أعاد وزير الخارجية بدر عبد العاطي، خلال لقائه سفراء الاتحاد الأوروبي في مصر، وصف النيل بأنه قضية وجودية ومسألة أمن قومي، بينما تفضح حصيلة الملف اتساع المسافة بين صرامة التصريحات وضعف النتائج.

 

ورغم تأكيده رفض الإجراءات الأحادية في الحوض الشرقي، يظل السؤال معلقًا فوق حكم عبد الفتاح السيسي: ماذا حققت سنوات إدارة الأزمة، إذا كانت مصر لا تزال تطالب بالضمانات التي كان ينبغي انتزاعها مبكرًا؟

 

 

حزم أمام الكاميرات وعجز في النتائج

 

تبدو عبارة «فات المعاد» وصفًا لفوات فرص التأثير المبكر، بعدما انتقل سد النهضة من مشروع قيد البناء إلى منشأة افتتحتها إثيوبيا في سبتمبر 2025، دون اتفاق ملزم مع دولتي المصب.

 

في هذا السياق، تبدو إعادة إعلان الرفض أقرب إلى استهلاك إعلامي لمفردات السيادة، ما لم تصاحبها خطوات معلنة تقاس بنتائج واضحة، وتفسر كيف ستتحول التحذيرات المصرية إلى التزامات تحكم التشغيل.

 

المشكلة ليست ضعف الكلمات؛ فالقاموس الرسمي ممتلئ بالتعبيرات الحاسمة. المشكلة أن تكرارها دون تسوية قابلة للتنفيذ يستنزف صدقيتها، ويمنح الجمهور انطباعًا بأن السلطة تدير وقع الأزمة أكثر مما تغير مسارها.

 

ولا يكفي عرض المخاوف أمام سفراء أوروبا لإثبات نجاح التحرك الدبلوماسي؛ فالمعيار هو مقدار الدعم الذي يتحول إلى ضغط مؤثر، ومدى اقتراب القاهرة من ضمانات محددة لتدفقات المياه وإدارة الخلاف.

 

أما القول إن الأمن المائي لا يمكن المساس به، فيستدعي كشف الأدوات التي تجعل هذا الموقف قابلًا للتنفيذ. فالجملة السياسية لا تصبح ضمانة لمجرد صدورها عن وزير أو تكرارها في البيانات.

 

ومن حق المصريين معرفة ما طلبته حكومتهم تحديدًا من الشركاء الأوروبيين، وما الاستجابة التي تلقتها، وكيف ستتابعها؛ لأن إعلان أهمية النيل لا يقدم وحده إجابة عن مستقبل التفاوض وشروط النجاح.

 

هنا يتضح مأزق السيسي: كلما رفعت السلطة سقف خطابها، ازدادت مسؤوليتها عن تفسير حصيلة اختياراتها. فالزعامة التي تحتكر إعلان الإنجازات مطالبة بتحمل تبعات الإخفاق، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمورد الحياة الأساسي.

 

 

توقيع السيسي ومسؤولية لا تمحوها البيانات

 

في مارس 2015، وقع السيسي إعلان المبادئ في الخرطوم مع السودان وإثيوبيا. وتضمن الإعلان مبادئ للتعاون وتجنب الضرر ذي الشأن، والاتفاق على قواعد الملء والتشغيل، لكنه لم يقدم بنفسه اتفاقًا تشغيليًا تفصيليًا.

 

لا يصح اختزال الوثيقة في ادعاء أنها تنازل صريح عن مياه مصر؛ فهذا حكم يتجاوز نصها. لكن المسؤولية السياسية قائمة بشأن توقيع إطار لم تستطع الإدارة المصرية تحويله إلى ضمانات تشغيلية متفق عليها.

 

كان الاختبار الحقيقي لهذا المسار هو تنفيذ الالتزامات وتحقيق الاتفاق المطلوب. وعندما استمرت الخلافات، أصبح واجب السلطة مراجعة تقديراتها علنًا، وشرح أسباب تعثر الرهان الذي ارتبط بتوقيع رئيس الجمهورية شخصيًا.

 

وتزداد الأسئلة إلحاحًا عند قراءة بند تسوية المنازعات، الذي يعتمد المشاورات والتفاوض، ثم يتيح للدول مجتمعة طلب التوفيق أو الوساطة. وهذه الصيغة تستدعي مساءلة حسابات التوقيع ومدى كفاية أدوات معالجة التعثر.

 

وفي ديسمبر 2023، أعلنت الحكومة المصرية انتهاء المسارات التفاوضية بعد اجتماع لم يحقق نتيجة، واتهمت إثيوبيا باستغلال التفاوض لفرض الأمر الواقع. بذلك قدمت السلطة بنفسها إقرارًا رسميًا بانسداد الطريق الذي سلكته.

 

والسؤال الذي يفرضه ذلك الإقرار: كيف أُدير الوقت طوال هذه السنوات، وما البدائل التي أعدتها الرئاسة لاحتمال الفشل؟ لا تستطيع الإدارة تقديم تعثر المفاوضات بوصفه مفاجأة تعفي أصحاب القرار من الحساب.

 

صحيح أن تعنت الطرف الآخر، وفق الرواية المصرية، عامل أساسي في الأزمة؛ لكن وظيفة القيادة احتساب التعنت ومواجهته بأدوات مؤثرة. إحالة المسؤولية كلها إلى إثيوبيا لا تبرئ طريقة إدارة المصالح المصرية.

 

 

مياه المصريين تستحق ضمانات ومحاسبة

 

الأمن المائي يتطلب ترتيبات يمكن التحقق منها: تبادل بيانات، وتنسيق تشغيل، وقواعد واضحة للتعامل مع الجفاف، وآليات لتسوية النزاعات. وكل تحرك لا يقرب مصر من هذه الأهداف يحتاج إلى مراجعة.

 

ولا تعني قسوة النقد أن كل أزمة مياه داخل مصر سببها سد النهضة؛ فتقييم الضرر يحتاج بيانات ودراسة. لكن غياب الشفافية يضعف قدرة المجتمع على التمييز بين المخاطر الخارجية وأوجه القصور الداخلية.

 

ومن واجب الحكومة نشر المعلومات التي تسمح بتقييم الموقف، وشرح سيناريوهات التعامل مع نقص الإيراد المائي وتكلفتها. المواطن ليس متلقيًا لجرعات الطمأنة، بل صاحب مصلحة مباشرة في كل قرار يمس المياه.

 

كما ينبغي ألا تتحول مشروعات معالجة المياه وترشيد استخدامها إلى ستار يحجب سؤال السياسة الخارجية. فرفع كفاءة الإدارة الداخلية واجب مستمر، ونجاحه لا يسقط ضرورة التوصل إلى ترتيبات مستقرة مع دول الحوض.

 

المحاسبة المطلوبة تبدأ بمراجعة مستقلة لمسار القرار منذ توقيع إعلان المبادئ، تشمل التقديرات والبدائل ونتائج الجولات التفاوضية. فلا يجوز أن تبقى إدارة ملف بهذا الحجم محصنة من التدقيق لمجرد وصفه بالحساس.

 

وإذا كان السيسي يريد إقناع المصريين بأن الدولة تحمي حقوقهم، فعليه تقديم حصيلة قابلة للفحص وخطة بمراحل محددة. أما الاكتفاء بعبارات الرفض، فيترك الفجوة مفتوحة بين صورة الحزم وحقيقة الإنجاز.

 

لقد فات موعد الاكتفاء بالوعود، وباتت تصريحات عبد العاطي اختبارًا جديدًا لصدقية الحكم كله. فالنيل يحتاج سياسة تنتزع ضمانات، والمصريون يستحقون حسابًا واضحًا عن سنوات انتهت باعتراف رسمي بفشل المسار التفاوضي.