بين مياه صرف تتسرب إلى المنازل وشوارع يبتلعها الظلام، يرفع أهالي نجع القطعان، بقرية عمارة، مشروع 8، التابعة لمركز حوش عيسى بالبحيرة، استغاثة تكشف قسوة الحرمان من أبسط الخدمات العامة.

 

وبحسب شكاوى السكان، تحولت سنوات انتظار الصرف الصحي والإنارة إلى خوف يومي على البيوت والأطفال، بينما بقيت التعهدات بلا نتيجة ملموسة، لتواجه الحكومة سؤالًا مباشرًا عن معنى التنمية حين تغيب مقومات الحياة الآمنة.

 

 

الصرف يتسرب إلى البيوت

 

يقول الأهالي إن غياب شبكة الصرف الصحي دفعهم إلى الاعتماد على خزانات وحفر بدائية، مع استمرار تسرب المياه والروائح، حتى صار البيت الذي يفترض أن يحمي الأسرة مصدرًا دائمًا للقلق.

 

وتتصدر المخاوف شكاوى رشح المياه أسفل الجدران وتأثر أساسات المنازل، وهي مؤشرات تستدعي فحصًا هندسيًا عاجلًا، لتحديد مستوى الضرر الفعلي، واتخاذ إجراءات الحماية اللازمة وفق نتائج المعاينة الفنية لكل مبنى.

 

ولا تتضمن المعلومات المتاحة تقريرًا هندسيًا يثبت انهيارًا وشيكًا، لكن غياب هذا التقرير لا يبرر الانتظار؛ بل يجعل إرسال المختصين واجبًا عاجلًا، قبل أن تتحول مخاوف السكان إلى أضرار أكبر.

 

وتكشف الشكوى مأزقًا يتجاوز مشكلة مواسير متأخرة؛ فالأسر التي تعيش بلا خدمة أساسية تتحمل تبعات غيابها داخل منازلها، بينما يظل توقيت الحل مرتبطًا بإجراءات إدارية لا يملك المواطن التحكم فيها.

 

وفي تحليل منشور عام 2017، انتقد يحيى شوكت، الباحث في سياسات الإسكان والعمران، توزيع الاستثمارات العامة دون ارتباط كافٍ بحجم الحرمان، معتبرًا أن زيادة الإنفاق لم تعالج التفاوت المكاني تلقائيًا.

 

ودعا شوكت إلى تخطيط يستند إلى الاحتياجات ومشاركة السكان، مع معالجة تشابك الجهات الحكومية وعدم المساواة بين التجمعات القائمة والمدن الجديدة، بدل استمرار توزيع الموارد بمعزل عن أولويات المناطق المحرومة.

 

وتقدم هذه القراءة معيارًا لمساءلة المسؤولين عن النجع: ما موقعه على خريطة الاحتياج؟ وما سبب تأخر الخدمة؟ وأين الاعتماد المالي والجدول التنفيذي اللذان يستطيع السكان مراجعة ما تحقق منهما فعلًا؟

 

فالحديث العام عن مشروعات التنمية لا يجيب عن أسئلة أسرة تخشى على جدران منزلها، ولا يكفي الإعلان عن توسعات المرافق ما لم يظهر أثرها في التجمعات التي تنتظر منذ سنوات.

 

والمطلوب إعلان موقف المشروع بوضوح، بما يشمل الدراسات والتمويل والعوائق الفنية، مع توفير تدبير مؤقت مأمون للصرف، حتى لا يصبح انتظار الشبكة الدائمة مبررًا لترك السكان تحت ضغط الأزمة اليومية.

 

 

روائح وآفات داخل المنازل

 

ولا تتوقف معاناة الأهالي عند حدود المباني؛ إذ يشكون من روائح متواصلة وانتشار الحشرات والقوارض، ودخول ثعابين إلى البيوت، بما يضاعف مخاوف الأسر على الأطفال وكبار السن والمرضى داخل النجع.

 

وهذه الشهادات تستدعي معاينة صحية وبيئية مشتركة، تحدد مصادر التلوث ومواقع تجمع المياه واحتياجات المكافحة، بدل اختزال الاستجابة في حملة عابرة تنتهي قبل معالجة الأسباب التي يعزو السكان إليها معاناتهم.

 

ولا توجد في المادة المتاحة بيانات تثبت تفشي مرض بعينه أو تلوث مياه الشرب، ولذلك تبقى الفحوص الميدانية ضرورية، بعيدًا عن التهوين من المخاطر أو إطلاق أحكام طبية بلا دليل.

 

وفي دراسة نشرها في ديسمبر 2014، أوضح الدكتور محمد حسن خليل، الطبيب والناشط في الدفاع عن الحق في الصحة، أن المياه النظيفة والصرف والتخلص السليم من القمامة محددات أساسية للصحة.

 

وانتقد خليل في الدراسة توجهات تحويل الرعاية الصحية إلى نشاط ربحي، ودافع عن مسؤولية الدولة في حماية الحق في الصحة، مؤكدًا أن الحالة الصحية ترتبط بالظروف الاقتصادية والاجتماعية وبالخدمات المحيطة.

 

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة أزمة النجع بوصفها إخفاقًا في توفير شروط الوقاية، فحماية السكان تبدأ من البيئة التي يعيشون فيها، ولا يصح اختزال مسؤولية الحكومة في العلاج بعد وقوع الضرر.

 

وعندما تُترك أسرة لمواجهة الصرف المتسرب والآفات وحدها، يصبح دخلها وقدرتها على تدبير حلول فردية عاملين في مستوى حمايتها، وهو وضع يناقض فكرة إتاحة الخدمات الأساسية لجميع المواطنين على قدم المساواة.

 

وتقتضي الاستجابة الجادة تنسيقًا بين الجهات الصحية والبيئية ومسؤولي المرافق، مع إبلاغ الأهالي بنتائج الفحص والإجراءات المتخذة، حتى يعرفوا طبيعة المخاطر الفعلية ومواعيد التعامل معها، بدل البقاء أسرى التخمين والخوف.

 

أما استمرار الاكتفاء بتلقي الاستغاثات، إذا ثبت دون تدخل مؤثر، فيعني نقل عبء التقصير إلى السكان، وتركهم يدفعون ثمن غياب الخدمة من راحتهم وأمانهم وقدرتهم على ممارسة حياتهم اليومية بصورة طبيعية.

 

 

شوارع مظلمة ووعود معلقة

 

ومع غروب الشمس، تبدأ معاناة أخرى يصفها السكان بغياب الإنارة العامة الكافية، فتزداد صعوبة الحركة وقضاء الاحتياجات، خصوصًا لدى النساء والأطفال، في منطقة يقول الأهالي إن قربها من المقابر يفاقم مخاوفهم.

 

والقضية هنا تتعلق بحق الناس في شوارع واضحة وآمنة، وبمسؤولية الإدارة عن فحص احتياجات الإنارة وتركيبها وصيانتها، دون تعليق هذا الملف على اكتمال مشروع الصرف الصحي الذي قد يتطلب وقتًا أطول.

 

ويقول الأهالي إن بعض أعضاء مجلس النواب قدموا تعهدات بتوصيل المرافق وإنارة الشوارع، لكنها لم تتحول إلى تنفيذ، وهو ما يضع قيمة هذه الوعود موضع اختبار أمام أصحاب الشكوى أنفسهم.

 

وفي تصريحات منشورة في يناير 2026، انتقد الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، الخلل في التخطيط والمتابعة وتحديد المسؤوليات، خلال حديثه عن أزمة المخلفات وتراجع خدمات النظافة في الشوارع.

 

وأوضح عرفة أن تداخل الاختصاصات يسمح باستمرار التقصير دون محاسبة، ورفض تحميل المواطن وحده المسؤولية مع نقص الخدمة، داعيًا إلى تحديد مسؤول مباشر وربط التقييم بمؤشرات أداء فعلية ورقابة يومية.

 

ويمتد سؤال المساءلة الذي تطرحه هذه الرؤية إلى أزمة النجع، مع اختلاف نوع الخدمة: من يتولى التنفيذ تحديدًا، ومن يتابع الشكاوى، ومن يفسر للأهالي أسباب التأخير ويتحمل مسؤولية معالجة العوائق؟

 

ويتوجه السكان بمطالبهم إلى محافظة البحيرة ورئاسة مركز حوش عيسى، داعين إلى لجنة فنية تعاين المنطقة، وإدراجها ضمن مشروعات الصرف، وتوفير الإنارة والخدمات التي تتيح لهم العيش في بيئة آمنة.

 

ولا تتضمن المادة المتاحة ردًا رسميًا تفصيليًا يوضح موقف هذه المطالب، ما يجعل نشر جدول للإجراءات والجهات المسؤولة والتمويل ضرورة للمساءلة، حتى يستطيع السكان التمييز بين خطوة تنفيذية وتعهد جديد.

 

فأهالي نجع القطعان لا يطلبون امتيازًا استثنائيًا؛ إنهم يطالبون بصرف مأمون وبيوت آمنة وشوارع مضاءة، وعلى الحكومة أن تجعل هذه الحقوق واقعًا قابلًا للقياس، وأن تجيب عن التأخير بإجراءات واضحة ومواعيد معلنة.