يترقب المستثمرون والمودعون والمقترضون اجتماع لجنة السياسة النقدية يوم الخميس 24 سبتمبر وسط انقسام واضح بين توقعات التثبيت واحتمال الرفع بعد عودة الفيدرالي الأمريكي إلى تشديد سياسته النقدية في سبتمبر.

 

تأتي المداولات بينما يحاول البنك المركزي موازنة ضغوط التضخم مع كلفة الاقتراض المرتفعة على الحكومة والقطاع الخاص، في وقت ما زالت فيه أسعار العائد المحلية عند مستويات مرتفعة مقارنة بمعدلات التضخم المسجلة.

 

 

الفيدرالي يعيد ضغوط الفائدة

 

رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي يوم 16 سبتمبر سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، في خطوة أعادت الضغوط على البنوك المركزية التي تراقب تحركات الدولار وتدفقات رؤوس الأموال.

 

ولا يعني القرار الأمريكي تلقائيا أن يتحرك البنك المركزي المصري في الاتجاه نفسه، لأن مصر لا تربط الجنيه بالدولار ربطا ثابتا، كما تختلف طبيعة التضخم وأولويات السياسة النقدية عن اقتصادات أخرى.

 

كان البنك المركزي قد أبقى في اجتماع 20 أغسطس على عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19% والإقراض عند 20%، مع تثبيت سعر العملية الرئيسية وسعر الائتمان والخصم عند 19.5%.

 

ويعطي هذا المستوى المرتفع من الفائدة مساحة أمام لجنة السياسة النقدية للتريث، خصوصا أن التضخم العام للحضر سجل 14.5% في أغسطس، بينما بلغ التضخم الأساسي 14.9% على أساس سنوي.

 

ويرى الخبير الاقتصادي خالد الشافعي أن التثبيت يظل السيناريو الأقرب، مستندا إلى استمرار الفارق بين الفائدة المحلية والتضخم، وإلى حاجة السلطات النقدية لمراقبة الأسعار وسوق الصرف قبل اتخاذ خطوة جديدة.

 

ويشير الشافعي إلى أن خفض الفائدة حاليا قد يقلص جاذبية الادخار بالجنيه، بينما قد يرفع أي تشديد إضافي تكلفة التمويل ويضغط على النشاط الاقتصادي، ما يجعل القرار محكوما بموازنة دقيقة بين مخاطر متعارضة.

 

في المقابل يتوقع الخبير الاقتصادي سمير رؤوف إمكانية رفع الفائدة بين ربع ونصف نقطة مئوية، محذرا من أن هذا السيناريو سيزيد تكلفة الدين ويضيف أعباء جديدة إلى الموازنة والاقتصاد الداخلي.

 

ويربط رؤوف احتمالات الرفع بتجدد التشديد الأمريكي وارتفاع تكاليف الطاقة عالميا، معتبرا أن اجتماع سبتمبر يأتي في بيئة أكثر حساسية للأسعار وتدفقات الأموال مقارنة بالاجتماعات السابقة خلال العام الجاري.

 

 

التضخم يربك حسابات الاجتماع

 

ويمثل التضخم العنصر الأكثر حساسية في القرار المقبل، بعدما أظهرت بيانات أغسطس تراجعا محدودا في التضخم العام للحضر إلى 14.5% مقابل 14.9% في يوليو، بينما ارتفع التضخم الأساسي إلى 14.9%.

 

وتشير هذه الأرقام إلى صورة غير حاسمة تماما، فتباطؤ التضخم العام يمنح مساحة للحذر، لكن ارتفاع التضخم الأساسي يعكس بقاء ضغوط سعرية لا ترتبط فقط بالعناصر الأكثر تقلبا مثل الغذاء والطاقة.

 

ويؤكد هاني جنينة أن الفائدة الحقيقية ما زالت مرتفعة، مستندا إلى الفارق بين عائد الكوريدور ومعدل التضخم، ويرى أن هذا الفارق يقلل الحاجة إلى رفع جديد لمجرد تحرك الفائدة الأمريكية.

 

كما يلفت جنينة إلى استخدام أدوات نقدية أخرى لتقييد الائتمان وكبح الطلب، معتبرا أن تقييم أثر هذه الأدوات إلى جانب تحركات التضخم والطاقة قد يكون أكثر أهمية من الاستجابة الآلية للفيدرالي.

 

ويظل احتمال تثبيت الفائدة مدعوما أيضا بإشارة البنك المركزي في أغسطس إلى استمرار السياسة النقدية التقييدية، مع تقديره أن ضغوط التضخم الناتجة عن الطلب ستبقى محدودة على المدى القصير.

 

لكن هذا التقدير لا يلغي مخاطر الصدمات الخارجية، خاصة إذا تجدد ارتفاع أسعار الطاقة أو ازدادت اضطرابات الإمدادات، لأن انتقال هذه الصدمات إلى النقل والإنتاج يمكن أن يعيد إشعال التضخم المحلي.

 

 

كلفة الدين تضيق هامش القرار

 

وتواجه الحكومة في المقابل كلفة مرتفعة لخدمة الدين، ما يجعل أي زيادة جديدة في أسعار الفائدة ذات أثر مباشر على تكلفة الاقتراض وإصدارات أدوات الدين، خصوصا مع اتساع احتياجات التمويل المحلي.

 

كما تتأثر الشركات والأسر بقرارات الفائدة من خلال تكلفة القروض والتمويل الاستهلاكي والاستثماري، لذلك فإن استمرار المستويات المرتفعة قد يبطئ التوسع الاقتصادي حتى لو ساعد على احتواء الطلب والأسعار.

 

ويمنح التثبيت صانعي السياسة فرصة إضافية لقراءة أثر الزيادة الأمريكية الأخيرة، ومراقبة تحركات الجنيه والأسعار وتدفقات المحافظ المالية، بدلا من اتخاذ قرار سريع قد يضيف تكلفة دون فائدة واضحة.

 

أما الرفع فسيعكس أولوية أكبر لحماية العائد الحقيقي على الجنيه واستباق أي ضغوط تضخمية أو مالية جديدة، لكنه سيأتي بثمن أعلى على الموازنة والائتمان والاستثمار في الاقتصاد المحلي.

 

ويبدو أن اجتماع 24 سبتمبر سيكون اختبارا لطريقة موازنة البنك المركزي بين ثلاث جبهات متزامنة هي التضخم وكلفة الدين وجاذبية الجنيه، أكثر من كونه استجابة مباشرة لقرار الفيدرالي الأمريكي.

 

وحتى صدور القرار تبقى احتمالات التثبيت والرفع مطروحة، لكن البيانات المتاحة تجعل النقاش منصبا على حجم المخاطر المقبلة وليس فقط على مستوى التضخم الحالي أو فارق الفائدة مع الولايات المتحدة.

 

وسيحدد بيان اللجنة بعد الاجتماع ما إذا كان البنك المركزي يرى الضغوط الحالية مؤقتة ويمكن امتصاصها عند مستويات الفائدة الراهنة، أم أنها تستدعي تشديدا جديدا رغم تكلفته على الدين والنمو.