دفعت سياسات الإسكان المنحازة للاستثمار والعملة الصعبة ملايين المصريين إلى سوق إيجار منفلت يلتهم دخولهم ويؤجل الزواج ويبدد الاستقرار بينما تتكدس الوحدات باهظة الثمن خارج قدرة الطبقات الوسطى والفقيرة معاً.

 

ويكشف اتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف السكن أن الأزمة ليست نقصاً في المباني بل عجزاً متعمداً عن إتاحة مسكن ملائم إذ تحول العقار من حق اجتماعي إلى وعاء للادخار والمضاربة.

 

وفرة تخدم القادرين

 

بدايةً يجسد عمر طارق مأزق جيل كامل بعدما أجّل الارتباط حتى يجد شقة للإيجار رغم أن راتبه لا يتجاوز 8 آلاف جنيه بينما يبدأ إيجار الوحدة المتواضعة من 3 آلاف.

 

وفي المقابل يستبعد الشاب البحث داخل المعادي حيث نشأ لأن الأسعار تتضاعف هناك بما يجعل البقاء قرب أسرته وحياته السابقة امتيازاً طبقياً لا يتيحه راتب موظف في شركة خاصة محلية.

 

وبحسب عضو شعبة الاستثمار العقاري علاء فكري توجد وفرة من الوحدات مقارنة بالطلب لكن معظمها موجه إلى الشرائح الأعلى دخلاً بينما يعجز متوسطو الدخل والفقراء عن العثور على سكن يناسب مواردهم.

 

وفعلياً شهد عام 2025/2024 تدشين أكثر من 212 ألف وحدة باستثمارات بلغت 245.3 مليار جنيه غير أن الطفرة لم تخفف الأزمة لأن معيار الإنتاج ظل قيمة الاستثمار لا قدرة الأسر.

 

وبالتوازي دفع ارتفاع أسعار التملك أبناء الطبقتين الوسطى والفقيرة نحو الإيجار فزاد الطلب وقفزت القيم الشهرية بعيداً عن الأجور بينما بقيت الوحدات الجديدة محكومة بأسعار لا تخاطب احتياجاتهم الأساسية الحقيقية.

 

ومن ناحية أخرى تتحول وفرة البناء إلى مفارقة قاسية فحتى مع تراجع بعض الوافدين في فيصل بقيت الإيجارات مرتفعة وظل المواطن محاصراً بين إيجار مرهق وشراء يستحيل تمويله من دخله المحدود.

 

الدخل عاجز أمام حق السكن

 

في السياق ذاته يرى الباحث يحيى شوكت أن جوهر الأزمة هو انهيار القدرة الشرائية أمام أسعار العقارات خاصة لدى الفقراء ومتوسطي الدخل وهي فجوة تراكمت عبر عقود ولم تبدأ بالوافدين.

 

كما يوضح شوكت أن غالبية المالكين حصلوا على مساكنهم بالبناء الذاتي في الريف والمدن الجديدة بينما لم يتجاوز التملك بالشراء من السوق ثلث الحالات وفق تعداد 2017 بسبب ضعف الدخول.

 

وفوق ذلك صنع عمل المصريين بالخارج وتحويل مدخراتهم إلى العقار سوقين بقدرتين شرائيتين متفاوتتين فأصبح المقيم في الداخل ينافس دخلاً أجنبياً على أرض وأسعار صممت للأعلى قدرة لا للأشد احتياجاً.

 

ومن ثم عمّقت الحكومة الاختلال حين شجعت تدويل السوق العقارية لجذب العملة الصعبة إذ رفعت جاذبية البيع للمقتدرين والأجانب من دون بناء حماية موازية للأسر المصرية التي تتقاضى أجورها بالجنيه.

 

وعلى مستوى المعيشة تدفع رباب محمد 3500 جنيه إيجاراً من راتب يبلغ 4 آلاف بعدما كان السكن يستهلك ثلث دخلها قبل 3 سنوات فأصبح يبتلع الأجر كله ويدفعها للاقتراض فعلياً.

 

وبينما أقعد المرض زوجها عن العمل تنقلت الأسرة بين 4 شقق خلال 10 سنوات داخل أرض اللواء وهو انتقال قسري يكشف كيف يفقد المستأجر الأمان كلما قرر المالك رفع السعر.

 

بدوره يقدر الخبير الاقتصادي عاطف وليم أن الدخل اللازم لحياة كريمة لا ينبغي أن يقل عن 20 ألف جنيه قياساً إلى الإيجارات وأسعار الوحدات وتكاليف المعيشة الراهنة في واقع اليوم.

 

وبناءً على ذلك تبدو فجوة الحد الأدنى للأجور البالغ 8 آلاف جنيه صارخة إذ يقل بنحو 12 ألفاً عن تقدير الكفاية قبل احتساب الطوارئ أو الادخار أو تكاليف تكوين أسرة.

 

حلول أقل من الأزمة

 

رغم ذلك لم تنهِ أكثر من 600 ألف وحدة إسكان اجتماعي منذ 2014 معاناة لأن مقدم الحجز وصل إلى 50 ألف جنيه وهو مبلغ يفوق مدخرات أسر تستنزف الإيجارات دخولها.

 

ومؤخراً أعلنت الدولة طرح 30 ألف وحدة للإيجار مع فرصة التملك لاحقاً وهي خطوة تفتح باباً لكنها تظل محدودة أمام ملايين الباحثين عن سكن وأسعار سوق تتقدم أسرع من رواتبهم.

 

وفي هذا الصدد يرحب يحيى شوكت بنموذج الإيجار لأنه يوسع النفاذ إلى الوحدات مقارنة بالتمويل العقاري الذي يشترط دخلاً ومدخرات ومقدماً لا تتوافر لدى محدودي الدخل فعلياً على أرض الواقع.

 

غير أن علاء فكري يشكك في كفاية العدد وقدرة الدولة على تكرار التجربة دورياً بسبب بطء استرداد الأموال ويدعو إلى تسهيلات للمطورين مقابل وحدات إيجارية تناسب الشرائح الأقل دخلاً فعلاً.

 

كذلك يقترح شوكت إعفاء الملاك من الضريبة العقارية عندما يؤجرون وحداتهم بأسعار اجتماعية تضبطها الحكومة بما يحول جزءاً من المخزون المغلق إلى مساكن متاحة بدلاً من بقائه مخزناً للقيمة طويلاً.

 

إضافةً إلى ذلك تظل الدولة بوصفها صاحبة الأرض والمسؤولة عن تخصيصها الجهة القادرة على فرض الحل لأن تراجع القوة الشرائية يمنع الأزمة من الانحسار تلقائياً في الأمد القريب دون تدخل.

 

ووفقاً لمؤشرات السوق تتراكم العقارات الراكدة لأن الوحدات تعامل كمخزن للقيمة لا كبيوت للسكن وهو ما يوسع التفاوت الطبقي ويهدد الأمان المجتمعي والاستقرار الأسري بصورة متزايدة أيضاً على نحو خطير.

 

لذلك تتطلب المواجهة برنامج إيجار واسعاً ورقابة عادلة على الزيادات وحوافز للوحدات منخفضة الكلفة وربط تخصيص الأراضي باحتياجات السكان بدلاً من ترك المسكن رهينة العائد الدولاري وهوامش المطورين المرتفعة أيضاً.

 

وخلاصة الأمر أن استمرار النهج الحالي يعني مزيداً من الزيجات المؤجلة والأسر المديونة والشقق المغلقة ولن تصبح الوفرة حلاً إلا حين تقيس الحكومة نجاحها بعدد من سكنوا لا بقيمة الاستثمارات.