تداولت المنصات الإعلامية خلال الأيام الماضية صورًا لمديري مدارس ومدرسين وهم يمسحون الفصول وينظفون المدارس ويدهنون الجدران، وسط تقديم هذه المشاهد باعتبارها نماذج تستحق الإشادة والفخر، لكن د. مراد علي رأى أن الصورة من زاوية أخرى تكشف أزمة أعمق، وهي تراجع الدولة عن القيام بواجباتها الأساسية داخل المدارس، وتحويل نقص الإمكانات والعمالة والتمويل إلى مسؤولية يتحملها العاملون بأيديهم.

 

ويرفض مراد علي التعامل مع هذه المشاهد باعتبارها بطولة تستحق التصفيق، مؤكدًا أن المدير والمدرس لم يتم تعيينهما للقيام بأعمال النظافة والصيانة، وأن السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون عن مدى إخلاص المدير الذي حمل الممسحة، وإنما عن الأسباب التي دفعته إلى ذلك، وأين العمال وميزانيات النظافة والصيانة، ولماذا أصبح سد العجز الحكومي مجهودًا فرديًا يجري تصويره ونشره باعتباره قصة نجاح.

 

 

عندما يصبح المدير عامل نظافة

 

المشهد الذي يبدو للوهلة الأولى إنسانيًا وملهمًا يحمل في داخله رسالة أكثر قسوة، لأن وجود مدير مدرسة يمسك أدوات التنظيف داخل الفصول لا يمكن فصله عن السؤال الأساسي المتعلق بتوفير العمالة اللازمة للمدرسة، فالنظافة ليست مهمة إضافية يقرر المدير القيام بها عندما يسمح وقته، وإنما احتياج أساسي يجب أن تضمنه المنظومة التعليمية.

 

وعندما يجد مدير المدرسة نفسه مضطرًا إلى تنظيف الفصول، أو عندما يشارك المدرسون في مسح الأرضيات ودهان الجدران، فإن المشكلة لا تتعلق بحماس هؤلاء العاملين أو رغبتهم في تحسين مدارسهم، وإنما تتعلق بمنظومة دفعتهم إلى تحمل أعباء ليست من صميم وظائفهم، ثم جرى تقديم هذا التحمل باعتباره دليلًا على نجاح الإدارة.

 

والأخطر أن تحويل هذه الصور إلى مادة للاحتفاء يمكن أن يقلب الحقيقة رأسًا على عقب، فبدل أن تظهر المدرسة باعتبارها مؤسسة تحتاج إلى موارد وخدمات أساسية، يظهر المدير باعتباره بطلًا لأنه تولى بنفسه مهمة كان يفترض أن تكون لها ميزانية وعمال ومسؤولون مختصون، وبذلك يتحول التقصير من مشكلة تستحق المحاسبة إلى مشهد يستحق التصفيق.

 

هذه الطريقة في التعامل مع الأزمات تحمل خطرًا أكبر من مجرد نقص النظافة، لأنها تجعل المواطن يتعود تدريجيًا على غياب الدولة عن بعض مسؤولياتها، ثم يصبح تعويض هذا الغياب بمجهود شخصي أمرًا طبيعيًا، بل وربما يتحول الشخص الذي يسد العجز إلى نموذج مطلوب من الآخرين الاقتداء به بدلًا من مساءلة الجهة المسؤولة عن العجز.

 

ولا أحد ينكر أن مدير المدرسة الذي يحاول الحفاظ على مكان عمله يستحق التقدير الإنساني على مجهوده، لكن التقدير الحقيقي لا يكون بتجاهل المشكلة الأصلية، ولا بتحويله إلى بديل عن منظومة كاملة يفترض أن توفر له وللمدرسين الظروف المناسبة لأداء مهمتهم التعليمية، بعيدًا عن أعمال النظافة والصيانة التي تستهلك وقتهم وجهدهم.

 

فمدير المدرسة مسؤول عن إدارة المؤسسة التعليمية، والمدرس مسؤول عن التعليم والتعامل مع الطلاب، وكل دقيقة يقضيها هؤلاء في القيام بأعمال يفترض أن تتولاها جهات أخرى تعني عمليًا استنزافًا لوقت كان من المفترض أن يذهب إلى العملية التعليمية، ومتابعة الطلاب، وحل مشكلاتهم، وتطوير الأداء داخل المدرسة.

 

 

أين العمال وأين ميزانية النظافة والصيانة؟

 

السؤال الذي يطرحه مراد علي في مواجهة صور مديري المدارس والمدرسين وهم ينظفون الفصول ليس سؤالًا عن نوايا هؤلاء الأشخاص، وإنما سؤال عن المسؤولية العامة: أين العمال؟ وأين ميزانيات النظافة؟ وأين الأموال المخصصة للصيانة؟ ولماذا يصل الأمر إلى أن يصبح المدير نفسه مضطرًا إلى حمل الممسحة أو الإمساك بأدوات الدهان؟

 

هذه الأسئلة أكثر أهمية من الصورة نفسها، لأنها تنقل النقاش من الاحتفاء بالفعل الفردي إلى البحث عن الخلل المؤسسي الذي أدى إليه. فإذا كانت المدرسة تحتاج إلى تنظيف أو دهان أو صيانة، فالمطلوب ليس البحث عن مدير شجاع يتطوع للقيام بالمهمة، وإنما التأكد من وجود نظام قادر على توفير هذه الخدمات بشكل مستمر ومنظم.

 

المشكلة أن الصورة الفردية يمكن أن تخفي حجم الأزمة بدلًا من كشفها، فصورة مدير ينظف مدرسته قد تحقق انتشارًا واسعًا على المنصات، وقد تلقى إشادات وتعليقات تشيد بالإخلاص والانتماء، لكن هذا الانتشار لا يجيب عن سؤال بسيط للغاية: لماذا لم تكن المدرسة مجهزة من الأساس بحيث لا يحتاج مديرها إلى القيام بهذه المهمة؟

 

وعندما يصبح المدير هو العامل والمدرس هو عامل الصيانة، فإننا لا نتحدث فقط عن نقص في الإمكانات، بل عن إعادة توزيع غير منطقي للمهام داخل المدرسة، بحيث تتحول المسؤولية من المؤسسات التي تملك الموارد والميزانيات إلى الموظف الذي يملك في النهاية يديه ووقته فقط.

 

والأكثر قسوة أن المجتمع قد يتعامل مع هذا الوضع بمرور الوقت باعتباره أمرًا طبيعيًا، فيبدأ السؤال يتغير من المطالبة بمدرسة نظيفة ومجهزة إلى البحث عن مدير آخر أكثر قدرة على العمل بيديه، وكأن معيار نجاح الإدارة المدرسية أصبح مقدار الأعمال التي يستطيع المدير القيام بها بدلًا من جودة التعليم والانضباط والإدارة وحماية حقوق الطلاب والمعلمين.

 

وهنا تكمن خطورة تحويل العجز إلى قصة بطولية، لأن البطولة الحقيقية لا تتمثل في إجبار الموظف على القيام بأعمال خارج اختصاصه بسبب غياب الموارد، وإنما في وجود مؤسسة عامة قادرة على توفير احتياجات المدارس من دون انتظار مبادرات فردية أو حملات على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

كما أن تحميل العاملين مسؤولية سد النقص قد يخلق صورة مضللة عن واقع التعليم، فالمشكلة لا تنتهي بمجرد أن يقوم مدير بتنظيف فصل أو مدرس بدهان حائط، لأن المدرسة تحتاج إلى منظومة صيانة ونظافة مستمرة، وليست إلى تدخل فردي مؤقت يظهر أمام الكاميرات ثم ينتهي بانتهاء موجة الاهتمام.

 

 

لا تجعلوا الترند ستارًا على فشل الدولة

 

المشكلة الأكبر في هذه المشاهد، وفق الطرح الذي قدمه د. مراد علي، هي أن الترند قد يتحول إلى وسيلة لطمس السؤال بدلًا من طرحه. فبدل أن تتحول صور المدير والمدرس إلى سبب للمطالبة بتوفير الإمكانات، يجري تداولها باعتبارها دليلًا على الإخلاص، وكأن العامل الذي اضطر إلى سد عجز المنظومة أصبح هو الحل بدلًا من أن يكون ما يفعله إنذارًا بوجود خلل.

 

وهذا النوع من التغطية يضع المسؤولية في المكان الخطأ، لأن التركيز على شخصية المدير الذي ينظف المدرسة يجعل الأنظار تتجه إلى سلوكه الفردي، بينما تختفي خلف الصورة أسئلة تتعلق بالميزانيات والإدارة والعمالة والصيانة وآليات الإنفاق، وهي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في مقدمة أي نقاش جاد حول واقع المدارس.

 

ليس المطلوب التقليل من قيمة أي مدير أو مدرس يبذل جهدًا للحفاظ على مدرسته، بل المطلوب رفض استخدام هذا الجهد لتجميل واقع لا يحتاج إلى التجميل. فالمدرسة التي تحتاج إلى أن ينظف مديرها الفصول ليست قصة نجاح مكتملة، والمدرس الذي يضطر إلى أداء أعمال الصيانة لا ينبغي أن يصبح دليلًا على أن كل شيء يسير بصورة طبيعية.

 

وإذا كان المسؤولون يريدون الاحتفاء بهذه الصور، فالأولى أن يبدأ الاحتفاء من سؤال آخر: لماذا لم تكن الخدمات الأساسية متوفرة؟ ومن المسؤول عن توفيرها؟ وهل توجد مخصصات فعلية للنظافة والصيانة؟ وكيف يجري إنفاقها؟ وهل تصل إلى المدارس في الوقت المناسب؟ ومن يراجع مستوى الخدمات التي تحصل عليها كل مدرسة؟

 

هذه الأسئلة لا تقلل من قيمة العاملين، بل على العكس، هي دفاع عن حقهم في القيام بوظائفهم من دون تحميلهم أعباء إضافية. فالمدرس الذي يدخل الفصل ليشرح للطلاب لا ينبغي أن يكون مطالبًا في الوقت نفسه بأن يحمل أدوات النظافة، ومدير المدرسة الذي يتولى الإدارة لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن عمال النظافة والصيانة.

 

والتعليم لا يمكن اختزاله في مبانٍ مفتوحة وفصول بها طلاب ومدرس يقف أمام السبورة، لأن البيئة التعليمية جزء من جودة العملية نفسها. وعندما تكون المدرسة محتاجة إلى خدمات أساسية ثم يجري سد النقص بالجهود الشخصية، فإن ذلك يعكس خللًا ينبغي التعامل معه بوضوح بدلًا من تغطيته بقصص مؤثرة وصور تحصد الإعجاب.

 

الترند في حد ذاته ليس المشكلة، وإنما المشكلة في استخدام الترند لتغيير زاوية النظر إلى الأزمة. فبدلًا من أن تقول الصورة إن هناك نقصًا يحتاج إلى تدخل ومحاسبة، قد يجري تقديمها على أنها رسالة إيجابية عن التضحية والإخلاص، وبذلك يصبح الموظف الذي تحمل العبء هو واجهة المشهد، بينما تختفي الجهة التي كان يفترض أن تتحمل المسؤولية من الصورة تمامًا.

 

 

من حق المدارس أن تحصل على احتياجاتها دون بطولات إجبارية

 

المدرسة ليست مشروعًا فرديًا يديره مدير بموارده الخاصة، وليست مكانًا يمكن أن تستمر خدماته اعتمادًا على قدرة العاملين على تحمل المزيد من الأعباء. المدرسة مؤسسة عامة، واحتياجاتها الأساسية يجب أن تكون جزءًا من منظومة واضحة تضمن النظافة والصيانة والتجهيز، بدلًا من انتظار مبادرة من شخص هنا أو حملة تضامن هناك.

 

وعندما يتحول المدير إلى عامل نظافة، فإن الخاسر في النهاية ليس المدير وحده، وإنما المدرسة والطلاب أيضًا، لأن الوقت والجهد اللذين يذهب بهما المدير إلى مهام إضافية كان يمكن أن يخصصهما للإدارة والمتابعة وحل مشكلات الطلاب والمدرسين، بينما ينشغل المدرس بأعمال خارج وظيفته بدلًا من التركيز على التعليم.

 

والحل لا يكون في مطالبة المديرين والمدرسين بمزيد من التضحية، ولا في صناعة منافسة بينهم حول من يستطيع تنظيف مدرسته بصورة أفضل، وإنما في إعادة المسؤولية إلى مكانها الطبيعي، ومطالبة الجهات المعنية بتوفير ما تحتاجه المدارس من عمالة وخدمات وميزانيات، مع فتح باب المحاسبة عن أي نقص أو تقصير.

 

ومن حق أولياء الأمور والطلاب والمدرسين أن يسألوا بوضوح عن مستوى المدارس التي يذهب إليها أبناؤهم، ومن حقهم معرفة كيف يتم التعامل مع احتياجات النظافة والصيانة، ومن حق العاملين في التعليم أن يؤدوا وظائفهم من دون أن يتحولوا إلى عمال نظافة أو صيانة تحت ضغط الواقع أو تحت شعار التضحية من أجل المدرسة.

 

إن أخطر ما يمكن فعله هو أن نعتاد على المشهد، لأن الاعتياد على الخطأ يجعله يبدو طبيعيًا، ثم يصبح الاعتراض عليه هو الاستثناء. وعندما يعتاد المجتمع رؤية مدير يمسح فصلًا أو مدرس يدهن جدارًا، فقد يتوقف السؤال عن سبب حدوث ذلك، ويصبح كل ما يهم هو الإشادة بالشخص الذي اضطر إلى القيام بالمهمة.

 

وهنا تصبح المحاسبة ضرورة وليست رفاهية، لأن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا أمام كل صورة من هذه الصور هو السؤال الذي طرحه مراد علي بوضوح: لماذا اضطر مدير المدرسة أصلًا إلى حمل الممسحة؟ فإذا كانت الإجابة هي غياب العمال أو نقص الإمكانات أو عدم وصول ميزانية النظافة والصيانة، فهذه ليست بطولة يجب أن تنتهي بتصفيق، وإنما واقعة تستحق التحقيق والمراجعة والمساءلة.

 

لا تحولوا التقصير إلى بطولة، ولا تجعلوا الترند بديلًا عن المحاسبة. فالمدير الذي ينظف مدرسته قد يكون مخلصًا، والمدرس الذي يشارك في دهان جدرانها قد يكون حريصًا على طلابه، لكن إخلاص هؤلاء لا يجب أن يصبح غطاءً على غياب الخدمات الأساسية، ولا أن يستخدم لإقناع الناس بأن تحملهم للعجز دليل على نجاح المنظومة.

 

المشهد الذي يستحق الفخر فعلًا هو مدرسة يحصل طلابها على بيئة نظيفة وآمنة، ويجد مديرها وموظفوها الأدوات والموارد التي يحتاجون إليها، ويؤدي المدرس مهمته التعليمية من دون أن يطلب منه سد فجوات لا علاقة له بها. أما أن يصبح الموظف نفسه هو الحل لكل نقص، ثم نصوره ونشيد به، فذلك لا يعالج الأزمة، وإنما يجعلها أكثر قابلية للاستمرار.

 

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: ما أروع هذا المدير وهو ينظف مدرسته؟ بل يجب أن يكون: لماذا اضطر إلى فعل ذلك؟ وأين العمال؟ وأين ميزانيات النظافة والصيانة؟ وكيف تُدار الأموال المخصصة للمدارس؟ ومن المسؤول عندما لا تصل الاحتياجات الأساسية إلى الطلاب؟ هذه هي الأسئلة التي تكشف الحقيقة، أما الصور وحدها فقد تصنع ترندًا، لكنها لن تصنع تعليمًا جيدًا.