله إلى مصر، وسط تعقيدات مرتبطة بالحرب والإجراءات المحلية في الجانب الروسي.
وأكدت المتابعة النقابية أن التواصل جرى مع الشركة المالكة والجهات المعنية لإنهاء الترتيبات الخاصة بالجثمان، بينما بقيت الأسرة في انتظار استكمال الإجراءات التي تسمح بعودته إلى بلاده وبدء مراسم التشييع.
نجاة البحارة ورحلة الجثمان المعقدة
وأظهرت تفاصيل الحادث أن البحارة الثمانية تمكنوا من النجاة رغم شدة الهجوم والأضرار التي أصابت مناطق حساسة داخل السفينة، وهي نجاة تعكس الفارق الضيق بين الخروج من الحادث والوقوع ضمن ضحاياه.
وكان أفراد الطاقم يعملون على متن سفينة بضائع مدنية، وهو ما يعيد تسليط الضوء على أوضاع العاملين في الملاحة التجارية حين تمر رحلاتهم عبر مناطق قريبة من ساحات القتال أو الموانئ المستهدفة.
وتفرض مثل هذه الرحلات ضغوطاً متزايدة على البحارة وشركات الشحن، لأن مسارات التجارة الدولية قد تتقاطع مع نطاق عمليات عسكرية مفتوحة، بما يجعل قرارات الإبحار والتوقف والمغادرة أكثر تعقيداً وحساسية.
ويعتمد كثير من البحارة المصريين على العمل في الأساطيل التجارية الأجنبية، ما يجعل سلامتهم مرتبطة بإجراءات الشركات المالكة وتقييماتها الأمنية ومسارات السفن، فضلاً عن الظروف السياسية والعسكرية المحيطة بالموانئ التي يعملون عبرها.
وتتحرك الجهات المعنية بالتنسيق مع الشركة المالكة للسفينة لاستكمال إجراءات إعادة جثمان الربان المصري، وهي عملية تواجه صعوبات مرتبطة بمكان الحادث وبعده عن موسكو وتعقيدات الحركة داخل روسيا أثناء الحرب.
وتتطلب إعادة الجثمان سلسلة من الخطوات الرسمية تشمل إثبات الوفاة وإنهاء المستندات والتصاريح وترتيبات النقل، وهي إجراءات تصبح أكثر بطئاً وتعقيداً عندما تقع الوفاة في دولة تخوض حرباً وتتعرض منشآتها لهجمات.
وتتابع نقابة الضباط البحريين المصرية التطورات المتعلقة بالحادث، سواء ما يخص أوضاع الناجين أو استعادة الجثمان، مع استمرار التواصل مع الأطراف المسؤولة عن السفينة والجهات المختصة في البلد الذي وقع فيه الهجوم.
وتحول انتظار الجثمان إلى فصل آخر من معاناة أسرة الربان، التي تواجه صدمة الوفاة بعيداً عن الوطن، بينما ترتبط لحظة الوداع الأخيرة بمسار إداري ودبلوماسي لا تملك الأسرة التحكم في توقيته.
البحر الأسود يضاعف مخاطر الملاحة
وتكشف نجاة البحارة أيضاً أهمية جاهزية خطط الطوارئ على متن السفن، سواء في ما يتعلق بالإخلاء أو مكافحة الحرائق أو التعامل مع الإصابات، لأن دقائق الاستجابة الأولى قد تحدد حجم الخسائر البشرية.
وفي المقابل، يبقى الهجوم نفسه دليلاً على أن إجراءات السلامة التقليدية لا تكفي وحدها عندما تتعرض سفينة لقصف مباشر، خصوصاً إذا طالت الضربات غرفة القيادة ومناطق الإقامة في وقت متقارب.
ويعد البحر الأسود واحداً من أكثر الممرات البحرية تأثراً بتداعيات الحرب منذ اندلاعها، إذ ارتفعت المخاطر المرتبطة بالموانئ وحركة السفن والتأمين والمسارات، مع استمرار الهجمات المتبادلة وتوسع استخدام الطائرات المسيرة.
وأصبحت السفن التجارية العاملة في المنطقة مطالبة بحساب المخاطر العسكرية إلى جانب الحسابات الملاحية والاقتصادية المعتادة، بعدما بات الاقتراب من بعض الموانئ أو مغادرتها يحمل احتمالات لم تكن جزءاً من التشغيل التقليدي.
وتثير واقعة «NORAN» تساؤلات بشأن مدى كفاية التحذيرات المسبقة وتقييم المخاطر قبل دخول السفن مناطق شديدة الحساسية، خصوصاً عندما يضم الطاقم بحارة أجانب يعتمدون على قرارات الشركة في تحديد مسار الرحلة.
وتبقى وفاة الربان السعيد عبد العزيز سلامة شاهداً على الكلفة البشرية التي قد يدفعها عاملون مدنيون بعيداً عن جبهات القتال، عندما تمتد نيران الحرب إلى سفن التجارة والموانئ ومسارات النقل الدولي.

