قتلت قوات الاحتلال الصهيوني 10 أشخاص وأصابت 7 آخرين، فجر الاثنين، خلال غارتين على كفررمان، ضمن موجة قصف واسعة استهدفت بلدات عدة في جنوب لبنان.
وكشفت الهجمات انهيار الضمانات المرتبطة بوقف إطلاق النار، بعدما واصلت إسرائيل القصف والاحتلال والهدم، بينما بقيت المطالب اللبنانية للمجتمع الدولي بلا استجابة رادعة.
مجزرة تحت الأنقاض
استهدفت غارة إسرائيلية مبنى سكنيًا من ثلاثة طوابق في محيط مستديرة الشيوعية ببلدة كفررمان، ما أدى إلى تدميره فوق رؤوس سكانه.
وقالت الوكالة الوطنية للإعلام إن المبنى يعود للمواطن داني فرحات، ووصفت الهجوم بأنه «مجزرة دموية جديدة» ارتكبتها قوات الاحتلال.
وهرعت فرق الإسعاف التابعة للجمعيات الصحية المجاورة إلى المكان، وبدأت عمليات البحث بين الركام وسط دمار واسع وصعوبة في الوصول إلى الضحايا.
وانتشلت فرق الإنقاذ تسعة قتلى، بينهم رضيعان، من تحت أنقاض المبنى، كما نقلت خمسة مصابين لتلقي العلاج في المستشفيات القريبة.
ولم يتوقف الاستهداف عند المبنى السكني، إذ قصفت مسيّرة إسرائيلية سيارة مدنية داخل كفررمان، بينما كانت عمليات الإنقاذ لا تزال متواصلة.
وأسفرت الغارة عن مقتل المسعفين علي شحرور وهادي فرحات، وهما من عناصر كشافة الرسالة الإسلامية، أثناء وجودهما داخل السيارة المستهدفة.
ويكشف قتل المسعفين اتساع دائرة الهجمات الإسرائيلية، التي لم تعد تقتصر على المنازل والمنشآت، بل طالت العاملين في إنقاذ المصابين وانتشال الضحايا.
وأفاد الدفاع المدني في جنوب لبنان بأن حصيلة الغارتين بلغت 10 قتلى وسبعة مصابين، مع استمرار عمليات رفع الأنقاض وتدقيق أعداد الضحايا.
وتباينت الحصيلة الأولية بين الجهات اللبنانية بسبب تعدد مواقع الاستهداف وتلاحق الغارات، بينما ظلت الأرقام مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات الإنقاذ.
وامتدت الضربات إلى دير الزهراني والنبطية الفوقا وعربصاليم، في هجوم متزامن وضع مناطق واسعة من الجنوب تحت تهديد الطائرات والمسيّرات الإسرائيلية.
وفي دير الزهراني، استهدفت غارة مبنى بعد تحذير إسرائيلي للسكان بإخلاء منشآت مجاورة، بزعم وجود منشأة تابعة لحزب الله في المنطقة.
وحمّل جيش الاحتلال السكان مسؤولية سلامتهم إذا لم يغادروا، في محاولة لقلب المسؤولية عن استهداف المناطق المدنية على الضحايا المهددين بالقصف.
أما في النبطية الفوقا، فأدت الغارات إلى مقتل شخصين، كما دمرت مستشفى صلاح غندور، رغم توقف المنشأة الصحية عن العمل.
ووصفت وزارة الصحة اللبنانية قصف المستشفى بأنه انتهاك جسيم إضافي للقانون الإنساني الدولي، ضمن استهداف متكرر للمنشآت المدنية والخدماتية.
وفي عربصاليم، قتلت الغارات امرأتين، بينما أصيب 20 شخصًا في مناطق متفرقة، بينهم نساء وثلاثة أطفال، خلال الاعتداءات التي سبقت مجزرة كفررمان.
اتفاق بلا حماية
زعم جيش الاحتلال أن الغارات جاءت ردًا على إطلاق حزب الله مسيّرتين باتجاه جنوده داخل ما تسميه إسرائيل «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان.
ولم يعلن حزب الله مسؤوليته عن إطلاق المسيّرتين، بينما استبقت إسرائيل أي تحقيق بتحويل الادعاء إلى مبرر لقصف مبان سكنية وقتل مدنيين ومسعفين.
ويثير غياب إعلان من الحزب أسئلة حول الأدلة الإسرائيلية، خصوصًا أن جيش الاحتلال اعتاد استخدام اتهامات غير مستقلة لتبرير عملياته داخل الأراضي اللبنانية.
كما يكشف الحديث الإسرائيلي عن وجود جنود داخل «منطقة أمنية» أن الاحتلال يواصل تثبيت وجوده العسكري، بدل تنفيذ الانسحاب المنصوص عليه في الاتفاقات.
ووقّعت الحكومتان اللبنانية والإسرائيلية اتفاقًا إطاريًا برعاية أمريكية في 26 يونيو 2026، يقضي بانسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار الجيش اللبناني في المناطق الجنوبية.
لكن إسرائيل أبقت قواتها داخل مناطق واسعة، وأعلنت إقامة شريط أمني يصل عمقه إلى عشرة كيلومترات على طول الحدود داخل الأراضي اللبنانية.
وتحوّل الاتفاق، عمليًا، إلى مسار يطالب لبنان بتنفيذ التزاماته، بينما تواصل إسرائيل الاحتفاظ بالأرض وفرض الوقائع العسكرية وتنفيذ الغارات وعمليات الهدم.
ولا تعكس الضربات الأخيرة مجرد خروقات منفصلة، بل نمطًا متواصلًا يسعى إلى إبقاء الجنوب تحت النار وإجبار سكانه على النزوح وعدم العودة.
واستهدفت إسرائيل مساء الأحد موقفًا للسيارات في النبطية التحتا، ما أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص، قبل توسيع هجماتها خلال ساعات الفجر.
كما قتلت خمسة أشخاص، الجمعة الماضي، في غارتين استهدفت إحداهما دراجة نارية بمدينة النبطية، بينما ضربت الأخرى بلدة الرمادية.
ويؤكد تتابع الغارات خلال أيام قليلة أن التصعيد لم يكن حادثًا استثنائيًا، وإنما حملة ضغط عسكري متصاعدة سبقت مجزرة كفررمان ومهدت لها.
وتستخدم إسرائيل التفوق الجوي والمسيّرات لتنفيذ عمليات قتل متكررة، دون مواجهة إجراءات دولية تمنع الاعتداءات أو تفرض تنفيذ وقف إطلاق النار.
ويظل المدنيون الطرف الذي يدفع الكلفة الأكبر، سواء عبر القتل والإصابة أو تدمير المنازل وتعطيل المستشفيات وحرمان القرى من الخدمات الأساسية.
الاحتلال يتمدد بالنار
ندد الرئيس اللبناني جوزيف عون بتجدد الاعتداءات على النبطية وبلداتها، معتبرًا أنها تمثل تصعيدًا خطيرًا تجاوز حدود الخروقات المتكررة لاتفاق وقف الأعمال العدائية.
وطالب عون الولايات المتحدة بالتدخل العاجل لوقف الهجمات، بوصفها الجهة الراعية للاتفاق الإطاري الموقّع بين لبنان وإسرائيل في يونيو الماضي.
كما دعا المجتمع الدولي إلى محاسبة مرتكبي الخروقات، بعدما استهدفت الغارات مؤسسات لبنانية ومرافق خدماتية ومناطق مأهولة بالسكان.
لكن المطالب اللبنانية المتكررة لم تتحول إلى ضغط فعلي، فيما تواصل إسرائيل توسيع عملياتها مستفيدة من غياب العقاب والحماية الدولية.
وتتحمل واشنطن مسؤولية مضاعفة، لأنها رعت الاتفاق وقدّمته باعتباره إطارًا للتهدئة، لكنها لم تمنع إسرائيل من خرقه أو إجبارها على الانسحاب.
ويمنح الصمت الدولي الاحتلال مساحة لفرض تفسيره الخاص للاتفاق، بحيث تصبح أي ذريعة كافية لشن الغارات، بينما تُهمل الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة.
ومنذ الثامن من أكتوبر 2023، أسفرت الضربات الإسرائيلية على لبنان عن أكثر من 8920 قتيلًا وما يزيد على 30 ألف مصاب.
ولا تمثل هذه الأرقام حصيلة مواجهة محدودة، بل تكشف حجم حرب ممتدة استهدفت البشر والمنازل والمرافق والبنية الأساسية في مناطق لبنانية واسعة.
كما تواصل القوات الإسرائيلية عمليات الهدم والنسف داخل الجنوب، بما يعرقل عودة السكان ويعيد تشكيل المنطقة بالقوة تحت مسمى «الاحتياجات الأمنية».
ويعني تثبيت منطقة محتلة بعمق عشرة كيلومترات أن إسرائيل لا تنفذ انسحابًا تدريجيًا، بل تبني واقعًا ميدانيًا جديدًا داخل الأراضي اللبنانية.
وتحوّل الغارات القرى الجنوبية إلى مناطق معلقة بين التهجير والدمار، بينما يبقى السكان معرضين للقصف حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار.
وتضع مجزرة كفررمان الاتفاق أمام اختبار حاسم، لأن استمرار القتل يجعل الحديث عن التهدئة منفصلًا تمامًا عن الواقع الذي يعيشه اللبنانيون.
فالاتفاق الذي لا يحمي رضيعين داخل منزلهما، ولا يمنع استهداف المسعفين، لا يؤدي وظيفته ما لم يقترن بآليات تنفيذ ومحاسبة واضحة.
وتؤكد الهجمات أن إسرائيل تستخدم وقف النار لخفض المخاطر عن قواتها، دون التزام مماثل بحماية المدنيين أو احترام السيادة اللبنانية.
وبينما ينتظر الجنوب تحركًا دوليًا حقيقيًا، تواصل الطائرات الإسرائيلية رسم حدود المنطقة الأمنية بالقصف، وتثبيت الاحتلال فوق أنقاض المنازل ودماء المدنيين.

