حذرت وزارة الصحة والسكان المصرية من شركات مكافحة حشرات وهمية تستدرج الأسر عبر منصات التواصل، ثم ترش داخل المنازل مواد كيميائية مجهولة، بما يفتح الباب أمام تسمم حاد وفشل تنفسي قد ينتهي بالموت.
وكشفت الوزارة أن 125 شركة فقط تحمل تراخيص رسمية سارية، بينما تختبئ كيانات غير قانونية خلف أسماء جذابة وأرقام محمول، مستفيدة من ضعف التحقق الشعبي واتساع الطلب على خدمات إبادة الحشرات والقوارض.
تراخيص تحاصر الفوضى
وبحسب التحذير الرسمي، يجب ألا يبدأ أي مندوب أعمال الرش قبل إبراز أصل ترخيص مزاولة المهنة، ومطابقة اسم الشركة بالقائمة المعتمدة، والتأكد من سريان الوثيقة وصدورها عن وزارة الصحة والسكان.
وفي المقابل، تعتمد الكيانات الوهمية على غياب المقرات والمخازن المعلومة، فلا يجد المتضرر عنوانا واضحا للشكوى، بينما تتغير الأسماء التجارية وأرقام الاتصال كلما اقتربت الرقابة أو تصاعدت بلاغات المواطنين المتكررة.
كما ترفض هذه الجهات عادة تقديم عقود موثقة أو فواتير تحمل سجلا تجاريا وبطاقة ضريبية، وهو ما يحرم الأسرة من دليل قانوني يمكن استخدامه لإثبات الخدمة والمطالبة بالتعويض بعد وقوع الضرر.
ويؤكد محمد عبد المجيد، الخبير في تنظيم المبيدات، أن تداول المبيدات يخضع للتسجيل والفحص، وأن انتشار المنتجات المغشوشة والمنتهية الصلاحية يكشف حاجة الرقابة الميدانية إلى مزيد من القوة والاستمرار والسرعة.
ومن ثم، لا يكفي امتلاك عبوة تحمل اسما تجاريا لإثبات الأمان، لأن التحقق الحقيقي يشمل تسجيل المادة الفعالة ومصدرها وتركيزها وتعليمات استخدامها، إلى جانب أهلية القائمين على الرش وتدريبهم المهني.
علاوة على ذلك، تكشف الأدوات البدائية والعبوات البلاستيكية المجردة من الملصقات غياب الحد الأدنى من السلامة، خصوصا عندما يعجز المندوب عن تحديد المادة المستخدمة أو تقديم نشرة واضحة لمخاطرها واحتياطات التعامل معها.
وبناء على ذلك، تتحمل الجهات الرقابية مسؤولية تتبع الإعلانات الرقمية، وربط أرقام الهواتف بهويات أصحابها، والتفتيش على المخازن، وإغلاق الكيانات المخالفة قبل أن تتحول الشكوى المنزلية البسيطة إلى مأساة صحية.
ومع ذلك، فإن نشر قائمة الشركات المرخصة يظل خطوة ناقصة إذا لم تصاحبه حملات ضبط معلنة ونتائج دورية توضح أعداد المخالفات والمضبوطات والإحالات، وتكشف للمواطنين حجم السوق غير القانونية ومناطق انتشارها.
سم بلا إنذار
الأخطر أن بعض الشركات تسوق المبيد عديم الرائحة بوصفه ضمانا للأمان، مع أن غياب الرائحة لا ينفي السمية، بل قد يمنع السكان من إدراك التعرض ويدفعهم إلى البقاء داخل المكان الملوث.
وفي هذا السياق، يحذر محمود عمرو، مؤسس المركز القومي للسموم، من المبيدات عديمة الرائحة، مؤكدا أن التسمم قد يحدث عبر الاستنشاق أو الجلد، وأن تسجيل المبيدات ورقابتها ضرورة لحماية الأسر من المركبات الخطرة.
لذلك، قد يبدأ التسمم بتدميع العين والسعال والغثيان والدوار، ثم يتطور إلى ضيق التنفس واضطراب القلب أو الوعي، بحسب نوع المركب وجرعته ومدة التعرض وعمر المصاب وحالته الصحية السابقة والمبكرة.
وفوق ذلك، يصبح الأطفال وكبار السن ومرضى الصدر أكثر عرضة للمضاعفات، لأن أجسامهم قد تتأثر بتركيزات أقل، بينما يؤدي إغلاق النوافذ وتشغيل أجهزة التبريد إلى إبقاء الرذاذ عالقا داخل المنزل.
كذلك، لا يجوز الاطمئنان إلى عبارة آمن تماما، إذ تختلف مدد الإخلاء والتهوية باختلاف المادة والتركيز وطريقة التطبيق، ولا يستطيع مندوب مجهول تحديدها بلا بطاقة بيانات وتعليمات معتمدة ومعدات قياس مناسبة.
لهذا، فإن ظهور أعراض بعد الرش يستوجب مغادرة المكان إلى هواء نقي وطلب الإسعاف فورا، مع اصطحاب عبوة المبيد أو تصوير ملصقها، وعدم إجبار المصاب على القيء أو تقديم علاجات عشوائية.
وبالمثل، يجب غسل الجلد المكشوف وتبديل الملابس الملوثة وشطف العين بالماء عند التعرض، مع تجنب العودة للمكان حتى تهويته وفق التعليمات، وإبعاد الأطفال والحيوانات والطعام وأدوات المائدة قبل بدء الرش.
وعي لا يعفي الدولة
ويشرح محمد إسماعيل عبد الحفيظ، أستاذ علم السموم بجامعة المنيا، أن بعض المبيدات الخطرة قد تتأخر أعراضها ولا يتوافر لها ترياق نوعي، وأن التعرض يمكن أن يقع باللمس أو البلع أو الاستنشاق.
غير أن تحميل المواطن وحده مهمة اكتشاف الشركات الوهمية يتجاهل تفاوت الوعي وصعوبة فحص الوثائق، خاصة عندما تحاكي الكيانات المخالفة أسماء شركات معروفة وتستخدم إعلانات ممولة وشهادات زائفة لإضفاء الثقة والانتشار السريع.
وبالتالي، يفترض أن توفر الوزارة أداة بحث سهلة ومحدثة تمكن المواطن من إدخال اسم الشركة أو رقم الترخيص، بدلا من مطالبة الأسر بمراجعة قوائم طويلة قد تتغير صلاحيتها أو بياناتها مع الوقت.
إضافة إلى ذلك، ينبغي إلزام الشركات المرخصة بعقد يحدد المبيد وتركيزه وموعد الرش وفترة الإخلاء والضمان، وتسليم العميل فاتورة ونشرة سلامة ورقم طوارئ، بما يصنع سلسلة مسؤولية قابلة للتتبع والمحاسبة.
وفي الأثناء، تستطيع منصات التواصل تقليص الخطر بمنع إعلانات خدمات المكافحة دون وثائق موثقة، وإتاحة مسار سريع للإبلاغ عن الصفحات المنتحلة، وحفظ بيانات المعلنين لتقديمها إلى جهات التحقيق عند وقوع إصابات.
أما جهاز حماية المستهلك، فمطالب باستقبال الشكاوى والتحقق من العقود والإعلانات المضللة، ثم إحالة الوقائع الخطرة للنيابة، مع إعلان أسماء الكيانات المخالفة حتى لا تنتقل ببساطة إلى صفحة جديدة وهوية مختلفة.
وبالتوازي، تحتاج المستشفيات ومراكز السموم إلى بروتوكول إبلاغ موحد يسجل نوع المبيد ومكان الحادث والشركة المنفذة، لأن تجميع تلك البيانات يمكن أن يكشف بؤر النشاط غير المرخص ويمنع تكرار الإصابات.
وأخيرا، يبقى الترخيص بداية الحماية لا نهايتها، بينما يتطلب وقف مبيدات الموت تفتيشا مستمرا وملاحقة رقمية وعقوبات رادعة، إلى جانب وعي أسري يرفض الوعود المطمئنة قبل رؤية مستندات قابلة للتحقق.

