كشف استمرار خسائر مربي الدواجن، رغم صعود سعر البيع، اختلالا حادا تتحمل مسؤوليته الجهات المعنية، بعدما تركت المنتجين بين تكلفة تتجاوز 75 جنيها للكيلو وسعر مزرعة لا يتخطى 65 جنيها.

 

وحذر نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن ثروت الزيني من أن نزيف الخسائر يدفع مزارع إلى الإغلاق، بما يمهد لتراجع المعروض وعودة موجات الغلاء التي سيدفع المستهلك ثمنها لاحقا في الأسواق.

 

فجوة تلتهم المنتجين

 

وأوضح الزيني أن المربي يخسر نحو 10 جنيهات في كل كيلو، بما يقارب 20 جنيها في الفرخة، لأن الزيادة الأخيرة لم تبلغ مستوى التكلفة الفعلية للأعلاف والطاقة والتشغيل حاليا فعليا.

 

وبحسب الزيني، فإن قراءة السعر النهائي بمعزل عن حلقات التداول تخفي الأزمة، إذ يدفع المواطن ثمنا مرتفعا، بينما يبيع المنتج بأقل من التكلفة، وتستقر الفجوة بينهما لدى الوسطاء دون رقابة.

 

كما امتدت الخسائر إلى مزارع البيض، بعدما هبط سعر الطبق عند باب المزرعة إلى نحو 60 جنيها، وهو مستوى قال الزيني إنه لا يوفر عائدا يضمن استمرار دورة الإنتاج الجديدة.

 

وفي المقابل، لا تعني وفرة المعروض أن الصناعة مستقرة، لأن الفائض غير القابل للحفظ يتحول سريعا إلى عبء يجبر المربين على البيع الاضطراري قبل زيادة النفوق وتضاعف المصروفات وتحمي المنتجين.

 

لذلك طالب الزيني بالتوسع في التغليف والتجميد والتخزين، حتى يمكن سحب الكميات الزائدة وقت وفرتها وإعادتها إلى الأسواق عند انخفاض المعروض، بدلا من تبديد الإنتاج وكسر سعر المزرعة المحلية فورا.

 

ومن ثم، يصبح التنسيق المعلن بين وزارتي التموين والزراعة اختبارا للقدرة على التنفيذ، لا مجرد وعد جديد، إذ يحتاج المربون إلى مشتريات واضحة وسعات تخزين وعقود تحميهم من التقلبات سريعا.

 

غير أن تأخر هذه الآليات يترك صغار المنتجين وحدهم أمام مخاطر السوق، بينما تملك الشركات الأكبر قدرة أوسع على التمويل والتخزين وانتظار تحسن الأسعار، بما يعجل بخروج المزارع المحدودة سريعا.

 

تكلفة تتجاوز سعر البيع

 

وأكد رئيس شعبة الدواجن بالغرفة التجارية بالقاهرة عبد العزيز السيد أن تكلفة إنتاج الكيلو تقترب من 75 جنيها، بينما سجل سعر المزرعة مستويات أدنى، ما يبدد رأس مال المنتج تدريجيا.

 

وأضاف السيد أن صغار المربين يمثلون الحلقة الأضعف، لأنهم يشترون المدخلات بكميات محدودة وأسعار أعلى، ولا يملكون احتياطيات مالية تكفي لتحمل دورات متتالية من البيع بأقل من التكلفة مستقبلا أيضا.

 

علاوة على ذلك، تستحوذ الأعلاف على الجزء الأكبر من تكلفة التربية، ولذلك تتحول أي زيادة في أسعار الذرة والصويا أو النقل والتمويل إلى ضغط مباشر لا يستطيع المربي امتصاصه مباشرة.

 

في الوقت نفسه، لا يصل انخفاض سعر المزرعة كاملا إلى المستهلك، بسبب تعدد حلقات النقل والذبح والتوزيع، وهو ما يصنع مفارقة يتحمل فيها المنتج الخسارة والمواطن السعر المرتفع معا فعليا.

 

وبناء على ذلك، يرى السيد أن حماية الصناعة تتطلب تسعيرا استرشاديا منضبطا يعكس التكلفة وهامش ربح عادل، مع رقابة على التداول تمنع استغلال المنتج والمستهلك داخل السلسلة نفسها بوضوح كذلك.

 

كذلك تحتاج الأزمة إلى بيانات يومية معلنة عن الإنتاج والتكلفة والمخزون، لأن غياب المعلومات الدقيقة يسمح بقرارات تربية عشوائية، ثم يفاجئ السوق بفائض حاد أو نقص يرفع الأسعار والنقص معا.

 

وبدلا من الاكتفاء بمراقبة الأسعار، يتعين ضبط جودة الأعلاف وتوافرها ومصادر تسعيرها، لأن المنتج لا يستطيع تخفيض نفقاته بينما تظل المدخلات الأساسية خاضعة لتقلبات لا يسيطر عليها أو توقعها مبكرا.

 

فائض بلا شبكة أمان

 

وقال رئيس شعبة الدواجن بالغرفة التجارية بالجيزة سامح السيد إن القطاع حقق فائضا إنتاجيا ملحوظا، معتبرا أن زيادة الإنتاج فرصة للتوسع وليست مبررا لانهيار أسعار المزرعة وإفلاس المنتجين هذا العام.

 

وأشار السيد إلى أن تصريف الفائض عبر التصدير يمكن أن يخفف الضغط المحلي ويوفر عملة لازمة لشراء المدخلات، بشرط ألا يجري فتح الاستيراد في توقيت يكدس المعروض داخليا محليا أيضا.

 

فضلا عن ذلك، يتطلب التصدير انتظام التحصينات والرقابة البيطرية واعتماد المنشآت، وهي ملفات تحتاج استثمارا عاما واضحا، لأن الأسواق الخارجية لا تستقبل إنتاجا متذبذبا أو غير قابل للتتبع محليا وعالميا.

 

ومع ذلك، يظل التجميد المحلي أسرع أدوات التدخل عند هبوط الأسعار، إذ تستطيع الجهات الحكومية شراء الفائض وتخزينه للمدارس والمستشفيات ومنافذ التموين، ثم طرحه وقت نقص الإنتاج قبل تفاقم الخسائر.

 

وبالتالي، فإن إنشاء مخزون منظم يحقق منفعتين، أولاهما منع انهيار سعر المزرعة، وثانيتهما كبح القفزات الموسمية للمستهلك، بدلا من إدارة الأزمة باستيراد عاجل بعد خروج المربين من الأسواق المحلية المختلفة.

 

إلى جانب ذلك، يحتاج المنتجون إلى تمويل ميسر وتأمين ضد مخاطر النفوق وتقلب الأسعار، لأن القروض مرتفعة التكلفة تضيف عبئا جديدا على دورة قصيرة معرضة للأمراض والحرارة واضطراب السوق المحلية.

 

أما استمرار الخسائر، فسيدفع مزيدا من المربين إلى إخلاء العنابر، وعندها سينكمش المعروض بعد أشهر، لتعود الأسعار إلى الارتفاع الحاد في غياب طاقة إنتاجية يمكن استعادتها بسرعة بعد توقفها طويلا.

 

وأخيرا، تكشف الأزمة أن ارتفاع السعر للمستهلك ليس دليلا على ربح المنتج، وأن إنقاذ القطاع يتطلب محاسبة الجهات المتأخرة، وتفعيل التخزين والتصدير وضبط المدخلات قبل تحول الخسائر إلى نقص دائم.