لم يعد الحصول على مؤهل جامعي أو العمل في مهنة مهنية متخصصة ضمانًا لحياة مستقرة، في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة التي دفعت كثيرًا من المصريين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، حتى أصبح الجمع بين وظيفتين أو أكثر مشهدًا متكررًا في الحياة اليومية.
ومن بين القصص التي أثارت تفاعلًا واسعًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قصة شاب يعمل صيدليًا خلال ساعات النهار، قبل أن يتحول في المساء إلى عامل توصيل طلبات، في محاولة لتوفير دخل إضافي يساعده على مواجهة أعباء الحياة.
وتداول مستخدمون مقطع فيديو يوثق تفاصيل يومه، مصحوبًا بعبارة: «دكتور مينا يواصل رحلة السعي وراء الرزق»، لتتحول القصة سريعًا إلى حديث بين المتابعين، الذين رأى كثير منهم أن ما يفعله الشاب لا يعكس حالة فردية بقدر ما يكشف جانبًا من الضغوط التي أصبحت تواجه أصحاب المهن المختلفة.
من المعطف الأبيض إلى دراجة التوصيل
يبدأ الشاب يومه داخل الصيدلية مرتديًا المعطف الأبيض، مؤديًا عمله في المجال الذي درس فيه وحصل على مؤهل جامعي لممارسته، لكنه لا ينهي يومه بانتهاء ساعات العمل.
فبعد مغادرة الصيدلية، يبدأ فصل آخر من يومه في شوارع المدينة، حيث يعمل في توصيل الطلبات حتى يحصل على دخل إضافي.
وبعيدًا عن تفاصيل مهنته الثانية، فإن اللافت في القصة هو الجمع بين وظيفتين مختلفتين تمامًا، بعدما أصبح الدخل الناتج عن وظيفة واحدة غير كافٍ لتغطية متطلبات الحياة اليومية.
القصة لاقت تعاطفًا واسعًا، ليس فقط بسبب طبيعة العمل الذي يؤديه الشاب، ولكن لأن كثيرين وجدوا فيها صورة قريبة من واقعهم؛ موظف يبدأ عمله صباحًا، ثم يبحث عن مصدر دخل آخر بعد انتهاء ساعات عمله، أو شاب يحاول استغلال ما تبقى من يومه في عمل إضافي حتى يستطيع تحمل مصروفاته.
إذا كان الصيدلي لا يكفيه راتبه
وتطرح قصة الصيدلي سؤالًا أوسع من حدود تجربته الشخصية: ماذا يفعل الموظف الذي يحصل على راتب أقل، ولا يمتلك مؤهلًا مهنيًا أو فرصة عمل إضافية؟
فإذا كان شخص يعمل في مهنة متخصصة، ويمتلك مؤهلًا جامعيًا، ويضطر إلى إضافة وظيفة أخرى إلى عمله الأساسي لمواجهة أعباء المعيشة، فإن الصورة تبدو أكثر صعوبة بالنسبة للعمال والموظفين وأصحاب الدخول المحدودة.
ولا يتعلق الأمر فقط بقيمة الراتب الاسمية، وإنما بالقدرة الفعلية لهذا الراتب على شراء الاحتياجات الأساسية.
فارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات والسكن والنقل والطاقة والتعليم وغيرها من بنود الإنفاق يجعل الزيادة في الأسعار تنعكس بصورة مباشرة على ميزانية الأسرة.
وتظهر البيانات الرسمية حجم الضغوط التضخمية التي تعرض لها الاقتصاد المصري خلال السنوات الماضية. فقد سجل معدل التضخم الحضري السنوي 14.9% في يوليو 2026، مقارنة بـ14.3% في يونيو، وفق بيانات البنك المركزي المصري استنادًا إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وفي أغسطس 2026، أظهرت دراسة أعدها مركز العدل لدراسات السياسات العامة أن الأسرة المصرية المكونة من أربعة أفراد تحتاج، وفق السيناريو الأوسط الذي اعتمدته الدراسة، إلى نحو 31 ألفًا و784 جنيهًا شهريًا لتغطية سلة المعيشة التي حددتها الدراسة.

