تعيش أسر سجناء الرأي واقعًا مختلفًا تفرضه سنوات الغياب والانتظار، إذ تتحول الزيارة إلى موعد شديد الخصوصية تختلط فيه مشاعر الفرح بالقلق والحزن، بينما يصبح الوداع في كثير من الأحيان أكثر قسوة من لحظة اللقاء نفسها.
فخلف أبواب السجون، تظل حياة الأسر معلقة بين موعد زيارة وآخر، وبين محاولة الاطمئنان على ذويهم وبين الخوف مما قد تحمله الأيام المقبلة.
أمهات ينتظرن أبناءهن، وزوجات يترقبن لقاء أزواجهن، وأطفال يكبرون بعيدًا عن آبائهم، فيما تستمر تفاصيل الحياة اليومية خارج السجن وكأنها عبء إضافي تتحمله الأسرة وحدها.
ولا تبدأ معاناة الأهالي بمجرد دخولهم إلى السجن، بل تسبق الزيارة نفسها، من الانتظار أمام الأبواب وطول الإجراءات إلى الوقوف في طوابير قد تمتد لساعات، أملاً في دقائق قليلة تجمعهم بمن غاب عنهم.
وعندما يحين اللقاء، يجد كثيرون أنفسهم أمام وقت محدود لا يكفي لسرد تفاصيل الأيام الطويلة التي مرت في غياب أحبائهم.
الزيارة موعد للفرح والوجع
ضمن شهادات أهالي السجناء عن تجاربهم مع الزيارات، تروي الفنانة التشكيلية نجلاء سلامة، زوجة الدكتور والكاتب عبدالخالق فاروق، جانبًا من حياتها منذ دخول زوجها السجن، مؤكدة أن أصعب ما تواجهه خلال الزيارة لا يرتبط ببدايتها، وإنما باللحظة التي تنتهي فيها.
وتوضح نجلاء أن مشاعرها تتغير تمامًا خلال دقائق الزيارة؛ ففي البداية تحاول استثمار كل لحظة ممكنة في الحديث مع زوجها والضحك معه والاطمئنان عليه، لكن اقتراب موعد الانتهاء يعيد إليها ثقل الغياب من جديد.
وتقول إن اللحظة التي يعلن فيها انتهاء الزيارة تمثل بالنسبة لها أصعب مشهد، بعدما تكون قد حاولت طوال اللقاء إخفاء حزنها حتى لا تنقل إليه مزيدًا من القلق أو الألم.
وبينما يكون اللقاء فرصة قصيرة لاستعادة بعض تفاصيل الحياة التي حرمها السجن منها، يتحول الوداع إلى تذكير جديد بأن الأسرة ستعود مرة أخرى إلى الانتظار، وأن عليها أن تبدأ من جديد في حساب الأيام حتى موعد الزيارة التالية.
خمس دقائق تختصر معاناة طويلة
وتكشف زوجة عبدالخالق فاروق أن مدة الزيارة ليست ثابتة دائمًا، وأنها قد تختلف من مرة إلى أخرى بحسب الظروف والإجراءات. وتشير إلى أن بعض الزيارات قد تمتد لنحو نصف ساعة أو 45 دقيقة، فيما تصل في أوقات أخرى إلى أكثر من ساعة أو ساعة ونصف.
لكن إحدى الزيارات، التي جاءت خلال شهر رمضان، تركت لديها ذكرى مختلفة تمامًا، بعدما لم تتجاوز مدتها خمس دقائق.
وتروي نجلاء أنها فوجئت بقصر وقت الزيارة، وحين اعترضت على انتهاء اللقاء بهذه السرعة، جاءها الرد بأن الوقت تم تمديده، لتصبح الزيارة سبع دقائق بدلًا من خمس.
ورغم أن الدقيقتين الإضافيتين قد تبدوان وقتًا محدودًا للغاية في الظروف العادية، فإنهما بالنسبة لأسرة لا تملك سوى دقائق معدودة لرؤية أحد أفرادها كانتا فارقتين في لحظة شديدة القسوة.
وتعكس هذه الواقعة حجم الفجوة بين احتياجات الأسر الإنسانية وبين الوقت الذي يتاح لها للاطمئنان على ذويها، خصوصًا عندما تكون الزيارات هي الوسيلة الأساسية للتواصل المباشر مع السجين.
تفاصيل الحياة خارج أسوار السجن
ولا تتوقف معاناة نجلاء عند حدود الوقت القصير الذي تقضيه مع زوجها، إذ تفرض فترة الغياب واقعًا جديدًا على حياتها اليومية، خاصة فيما يتعلق بالمسؤوليات والقرارات التي كانت تشارك فيها زوجها قبل دخوله السجن.
وتوضح أن محدودية الوقت خلال الزيارة تجعل من الصعب التحدث في جميع الأمور الأسرية، أو مناقشة التفاصيل التي تحتاج إلى وقت وهدوء، وهو ما يجعلها تتحمل جانبًا كبيرًا من المسؤوليات بمفردها.
كما أن هناك أخبارًا وأحداثًا مؤلمة تضطر أحيانًا إلى الاحتفاظ بها لنفسها، خشية أن يؤدي نقلها إلى زيادة معاناة زوجها وهو داخل السجن.
فالموت، والمرض، والأزمات العائلية وغيرها من الأخبار التي تحتاج الأسرة عادة إلى مشاركتها بين أفرادها، قد تتحول في هذه الظروف إلى عبء نفسي إضافي، لأن نقلها يصبح مرتبطًا بالخوف على الحالة النفسية للسجين.
وهكذا لا يصبح الغياب مجرد ابتعاد مكاني، وإنما يمتد تأثيره إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويعيد توزيع المسؤوليات داخل الأسرة بصورة لم تكن معتادة عليها قبل السجن.
الوداع أصعب من لحظة اللقاء
وتؤكد نجلاء أن لحظة انتهاء الزيارة هي الأصعب بالنسبة إليها، لأنها تضطر خلالها إلى مواجهة حقيقة الغياب من جديد.
فخلال بداية الزيارة، تحاول الأسرة أن تصنع مساحة صغيرة من الحياة الطبيعية داخل اللقاء المحدود، فتتبادل الحديث والضحكات وتحاول تجاوز أجواء السجن ولو لفترة قصيرة.
لكن مع اقتراب النهاية، تتراجع تلك المشاعر لتحل محلها حالة من الحزن، خاصة مع إدراك أن اللقاء انتهى وأن العودة إلى الحياة خارج السجن تعني انتظارًا جديدًا.
وتشير إلى أنها تحاول في تلك اللحظات السيطرة على دموعها، ليس لأنها لا تشعر بالحزن، وإنما لأنها لا تريد أن تزيد من هموم زوجها أو تجعله يغادر الزيارة وهو مثقل بمشاعرها.
وتصبح الدقائق الأخيرة من اللقاء اختبارًا صعبًا للطرفين؛ فالسجين يدرك أن أسرته ستغادر، والأسرة تعرف أنها ستترك خلفها شخصًا عزيزًا عليها لتعود إلى منزلها بدونه.
الضغط النفسي يترك آثاره
وتقول نجلاء إن التجربة لم تمر عليها دون آثار، موضحة أنها في بداية الأمر لم تمنح نفسها فرصة للانهيار أو التعب، وحاولت أن تستمر في حياتها بصورة طبيعية قدر الإمكان.
كانت تذهب إلى الزيارات وتتحمل المسؤوليات وتحاول الحفاظ على تماسكها، لكن الضغوط المتراكمة مع مرور الوقت بدأت تظهر على جسدها وحالتها العامة.
وتشير إلى معاناتها من آلام في الساق والعظام والعمود الفقري، إلى جانب مشكلات مرتبطة بالاتزان، معتبرة أن ما تعرضت له لم يكن مجرد حزن عابر، وإنما تجربة طويلة تركت آثارها عليها.
تجربة تصفها بالأقسى
وتصف نجلاء الفترة التي عاشتها منذ دخول زوجها السجن بأنها من أقسى التجارب التي مرت بها، مؤكدة أنها لا تتمنى أن يعيش أي إنسان الظروف نفسها.
ولا تحصر حديثها في تجربتها الشخصية فقط، بل تعبر عن رفضها لفكرة أن يمر أي شخص بما عاشته أسرتها من محاكمة وانتظار وغياب طويل عن الحياة الطبيعية.
فبالنسبة إليها، لا ترتبط المعاناة فقط بوجود الزوج خلف القضبان، وإنما بما يترتب على ذلك من أيام متشابهة، وانتظار متكرر، وقلق دائم، ولقاءات قصيرة لا تكفي لاستعادة ما فات من تفاصيل.
أمنية واحدة تنهي الانتظار
ورغم كل ما تحمله الزيارات من مشاعر متناقضة، تختصر نجلاء أمنيتها في شيء يبدو بسيطًا لكنه بالنسبة إليها يحمل معنى كبيرًا، وهو أن يعود الأحبة إلى منازلهم، وأن تستعيد الأسر حياتها الطبيعية بعد سنوات من الغياب.
وتحلم بيوم لا تكون فيه الزيارة مرتبطة ببوابة سجن أو طابور انتظار أو دقائق معدودة، وإنما يصبح اللقاء عاديًا كما كان من قبل، داخل المنزل وبين أفراد الأسرة.
وتختتم نجلاء أمنيتها بصورة إنسانية تختصر ما تريده من المستقبل؛ أن يأتي يوم تستطيع فيه أن تقول لزوجها «مساء الخير يا عزيز عيني» وهو إلى جوارها في البيت، لا خلف أسوار السجن.

