فجرت قرارات وزارة التعليم بتوزيع المقبولين في مسابقات التعيين على مدارس بعيدة عن مساكنهم موجة غضب واسعة بعدما تحول النجاح المنتظر إلى اغتراب مكلف يهدد استقرار آلاف الأسر منذ البداية.
وكشفت شكاوى المعلمين أن جهات التوزيع تجاهلت المسافات وظروف الأسرة وصعوبة المواصلات فوجد المقبولون أنفسهم أمام اختيار قاس بين استنزاف الراتب يوميا أو استئجار سكن بعيد أو خسارة الوظيفة الجديدة.
وبينما تستهدف المسابقات سد العجز داخل المدارس أفضت طريقة التنفيذ إلى نقل الأزمة من الفصول إلى بيوت المعلمين وهددت بحرمان المناطق المحتاجة من كوادر قد تعجز فعليا عن تسلم العمل.
كلفة الاغتراب القسري
وتتضاعف المعاناة مع ارتفاع أسعار النقل لأن الرحلات الطويلة تلتهم جزءا مؤثرا من راتب المعلم المبتدئ وتتركه عاجزا عن تلبية احتياجاته الأساسية قبل أن يبدأ تحمل نفقات وظيفته داخل المدرسة.
وفوق ذلك يفرض السفر اليومي ساعات إضافية غير مدفوعة ويبدد طاقة المعلمين قبل دخول الفصول بما يحول قرار التعيين من أداة لعلاج العجز إلى سبب مباشر لتراجع الأداء والاستقرار المهني.
أما المعلمات فيواجهن أعباء أشد بسبب مخاطر السفر المبكر والمتأخر وصعوبة الإقامة المنفردة بعيدا عن الأسرة إلى جانب مسؤوليات الرعاية التي لم تظهر الوزارة أي دليل على احتسابها عند التوزيع.
وفي هذا السياق يؤكد تامر شوقي أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس أن المعلم حجر الزاوية وأن تطوير التعليم يفشل دون تحسين أوضاعه الاقتصادية والعلمية وهي رؤية تدين تجاهل كلفة الانتقال.
وعمليا لا يمكن مطالبة معلم مستنزف ماليا وبدنيا بتقديم تعليم جيد لأن انتظامه وتركيزه واستعداده النفسي ترتبط كلها بقدرته على الوصول إلى مدرسته دون رحلة يومية مرهقة تلتهم دخله المحدود.
كذلك يهدد التوزيع البعيد بارتفاع طلبات الاعتذار أو الانقطاع والنقل المبكر ما يعيد إنتاج العجز الذي أنفقت الدولة مسابقات واختبارات طويلة لمعالجته ويكشف انفصال التخطيط المركزي عن احتياجات المدارس المحلية.
ولذلك تبدو الأزمة نتيجة غياب قاعدة توزيع معلنة تربط الاحتياج بالتخصص ومحل الإقامة وشبكات النقل والظروف الاجتماعية بدلا من قرارات إدارية مغلقة يدفع المعلم وحده ثمن أخطائها منذ يومه الأول.
ومن ناحية أخرى لم تقدم الوزارة حتى الآن تفسيرا تفصيليا يوضح لماذا تعذر تسكين المقبولين داخل محافظاتهم أو المراكز الأقرب إليهم ولا كيف جرى ترتيب الرغبات عند تزاحم الاحتياجات بين الإدارات.
معايير غائبة ومحاسبة مؤجلة
ودفع الغضب النائب محمد عبد الله زين الدين إلى توجيه سؤال عاجل لوزير التعليم ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة مطالبا بكشف معايير التوزيع وتقريب المعلمين وفتح حركة تنقلات قبل الدراسة.
وبحسب زين الدين فإن الشكاوى التي تلقاها تكشف عبئا ماليا ونفسيا كبيرا بما يجعل مساءلة الجهتين ضرورة لا مجاملة خصوصا أن المسابقة يفترض أن تحقق الاستقرار لا أن تعاقب الناجحين.
وفي المقابل يضع السؤال البرلماني الحكومة أمام اختبار واضح فإما نشر قواعد التوزيع وفتح التظلمات وتصحيح التكليفات وإما ترك آلاف المعلمين رهائن لقرارات لم تراع أبسط شروط العدالة الجغرافية الجديدة.
وبدوره يشدد حسن شحاتة أستاذ المناهج بجامعة عين شمس في طرحه التربوي على مركزية المعلم في نجاح التطوير وهو ما يعني أن سوء تسكينه يقوض أي مناهج جديدة قبل وصولها للطلاب.
ومن ثم يصبح تقريب محل العمل إجراء تعليميا لا ميزة شخصية لأنه يقلل الغياب والإرهاق ويزيد زمن التحضير ويمنح المدرسة معلما أكثر قدرة على المتابعة بدلا من موظف يطارد وسائل النقل.
إضافة إلى ذلك يثير غياب آلية اعتراض سريعة شكوكا حول جدية الوزارة في حماية استثمارات التعيين فالتظلم بعد بدء الدراسة قد يربك الجداول ويترك المدارس والمعلمين في فوضى ميدانية جديدة.
بناء على ذلك ينبغي إعلان خرائط العجز لكل تخصص وأعداد المقبولين وقواعد المفاضلة والمسافات القصوى المقبولة لأن حجب البيانات يمنع الرقابة ويحول كل تكليف بعيد إلى قرار عصي على الفهم.
ومع ذلك لا يكفي نقل المتضررين عشوائيا لأن الحل يحتاج منصة تبادل شفافة بين المعلمين المتساوين في التخصص والدرجة مع أولوية للحالات الأسرية والصحية وتحت رقابة فعالة تمنع الواسطة والمحسوبية.
التصحيح قبل بدء الدراسة
وعلاوة على ذلك تمثل خبرة خلف الزناتي نقيب المعلمين في الدفاع عن الأجر العادل والحقوق الاجتماعية تنبيها إلى أن تكلفة الانتقال جزء من عدالة العمل وليست عبئا خاصا يتحمله المعلم.
لهذا يتعين على النقابة حصر الحالات المتضررة بحسب المسافة والتخصص والنوع الاجتماعي ورفع قائمة موثقة للوزارة والجهاز بدلا من ترك كل معلم يواجه البيروقراطية منفردا دون سند مؤسسي حقيقي فعال.
وبالتوازي يجب إطلاق حركة استثنائية قبل انتظام الدراسة تسمح بالنقل أو الندب إلى أقرب إدارة لديها عجز مع ضمان عدم ضياع الدرجة المالية أو الأقدمية أو فرصة التثبيت لأي متظلم.
ثم إن الحالات التي يتعذر نقلها فورا تستحق بدل انتقال وسكنا آمنا مؤقتا وجداول تراعي زمن الرحلة حتى لا تمول الأسر من دخولها المحدودة خللا إداريا لم تكن طرفا فيه.
في المحصلة لا تقاس كفاءة المسابقة بعدد قرارات التعيين الصادرة بل بعدد المعلمين الذين استقروا فعلا في مدارسهم واستطاعوا الاستمرار بينما التوزيع البعيد يبدد النجاح ويعيد فتح أبواب العجز المزمن.
وأخيرا يترقب آلاف المقبولين قرارا عاجلا ينهي الاغتراب المفروض قبل العام الدراسي فالتأخير سيحول الشكاوى إلى انسحابات ويثبت أن الحكومة تسد عجز المدارس بتحميل المعلم وحده عجز التخطيط كاملا.

