كان الشاب أحمد مجدي عبدالعظيم يمثل المعنى الحقيقي للسند وتحمل المسؤولية. منذ أن كان طالبًا في الفرقة الأولى بكلية الهندسة، رحل والده، فوجد نفسه فجأة في مواجهة الحياة، حاملًا على عاتقيه مسؤولية والدته وإخوته. 

 

ولم يكن هذا العبء ثقيلًا على قلبه، بل كان يرى في قربه منهم كل العوض؛ ولهذا السبب تحديدًا، رفض بعد تخرجه كل فرص العمل المغرية في القاهرة بمرتبات أعلى، مفضلًا البقاء في وظيفته ببني سويف ليكون بجانب عائلته وأمه التي كانت تمثل الأولوية الأولى في حياته.

 

لكن مسار هذه الحياة الهادئة تغير تمامًا في 21 ديسمبر 2017، كما رصدت المفوضية المصرية للحقوق والحريات. كان أحمد قد عاد للتو من عمله، والأسرة تلتف حول مائدة الطعام لتناول العشاء معًا، حين طرق الباب رجال الأمن. قام يفتح الباب بكل هدوء، التفت إلى أمه القلقة وطمأنها بكلمات بسيطة: "ادخلي يا أمي مفيش حاجة، أنا ساعتين وأرجعلك تاني".

 

 

ساعتان تحولتا إلى أكثر من 3190 يومًا

 

لم تكن الساعتان مجرد وقت عابر، بل تحولتا إلى أكثر من 3190 يومًا من الاختفاء القسري والغياب التام، دون أن تُعلن أي جهة رسمية عن مكان تواجده حتى اليوم.

 

على مدار نحو 9 سنوات من الغياب القسري، لم تترك الأم بابًا إلا وطرقته؛ سألت في كل مكان، وأرسلت استغاثات وشكاوى لكل مسؤول يمكنها الوصول إليه، لكن الإجابة كانت دائمًا واحدة: الصمت، ولا أحد يعرف مكان أحمد.

 

أحمد اليوم يبلغ من العمر 34 عامًا، مرّ شبابه وأجمل سنوات عمره وأحلامه الكثيرة معتقلة في عتمة الغياب. مرت على الأسرة أحداث ومناسبات مريرة وثقيلة كان يتمنون وجوده فيها؛ مرت زيجة أخته دون أن يزفّها، وغاب عن أن يكون السند والظهر لأخيه، ورحل خاله وخالته عن الدنيا وأحمد ليس هناك ليهون على أمه آلام الفقد والاضطراب التي عاشتها الأسرة.

 

 

أسرته تحلم بعودته إلى أحضانها

 

في البيت، كل شيء يخص أحمد لا يزال في مكانه ينتظر عودته؛ ملابسه الجديدة، أدواته الكهربائية التي كان يحب استخدامها لإصلاح أعطال المنزل، وشنيوره الخاص. كل تفاصيله معلقة على أمل اللقاء.

 

أمنية والدته الوحيدة اليوم هي أن تراه وتحتضنه قبل أن يدركها الأجل، تختصر كل تلك السنوات بكلمات تخبئها له في قلبها لتقولها يوم لقائه: "الحمد لله أن ربنا ردك ليا وقر عيني بيك، لأنك ونعم الابن البار. وحشتنا كتير ودفعنا تمن غيابك كتير وأنت دفعت أكتر.. دفعنا صحتنا ونفسيتنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل".