فتح قرار نزع الملكية المرتبط بمحور المرج بابًا واسعًا للغضب بين سكان مناطق تمتد من المرج الجديدة إلى أبو زعبل، بعدما وجد مئات الملاك أنفسهم أمام احتمال فقدان منازل وأراضٍ ارتبطت بحياتهم ومدخراتهم.
يكشف توقيت القرار، المتزامن مع بداية العام الدراسي، حجم القلق الاجتماعي الذي يصفه الأهالي، فالمسألة بالنسبة إليهم لا تتعلق بخطوط على خرائط هندسية فقط، بل بمساكن ومدارس وأعمال وشبكات أسرية قد تتفكك سريعًا.
قرار يهدد الاستقرار السكني
تحول القرار رقم 2449 لسنة 2026 من ورقة إدارية إلى مصدر مباشر لقلق سكني واسع بعدما اعتبر المشروع من أعمال المنفعة العامة وأجاز الاستيلاء بطريق التنفيذ المباشر على الأراضي والعقارات اللازمة لصالح هيئة الطرق والكباري.
ونُشر القرار في العدد 37 من الجريدة الرسمية يوم 10 سبتمبر 2026، بينما تعود الموافقة إلى 17 أغسطس، وأرفقت به كشوف الملاك والخرائط والإحداثيات التي تحدد المساحات المطلوبة للمشروع.
وتظهر المذكرة الإيضاحية أن التعويضات المبدئية قدرت بنحو 620 مليون جنيه داخل القاهرة ونحو 6 مليارات جنيه داخل القليوبية، بما يرفع الإجمالي المبدئي إلى نحو 6.62 مليار جنيه.
لكن ضخامة الرقم لا تحسم السؤال الأهم بالنسبة للمتضررين وهو ما إذا كانت هذه التقديرات ستسمح فعلًا بشراء سكن بديل مماثل والحفاظ على مصادر الدخل والعلاقات الاجتماعية التي تكونت خلال سنوات طويلة.
ويشير الباحث يحيى شوكت، المتخصص في سياسات الإسكان ومدير وحدة معنية بسياسات العمران، في دراسة نقدية حديثة إلى أن اتساع مفهوم المنفعة العامة وضعف بعض الضمانات الإجرائية يفرضان أعباء اجتماعية كبيرة على الأسر.
ويرى شوكت أن نزع الملكية يفترض أن يظل إجراء استثنائيًا، وأن تسبق قراراته دراسات اجتماعية واقتصادية وبيئية تثبت الضرورة وتفحص البدائل الأقل ضررًا بدل الاكتفاء بالمسار الإداري المعتاد.
هذا الطرح يلامس جوهر اعتراض سكان المرج والقلج والخانكة وأبو زعبل، لأنهم لا يرفضون تطوير الطرق من حيث المبدأ، لكنهم يطالبون بإثبات أن إزالة مساكنهم هي الخيار الوحيد المتاح.
ويزداد الاعتراض حساسية مع قول الأهالي إن بين المتأثرين كبار سن وأرامل وأسرًا محدودة الموارد، وهي فئات قد لا تستطيع تحويل التعويض النقدي إلى سكن بديل قريب من المدارس والعمل والخدمات.
التعويضات لا تنهي الخسائر
ويؤكد الإطار القانوني حماية الملكية الخاصة واشتراط التعويض العادل، لكن النزاع الحقيقي يبدأ عادة عند تقدير القيمة وعند الفارق بين السعر المقدر وقدرة الأسرة الفعلية على شراء مسكن بديل مناسب.
وتوضح دراسات متخصصة أن التعويض قد يركز على قيمة العقار نفسه دون تغطية كاملة لخسائر الانتقال وتعطل الدخل وتكاليف النقل والتقاضي، وهي أعباء يمكن أن تجعل المقابل أقل من الضرر الفعلي.
وتذهب الباحثة الاجتماعية نادين عبد الرازق، المتخصصة في العدالة المكانية والتهجير من منظور اجتماعي قانوني، إلى ضرورة توسيع التعويض ليشمل تكاليف الانتقال وفقدان الدخل والاستعانة بمقيمين عقاريين مستقلين.
كما شاركت عبد الرازق في طرح قاعدة تقضي بألا يبدأ الإخلاء قبل سداد كامل التعويض، وأن يتوقف التنفيذ عند الطعن حتى يصدر حكم نهائي ويُدفع المبلغ الذي تقرره المحكمة.
هذه الضمانات تبدو حاسمة في حالة محور المرج، لأن أي تأخير بين الإخلاء والتعويض قد يترك الأسرة أمام تكلفة إيجار مؤقت ونقل أثاث وتعطل عمل ومصاريف مدرسية متزامنة مع بداية الدراسة.
ولا تقف الأزمة عند قيمة العقار، فالمحل الصغير أو الورشة أو قطعة الأرض تمثل مصدر دخل، وفقدان الموقع قد يعني خسارة زبائن وعلاقات مهنية لا يمكن اختزالها في سعر المتر.
ويثير ذلك سؤالًا أكبر حول معنى التعويض العادل، فالمبلغ الذي يعوض جدرانًا فقط قد لا يعوض خسارة مصدر الرزق أو تغيير المدرسة أو ابتعاد الأسرة عن محيطها الاجتماعي والخدمي المعتاد.
كما تصبح أوضاع الملكيات والحيازات غير المسجلة مصدر قلق إضافي، إذ تحذر الدراسات من أن تعقيدات التسجيل قد تضع بعض المتضررين في موقف أضعف عند إثبات الحقوق والحصول على التعويض الكامل.
بدائل هندسية قبل الإزالة
ويطرح الأهالي بدائل هندسية يقولون إنها قادرة على تقليص الإزالات، أبرزها تغطية رشاح القلج وتحويله إلى صرف مغطى ثم تمرير المحور فوقه بدل توسيع نطاق الهدم داخل الكتل السكنية.
كما يقترحون رفع خط المترو على أعمدة وتمرير المحور أسفله على غرار نماذج منفذة في القاهرة، معتبرين أن دراسة هذا البديل قد تقلل عدد العقارات المتعارضة وتخفف فاتورة التعويضات.
وتكتسب فكرة الرشاح وزنًا إضافيًا لأن المنطقة عانت منذ سنوات من مشكلات تلوث وصرف صحي، وسبق طرح أعمال لتغطية أجزاء منه وربط المرج بمناطق مجاورة، ما يجعل البديل قابلًا للنقاش الفني.
المشكلة أن الأهالي، وفق ما أعلنوه، لا يرون حتى الآن حوارًا علنيًا تفصيليًا يقارن بين المسار الحكومي والبدائل التي قدموها من حيث التكلفة وعدد الإزالات والأثر البيئي والاجتماعي.
وتنتقد الباحثة العمرانية والمحاضرة الجامعية أمنية خليل سياسات الإزالة وإعادة التطوير واسعة النطاق في القاهرة، وركزت في أبحاثها على أثر التهجير وفقدان السكان السيطرة على أحيائهم وشبكات حياتهم اليومية.
وسبق لخليل أن وجهت انتقادات صريحة لغياب الشفافية في حالات إزالة أخرى، معتبرة أن إعادة التطوير من دون مشاركة حقيقية للسكان تخلق أزمة تتجاوز المباني إلى الحق في المكان والاستقرار.
ولا يعني ذلك أن مشروع محور المرج يطابق الحالات التي درستها خليل، لكنه يضع أمام الحكومة السؤال نفسه حول المشاركة المجتمعية وهل عرضت البدائل وناقشتها قبل الوصول إلى قرار الاستيلاء.
ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحًا لأن المذكرة الرسمية نفسها تشير إلى ظهور تعارضات بين التنفيذ على الطبيعة وبين أراض وعقارات قائمة، ما يعني أن هذه التعارضات كانت سببًا مباشرًا في طلب نزع الملكية.
وتظهر الوثائق المرفقة وجود 107 كشوف معتمدة لأسماء الملاك الظاهرين و21 كشفًا لإحداثيات المسار و17 خريطة للتخطيط الإجمالي، وهو نطاق إداري كبير يعكس اتساع المناطق والعقارات الداخلة في الإجراءات.
لكن الأرقام والخرائط لا تجيب وحدها عن مصير الأسر التي تعيش داخل هذه المناطق، ولا عن قدرة أصحاب الحيازات غير المسجلة أو الأوضاع القانونية المعقدة على الحصول على حقوقهم كاملة.
وتحذر الدراسات الحديثة من أن ضعف التسجيل العقاري في مصر يجعل بعض الملاك أو الحائزين أكثر هشاشة أثناء نزع الملكية، لأن إثبات الحق قد يتحول إلى نزاع طويل بينما إجراءات المشروع تستمر.
لهذا يصبح نشر منهج تقييم التعويضات ومواعيد الصرف وآليات التظلم والبدائل السكنية ضرورة عملية، وليس مجرد إجراء بيروقراطي، خصوصًا عندما يكون القرار متعلقًا بمنازل مأهولة لا بأراض فضاء.
ويقول الأهالي إنهم يريدون التطوير من دون أن يدفعوا وحدهم ثمنه، وهي مطالبة يمكن اختبارها عبر مقارنة معلنة بين تكلفة تعديل المسار وتكلفة الإزالات والتعويضات والآثار الاجتماعية طويلة المدى.
ويبقى التحدي أمام الجهات التنفيذية هو إثبات أن المنفعة العامة لا تقاس بسرعة تنفيذ الطريق فقط، بل أيضًا بقدرتها على تقليل الضرر وحماية السكن ودفع تعويض عادل قبل انتقال أي أسرة.
فالمشروع الذي يختصر زمن الرحلات ويخفف الاختناقات يمكن أن يحقق منفعة واسعة، لكن تلك المنفعة تصبح محل مساءلة عندما تواجه أسر متضررة خطر فقدان مساكنها دون بديل مكافئ وضمانات واضحة.
والفصل بين التطوير وحقوق السكان ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب شفافية أكبر ودراسة معلنة للبدائل وتعويضًا يقترب من القيمة الاستبدالية ومشاركة حقيقية للأهالي قبل بدء الإزالة، وهي اختبارات ستحدد عدالة التنفيذ.

