قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية حرمان أصحاب المعاشات من تحمل التأمينات مصاريف انتقالهم للعلاج بوسيلة خاصة، عندما تمنعهم حالتهم الصحية من استخدام المواصلات العادية.
وكشف الحكم، الصادر الأربعاء 9 سبتمبر 2026، عن أزمة أعمق من قيمة وسيلة الانتقال، بعدما وجد أصحاب معاشات أنفسهم مضطرين للجوء إلى القضاء للحصول على تكلفة لازمة للوصول إلى العلاج.
من حق قانوني إلى معركة قضائية
وبحسب حيثيات الحكم، فإن الفقرة الأخيرة من المادة 78 بقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، استبعدت أصحاب المعاشات والمستحقين من مصاريف الانتقال.
كما كانت المادة تمنح المريض المؤمن عليه العامل الحق في تحمل مصاريف انتقاله إلى مكان العلاج، سواء بوسائل عادية أو خاصة، وفق حالته الصحية.
غير أن النص ذاته وضع أصحاب المعاشات في وضع مختلف، رغم استمرار استفادتهم من أحكام العلاج والرعاية الطبية المقررة ضمن نظام التأمين الاجتماعي.
وبالتالي أصبح صاحب المعاش، الذي يعجز طبيًا عن استخدام المواصلات العامة، مطالبًا بتحمل تكلفة وسيلة خاصة للوصول إلى مكان علاجه.
ومن ثم لم تعد المشكلة مرتبطة بالخدمة الطبية وحدها، وإنما أصبحت مرتبطة بالقدرة الفعلية للمريض على الوصول إلى تلك الخدمة دون عبء مالي إضافي.
وأكدت المحكمة أن مصاريف الانتقال تمثل عنصرًا لازمًا للانتفاع بالخدمات الصحية، ولا يمكن فصلها عن الحماية التأمينية التي يستفيد منها صاحب المعاش.
كما اعتبرت المحكمة أن تحميل أصحاب المعاشات هذا العبء المالي ينتقص من الحماية التي كفلها الدستور، خصوصًا مع تقدم السن وتزايد الاحتياجات الصحية.
وعلاوة على ذلك، ربطت المحكمة بين الحق في الرعاية الصحية والوسائل الضرورية للوصول إليها، معتبرة أن الحماية لا ينبغي أن تبقى مجرد حق نظري.
ولزيادة وضوح الصورة، فإن الحكم لا يعني تحمل التأمينات أي وسيلة انتقال لكل صاحب معاش يذهب إلى الطبيب، وإنما يرتبط بحالات صحية محددة.
وتشترط القاعدة أن يقرر الطبيب المعالج أن الحالة الصحية للمريض لا تسمح باستخدام وسائل الانتقال العادية.
لذلك يصبح معيار الاستحقاق مرتبطًا بالحالة الطبية للمريض، وليس بمجرد كونه صاحب معاش أو بلوغه سنًا معينة.
كما أن الحكم يتعلق بأصحاب المعاشات المنتفعين بأحكام تأمين المرض، وليس بإقرار بدل انتقال عام لجميع أصحاب المعاشات دون ضوابط.
الحماية التأمينية تحت الاختبار
وبحسب قراءة قانونية للحكم، فإن أهمية القرار تتجاوز المصروف الذي يدفعه صاحب المعاش مقابل سيارة أو وسيلة نقل خاصة.
إذ أعاد الحكم التأكيد على أن الحماية الاجتماعية يجب أن تكون قابلة للتطبيق الفعلي، وليس مجرد مجموعة من الحقوق المكتوبة التي يصعب الوصول إليها.
وفي هذا السياق، يوضح أستاذ القانون الدستوري الدكتور صلاح فوزي أن الحقوق الدستورية لا تقتصر على الاعتراف المجرد بها، وإنما ترتبط بضمانات تنفيذها عمليًا.
كما يشير الفقه الدستوري إلى أن المشرع يملك تنظيم الحقوق الاجتماعية، لكن هذا التنظيم لا يجوز أن يؤدي إلى إفراغها من مضمونها الأساسي.
وبناءً على ذلك، فإن استبعاد فئة تحتاج بصورة أكبر إلى الرعاية الصحية من تحمل تكلفة ضرورية للعلاج، كان محورًا أساسيًا في النزاع أمام المحكمة.
كذلك استندت المحكمة إلى مجموعة من مواد الدستور، من بينها المواد 8 و17 و18 و35 و83، عند تقييم مدى توافق النص المطعون عليه مع الضمانات الدستورية.
وتتعلق هذه المواد بمبادئ العدالة الاجتماعية، والضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، وحماية الملكية، وحقوق المسنين، بما عزز الأساس الدستوري للحكم.
ومن ناحية أخرى، يمثل الحكم تحولًا مهمًا في التعامل مع الفارق بين العامل الموجود بالخدمة وصاحب المعاش عند الاستفادة من بعض مزايا التأمين.
فصاحب المعاش لم يعد مجرد مستفيد من العلاج داخل الجهة الطبية، وإنما يمتد حقه إلى الوسيلة الضرورية التي تمكنه من الوصول للعلاج عند وجود مانع صحي.
كما أن المحكمة لم تجعل السن وحده سببًا للاستحقاق، وإنما ربطت تحمل التكلفة بوجود حاجة طبية مثبتة تمنع استخدام المواصلات العادية.
وبالتالي يظل التقرير الطبي عنصرًا أساسيًا في تحديد الحالات التي تستفيد من الحكم، وفقًا للضوابط التي تنظم الانتقال ومصاريفه.
ويؤكد الخبير التأميني الدكتور محمد معيط، في طرحه العام لقضايا التأمينات والحماية الاجتماعية، أهمية ربط نظم التأمين بالاحتياجات الفعلية للمستفيدين وعدم فصل المزايا عن أهدافها الاجتماعية.
تطبيق الحكم يفتح الباب أمام أسئلة جديدة
غير أن صدور الحكم لا ينهي كل الأسئلة المتعلقة بكيفية التطبيق، خاصة فيما يخص الإجراءات والمستندات والقواعد التي ستحدد صرف مصاريف الانتقال.
ومن المنتظر أن تكون الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي مطالبة بمواءمة إجراءاتها مع الأثر الملزم للحكم، بما يضمن استفادة الحالات المستحقة دون تعقيدات غير ضرورية.
كما أن المحكمة راعت الآثار المالية المترتبة على الحكم، وحددت اليوم التالي لنشره موعدًا لإعمال آثاره، وفق ما أوردته أسباب القرار.
وهذا يعني أن الاستفادة من الأثر المقرر للحكم ترتبط بالإطار الزمني الذي حددته المحكمة، وليس بالضرورة بكل الوقائع السابقة على نشره.
وفي المقابل، تبرز أهمية وضع إجراءات واضحة أمام أصحاب المعاشات، حتى لا يتحول الحق الذي أقرته المحكمة إلى رحلة جديدة بين الجهات الحكومية.
لأن صاحب المعاش الذي أثبت طبيبه عدم قدرته على استخدام المواصلات العادية، يحتاج إلى آلية مباشرة لاسترداد التكلفة، بدل الدخول في نزاعات متكررة.
ويشير أستاذ التأمينات والحقوق الاجتماعية الدكتور علاء خليل إلى أن نجاح أي حماية تأمينية يقاس بقدرتها على الوصول إلى المستفيد في الوقت المناسب.
كما أن وضوح الإجراءات يمثل عاملًا أساسيًا في منع التفاوت بين الحالات المتشابهة، وضمان حصول المستحقين على الخدمة وفق معيار طبي واضح.
وبذلك يضع الحكم مسؤولية جديدة على الجهات التنفيذية، تتمثل في تحويل المبدأ الدستوري إلى إجراءات عملية يستطيع صاحب المعاش استخدامها دون تعقيد.
ويعيد القرار أيضًا طرح سؤال أوسع حول فلسفة التأمين الاجتماعي، ومدى قدرة التشريعات على مواكبة احتياجات كبار السن وأصحاب الأمراض التي تحد من الحركة.
ومن ثم فإن القضية لم تعد مجرد استرداد أجرة سيارة أو وسيلة نقل خاصة، وإنما أصبحت اختبارًا لمدى اكتمال منظومة الرعاية الاجتماعية.
وعندما يحتاج صاحب المعاش إلى حكم قضائي حتى تتحمل منظومة التأمين تكلفة وصوله إلى العلاج، فإن المشكلة تكشف فجوة بين النص واحتياجات الواقع.
ولهذا يمثل حكم المحكمة الدستورية خطوة مهمة في سد هذه الفجوة، بعدما قرر أن الوصول إلى العلاج لا ينفصل عن الحق نفسه في الرعاية.
ويؤكد أستاذ القانون العام الدكتور شوقي السيد أن أحكام المحكمة الدستورية العليا لا تكتفي بإبطال النص المخالف، وإنما ترسخ مبادئ ملزمة للسلطات المختلفة.
وفي النهاية، يضع الحكم قاعدة واضحة أمام المشرع والجهات التنفيذية، مفادها أن الحماية التأمينية يجب أن تكون حقيقية وقابلة للانتفاع، خصوصًا للفئات الأكثر احتياجًا.
كما يفتح القرار الباب أمام مراجعة أوسع لأي نصوص قد تضع أصحاب المعاشات أمام أعباء مالية تحول عمليًا دون استفادتهم الكاملة من حقوقهم.
وبالتالي يصبح التحدي التالي هو ضمان تنفيذ الحكم بصورة واضحة وسريعة، حتى يتحول من انتصار قضائي إلى حماية فعلية يشعر بها أصحاب المعاشات عند طلب العلاج.

