حذرت روث واسرمان لاندا، نائبة السفير الإسرائيلي في القاهرة، والعضوة السابقة بالكنيست مما قالت إنه تغير جذري طرأ على مصر يغفل عنه الإسرائيليون، مشيرة على وجه الخصوص إلى التقارب مع تركيا ودعم إيران وتعزيز قدرات الجيش.
وقالت في مقال نشرته وكالة الأنباء اليهودية (JNS Israel): "تُعدّ اتفاقية السلام مع مصر ذات أهمية قصوى لإسرائيل. فعقود من السلام، حتى بدون تطبيع العلاقات، تُعتبر إنجازًا كبيرًا في المنطقة. ومع ذلك، وبخاصة في أعقاب أحداث 7 أكتوبر، من المهم التساؤل: هل مصر اليوم هي نفسها مصر التي وقّعت معها إسرائيل اتفاقية سلام؟".
وأضافت: "هل لا تزال مصالح مصر في الحفاظ على الاستقرار إلى جانب الحرب العنيدة على جماعة الإخوان المسلمين في الداخل كافية للحفاظ على الاتفاق الاستراتيجي مع إسرائيل؟".
واعتبرت واسرمان لاندا أن الزيارات الأخيرة التي قام بها الرئيس الصيني ورئيس الوزراء القطري إلى القاهرة توضح أن النظام المصري يسعى إلى تنويع مصادر الدخل، مع إظهار استعداده للتحلي بالمرونة فيما يتعلق بالتأثيرات الأجنبية التي تسعى إلى ترسيخ وجودها في مصر.
وفيما أشارت إلى التقارب مع قطر بعد أن مثلت الأخيرة لسنوات مصدر قلقٍ واضح لمصر، لكونها وفرت ملاذاً آمنًا لجماعة الإخوان المسلمين، التي تُكنّ عداءً شديدًا للنظام المصري، قالت إن "الثمن الذي ستدفعه مصر واضح للجميع. فوجود قطر في البلاد يعني إسلامًا أكثر محافظة. ومن المستحسن والمناسب أن تدرك دولة إسرائيل تبعات ذلك".
الخوف من انتفاضة داخلية
وحذرت نائبة السفير الإسرائيلي السابقة في القاهرة من أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في مصر، وارتفاع معدلات الأمية، ونقص فرص العمل للشباب، وغياب محركات النمو الفعّالة تُلقي بظلالها الثقيلة على القيادة المصرية. ولا يزال الشغل الشاغل للنظام هو الانتفاضة الشعبية، ولا سيما الشباب الذين يشكلون غالبية الشعب المصري. وقد باءت جميع محاولات النظام لمكافحة انخفاض معدل المواليد بالفشل، إذ إن أكثر من 60% من سكان مصر البالغ عددهم حوالي 120 مليون نسمة تقل أعمارهم عن 30 عامًا!
بالإضافة إلى ذلك، أشارت إلى أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران والحصار البحري أحدثت صدمة مالية عميقة في الاقتصاد المصري خلال العام الماضي. تجلّت هذه الصدمة، من بين أمور أخرى، في انخفاض قيمة العملة المصرية بنسبة لا تقل عن 8%، إلى جانب ارتفاع حاد في أسعار الوقود بنحو 17%.
وأوضحت أن أيٌّا من ذلك لم يُسهم في التضخم، بل شعر به كل مواطن مصري بشكل مباشر. لطالما كانت طوابير الخبز في مصر ظاهرة مألوفة ومعروفة لسنوات. مع ذلك، فإن أي تدهور اقتصادي قد يُلحق المزيد من الضرر بأموال المواطنين العاديين يُثير مخاوف من عدم الاستقرار الداخلي واحتمال اندلاع انتفاضة ضد النظام.
في الوقت نفسه، أشارت إلى أن مصر تواجه توترات شديدة مع إثيوبيا، بسبب التنافس على مصادر المياه وتقسيم نهر النيل. وينطبق الأمر نفسه على ليبيا، التي تشترك معها في حدود طويلة ومعقدة للغاية، ويعود ذلك جزئياً إلى سيطرة تركيا الهادئة على هذا البلد الأفريقي. وبالطبع، تشعر مصر بقلق بالغ إزاء القضية الفلسطينية التي تلوح في الأفق بسبب قربها الجغرافي والخوف الدائم من امتداد "المشكلة الفلسطينية" إلى الأراضي المصرية.
وضع مثير للقلق
وبحسب الدبلوماسية الإسرائيلية السابقة، فإنه على الرغم من أن "التغلغل" الهادئ لتركيا وقطر والصين في مصر يبدو غير منطقي، إلا أنه مستمر منذ عدة سنوات. ويهدف إلى استبدال السعودية والإمارات اللتين لطالما دعمتا مصر اقتصاديًا، واللتين أصبحتا متعبتين من هذا الدعم. إضافة إلى ذلك، يهدف الاعتماد العسكري على شركاء مصر "الجدد" إلى تنويع مصادر الإمداد، انطلاقًا من الاعتقاد بأن الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها لا يكفي لتحقيق الاستقرار.
وقالت إنه في حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران، أيّد الموقف المصري الرسمي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الأمر الذي كان من المفترض أن يثير مخاوف لدى صانعي القرار الإسرائيليين. وقد أبدت مصر السنية، التي تتسم بشكوكها القديمة تجاه إيران الشيعية، والتي سبق لها أن طردت سفراء الجمهورية الإسلامية من أراضيها أكثر من مرة في ضوء فضائح التجسس المتكررة في مصر، تضامنًا غريبًا مع النظام الإيراني. كما تلاشت العداوة الشخصية القديمة بين الرئيس التركي أردوغان ونظيره المصري السيسي، وكأنها لم تكن موجودة أصلاً. ومؤخرًا، ولأول مرة منذ سنوات، أُجريت مناورات عسكرية مشتركة بين مصر وتركيا. هذا التقارب موثق ولا مجال للتشكيك فيه.
علاوة على ذلك، قالت إن الهدف من زيارة الرئيس الصيني، من بين أمور أخرى، هو الإشارة إلى الولايات المتحدة بأن القاهرة لديها بدائل محتملة. وتتسق العلاقات المصرية الصينية أيضًا مع سياسة "الحزام والطريق" الصينية، التي بموجبها تمنح الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية لدول العالم الثالث الصين موطئ قدم ونفوذاً لدى صانعي القرار في تلك الدول.
لذا، أوضحت نائبة السفير الإسرائيلية السابقة بالقاهرة أن مصر تتبنى سياسة "الجمع بين الأمرين". وينطبق الأمر نفسه على حماس: فمصر تفهم حركة حماس أكثر من غيرها. ولذلك، عقدت معها تحالفًا غير رسمي، حتى قبل السابع من أكتوبر، طُلب بموجبه من حماس عدم التعاون مع العناصر الإرهابية الإسلامية على الأراضي المصرية. وفي المقابل، لم تمنع مصر حماس من التسلح والاستعداد للكفاح المسلح ضد إسرائيل.
واعتبرت أنه ليس من السهل استيعاب كل هذا بعد أكثر من أربعة عقود من اتفاقية السلام بين البلدين. ومع ذلك، تنظر الحكومة المصرية إلى دولة إسرائيل، وخاصة قيادتها الحالية، كعدو. هذه هي الرسالة التي تُنقل عبر المناهج الدراسية للأطفال المصريين، وعبر وسائل الإعلام والقنوات الثقافية المختلفة إلى عموم الشعب المصري. وهذا هو التصور الذي يتبناه أيضًا الكثيرون في دائرة صنع القرار في قصر الاتحادية.
لإسرائيل دور في ذلك
وفقًا لـ اسرمان لاندا، فإنه يسود اعتقاد بأن من مصلحة إسرائيل الانخراط المستمر في مواجهات عسكرية مع مختلف التهديدات. فعلى سبيل المثال، لم يتخذ النظام المصري أي إجراء لمنع تهريب الأسلحة النارية عبر الطائرات المسيّرة من قبل البدو المصريين إلى إخوانهم في النقب. ولم يُناقش هذا الموضوع إلا نادرًا في الرأي العام الإسرائيلي، في حين أن أي إجراء مماثل من الجانب الإسرائيلي ضد الجانب المصري كان سيُعتبر ذريعةً للحرب.
وفي الوقت نفسه، تُدرّب مصر عشرات الآلاف من ضباط الشرطة الفلسطينيين على أراضيها، بهدف نشرهم كقوة شرطية في قطاع غزة "في اليوم التالي". ويأتي هذا في حين يوجد بالفعل نحو 70 ألف شرطي فلسطيني مسلح في الضفة الغربية، وهو انتهاك صارخ للاتفاقيات التي وقّعتها إسرائيل مع السلطة الفلسطينية في أوسلو.
بشكل عام، يرتكز طموح مصر لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على أراضي قطاع غزة والضفة الغربية على رغبتها في النأي بنفسها عن الكيان الفلسطيني. وهذا من شأنه أن يُتيح استبعاد أي نقاش مستقبلي حول فتح الحدود المصرية مع غزة، أو على الأقل تقليل احتمالية امتداد القضية الفلسطينية إلى الأراضي المصرية.
لذا، وإدراكًا منا أن النظام المصري نفسه يواجه ضغوطًا معقدة، تقول إنه يتعين على دولة إسرائيل أن ترتكز على أربعة محاور رئيسية: أولًا، إنشاء قناة اتصال سياسي شخصية ومفتوحة مع الرئيس نفسه، ودائرة محدودة من المقربين، لإدارة الأزمات والفرص في الوقت المناسب. ثانيًا، يجب على دولة إسرائيل الاستعداد لأي احتمال عسكري في ضوء الحشد العسكري غير المبرر على الجانب المصري من الحدود المشتركة. ثالثًا، إدارة مسألة الضغط على الطاقة بطريقة مدروسة واستراتيجية، نظرًا لحاجة مصر الماسة للغاز. رابعًا، مطالبة مصر، وضمان عملها على القضاء على التحريض المجنون الممارس في البلاد ضد إسرائيل واليهود، باستخدام أدوات الضغط المتاحة، وبالتعاون مع الولايات المتحدة.
https://www.jns.org/he/analysis-article/000001a0-755a-d6fb-a3aa-f7fa3a5a0002

