فجرت اتهامات الخزانة الأميركية أزمة ثقيلة حول بنك مصر بعدما نسبت إلى فروعه في الإمارات تمرير 1.8 مليار دولار لصالح شركات يحتمل ارتباطها بإيران بما يهدد الثقة في ثاني أكبر بنك مصري.
وتجاوز الخطر حدود خلاف تنظيمي عابر لأن عزل الفروع عن التسويات الدولارية قد يربك التحويلات والتجارة والاعتمادات بينما اكتفت الحكومة بالصمت وبيانات طمأنة لم تقدم للرأي العام تفسيراً موثقاً لما جرى.
بدأ التصعيد باقتراح شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية استخدام المادة 311 لمنع المؤسسات المالية الأميركية من فتح حسابات مراسلة لفروع بنك مصر الإماراتية أو الاحتفاظ بها بما يقيد قدرتها على تسوية المدفوعات بالدولار.
وبحسب الخزانة الأميركية عالجت الفروع نحو 1.8 مليار دولار بين يناير 2024 ويونيو 2026 لصالح 103 شركات قالت واشنطن إنها قد تنتمي إلى شبكات مصرفية ظلية مرتبطة بطهران على نحو مباشر.
لكن الإجراء لا يسحب الترخيص الإماراتي ولا يغلق أبواب الفروع تلقائياً إذ تبقى سلطة التشغيل المحلية بيد مصرف الإمارات المركزي بينما ينحصر الأثر الأميركي المباشر في الوصول إلى مؤسسات الولايات المتحدة المالية.
وفي الوقت نفسه يخضع المقترح لمهلة قانونية تبلغ 30 يوماً لتلقي الردود قبل إقراره نهائياً ما يمنح القاهرة وأبوظبي فرصة للاعتراض وتقديم سجلات الامتثال والرد على الاتهامات أمام الجهات المختصة.
ليس حكمًا بإدانة البنك
وأوضح الخبير المصرفي طارق متولي أن القراءة الدقيقة تقتضي تجنب التهويل والتهوين لأن المقترح يستهدف المعاملات الدولارية للفروع الإماراتية ولا يمثل حكماً بإدانة البنك أو وقف جميع خدماته المصرفية الأخرى.
وأضاف متولي أن منطوق الإجراء لا يشمل عمليات بنك مصر داخل البلاد غير أن تضييق قنوات المراسلة قد يفرض ترتيبات بديلة أكثر تعقيداً ويزيد زمن تنفيذ بعض المدفوعات وكلفة إنجازها.
ومن ناحية أخرى أعلن مصرف الإمارات المركزي فحصاً عاجلاً ومعمقاً للعمليات المنفذة خلال الفترة محل الاتهام في خطوة تكشف أن بيانات الطمأنة وحدها لا تكفي لإغلاق الملف أو تبديد المخاطر.
وعليه تظل الفروع عاملة بصورة طبيعية وفق البيانات المشتركة لكن استمرار التشغيل لا يلغي احتمال تضرر نشاطها الدولاري إذا انتهت المهلة بإقرار القاعدة الأميركية المقترحة من دون تعديلات جوهرية لاحقاً.
عدوى السمعة المصرفية
حذر خبير التمويل والاستثمار وائل النحاس من اختزال الأزمة في فرع خارجي موضحاً أن البنوك الدولية تبني قراراتها على السمعة والشفافية وقد توسع فحوصها حتى دون عقوبة مباشرة على البنك الأم.
وبالتالي قد تطلب البنوك المراسلة مستندات إضافية قبل تمرير المعاملات أو ترفع رسوم الامتثال أو تتجنب بعض العمليات وهو ما ينعكس على الاعتمادات المستندية وتمويل التجارة والتحويلات المرتبطة بالشركات والأفراد.
كما رأى النحاس أن إثبات انفصال مسؤوليات الفرع عن البنك الرئيسي يحتاج إلى مراجعة دولية مستقلة ذات سمعة قوية لا إلى بيان يصدره البنك عن نفسه ويطلب من الأسواق تصديقه.
وفوق ذلك طالب البنك المركزي المصري بتوضيح العلاقة المالية والمحاسبية والتنفيذية بين الكيانين مدعومة بتدقيق مستقل يقدم سريعاً إلى الجهات الأميركية حتى لا تظل الشبهات مفتوحة أمام التأويل والتصعيد المحتمل.
وفي المقابل أكد البنك المركزي أن التدبير محصور في فروع الإمارات ولا يمتد إلى بنك مصر داخل البلاد أو بقية القطاع معلناً اتصالات مع واشنطن بالتنسيق مع وزارة الخارجية حالياً.
ومع ذلك تكشف الأزمة فجوة واضحة بين الطمأنة الرسمية ومتطلبات السوق العالمية لأن المؤسسات المراسلة لا تكتفي بالنفي العام بل تراجع مصدر الأموال وهوية العملاء ومسارات التسوية وفاعلية ضوابط مكافحة غسل الأموال.
ومن ثم قد تتحول الكلفة الحقيقية من عقوبة محددة إلى رقابة أطول وأبطأ على المعاملات بما يضعف سرعة التحويل ويرفع الأعباء على المستوردين والمصدرين ويضغط على الثقة المؤسسية المصرية مستقبلاً.
تحويلات تحت الاختبار
يرى أستاذ علوم الإدارة المصرفية أيمن حسن أن الأزمة محدودة بالفروع الخاضعة لرقابة مصرف الإمارات المركزي ولا تؤثر قانونياً في البنك الرئيسي بالقاهرة أو فروعه الأخرى ما دامت القرارات لم تتوسع.
وبينما يطمئن هذا التفسير المودعين فإنه لا يحسم السلوك الاحترازي للبنوك الأجنبية التي قد تشدد الفحص من تلقاء نفسها لتفادي مخالفة العقوبات الأميركية حتى في غياب حظر شامل على البنك الأم.
كذلك تمثل الإمارات مركزاً مهماً لتحويلات المصريين والتجارة الخليجية ولذلك فإن أي تعطيل للدولار قد يدفع بعض العملاء إلى قنوات بديلة ويزيد الرسوم وفترات التسوية ويقلص تنافسية خدمات الفروع المصرية.
إلى جانب ذلك يمكن أن تمتد الضغوط إلى معاملات الدين والسندات والاعتمادات المستندية والشبكات الرقمية إذا ارتفع تصنيف المخاطر المرتبط بالبنك بما يفرض مراجعات إضافية على كل عملية عابرة للحدود.
وعلى صعيد السوق جاء التصعيد بينما تجاوز الدولار 51 جنيهاً وسط تراجع تدفقات الأموال الساخنة وخروج استثمارات قصيرة الأجل ما جعل الجهاز المصرفي يواجه صدمة سمعة في توقيت نقدي شديد الحساسية.
في المقابل واصلت البورصة المصرية الصعود بوتيرة أهدأ بعد مكاسب قوية سابقة لكن ارتفاع الأسهم لا ينفي أن أزمة المراسلات الدولارية تمس قنوات مختلفة ترتبط بالتجارة والتحويلات أكثر من التداول المحلي.
بناء على ذلك يحتاج الرد المصري إلى نشر نتائج الفحص وتحديد أوجه القصور ومحاسبة المسؤولين إن ثبتت المخالفات بدلاً من الاكتفاء بصياغات دفاعية عامة تترك المواطنين والأسواق أمام روايتين متعارضتين.
وأخيراً تتوقف سلامة بنك مصر من عدوى الأزمة على سرعة تقديم أدلة قابلة للتحقق وضمان استمرار قنوات التحويل لأن كل تأخير يمنح الشكوك مساحة أوسع ويهدد برفع كلفة التعامل مع الاقتصاد المصري كله.

