تتصاعد المخاوف من تحول موجة الحر القياسية في تونس إلى عامل قاتل داخل السجون، بعد تسجيل وفيات وتدهور صحي خطير بين السجناء، وسط اتهامات بأن الاكتظاظ وضعف التهوية وانقطاع الخدمات يدفعون المحتجزين إلى مواجهة أخطار متراكمة.
وفيما لم تصدر السلطات حصيلة رسمية شاملة للوفيات المرتبطة بهذه الظروف، أعلنت فروع للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عن وفاة سجين في قفصة ونقل سجينين بالمهدية إلى الإنعاش، بينما تحدث رئيس الرابطة بسام الطريفي عن خمس وفيات أخرى.
وبالتالي، تتجاوز القضية حدود حادثة منفردة لتكشف هشاشة ظروف الاحتجاز خلال فصل صيف استثنائي، إذ بلغت الحرارة في بعض المناطق 50 درجة، بينما واجهت المستشفيات ضغطا متزايدا وحالات عديدة استدعت الإيواء والعلاج العاجل.
كما أن فرع الرابطة في قفصة أعلن وفاة سجين داخل السجن المدني، مشيرا إلى سكتة قلبية وقعت في سياق احتجاز وصفه بالصعب، حيث يتقاطع الاكتظاظ مع الحرارة المرتفعة لتتضاعف المخاطر الصحية على الأشخاص المحرومين من حريتهم.
لزيادة القلق، أكد فرع الرابطة بالمهدية أن سجينين تعرضا في 24 أغسطس لتدهور خطير في حالتيهما الصحية، ما استوجب نقلهما إلى قسم الاستعجالي وإيواءهما في وحدة الإنعاش بالمستشفى الجامعي الطاهر صفر.
لذلك، أعادت هذه الوقائع إلى الواجهة سؤال المسؤولية عن حماية السجناء خلال الظروف المناخية القاسية، خصوصا أن الحر الشديد لا يصيب الجميع بالقدر نفسه، بل يصبح أكثر خطورة داخل أماكن مغلقة ومكتظة تضعف فيها التهوية.
ومن ثم، وصف بسام الطريفي، رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ظروف الاحتجاز في هذه المرحلة بأنها قد ترتقي إلى التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة، داعيا إلى التعامل مع الوفيات والتدهور الصحي باعتبارهما إنذارا عاجلا.
غير أن تحديد الصلة المباشرة بين الحرارة وكل حالة وفاة يظل بحاجة إلى معطيات طبية وتحقيقات مستقلة، إذ لم تنشر السلطات حتى الآن حصيلة رسمية تؤكد الأرقام المتداولة أو تحدد الأسباب الدقيقة للوفيات المبلغ عنها.
علاوة على ذلك، تزامنت الأزمة داخل السجون مع ضغط شديد على القطاع الصحي، بعدما أعلنت المنظمة التونسية للأطباء الشبان تسجيل 13 وفاة خلال 24 ساعة، إلى جانب استقبال حالات إصابة بضربات شمس احتاج بعضها إلى الرعاية المركزة.
بناء على ذلك، لا تبدو السجون معزولة عن الأزمة الصحية الأوسع، إذ يفرض اجتماع الحرارة والاكتظاظ ونقص المعلومات حول الأوضاع الداخلية صعوبة إضافية أمام تقييم حجم المخاطر، ويعزز مطالب المنظمات الحقوقية بفتح المؤسسات أمام الرقابة المستقلة.
مسؤولية الدولة
وفي هذا السياق، يرى شادي الطريفي، عضو الهيئة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن المشكلة لا تتعلق بوجود إجراءات معلنة فقط، بل بمدى فاعليتها داخل السجون وقدرة الهيئات الحقوقية على التحقق منها.
كذلك، أشار الطريفي في تصريحات صحفية إلى أن منع أو تقييد الزيارات الحقوقية يفاقم الغموض، لأن تقييم توفير الماء والكهرباء والتهوية والرعاية الصحية يصبح أكثر صعوبة عندما تغيب إمكانية المراقبة المباشرة والمستقلة.
وبالمقابل، أعلنت الهيئة العامة للسجون والإصلاح أنها اتخذت إجراءات لمواجهة الارتفاع الاستثنائي للحرارة وضمان ظروف مناسبة للمساجين، مؤكدة توفير المتابعة الصحية واتخاذ التدابير اللازمة للحالات التي تحتاج إلى العلاج أو النقل.
ومع ذلك، يبرز التباين بين هذه التأكيدات والشهادات الحقوقية الحاجة إلى تحقيقات معلنة في كل وفاة، تكشف التوقيت والسبب والظروف المحيطة، بدلا من ترك أسر السجناء والرأي العام أمام روايات متضاربة ومعلومات جزئية.
ومن زاوية قانونية، تقع مسؤولية حماية حياة المحتجزين على الدولة، لأن السجين لا يفقد حقوقه الأساسية بدخوله المؤسسة العقابية، فيما تصبح واجبات الرعاية أكثر إلحاحا عندما تمنعه ظروف الاحتجاز من حماية نفسه من المخاطر.
الاكتظاظ يضاعف الخطر
إلى جانب الحر، يمثل الاكتظاظ عاملا مركزيا في تفاقم الأزمة، إذ تشير تقديرات منشورة خلال الأشهر الأخيرة إلى أن عدد السجناء يتجاوز الطاقة الاستيعابية في مؤسسات عدة، بينما تصل نسبة الإشغال في بعضها إلى مستويات مرتفعة جدا.
وفي هذا الإطار، يقول حمادي معمري، الصحفي التونسي المتابع لملف السجون، إن موجة الحر كشفت مشكلة قائمة أصلا، تتمثل في إقامة أعداد كبيرة من السجناء داخل فضاءات محدودة تفتقر في بعض الحالات إلى المرافق الأساسية.
فضلا عن ذلك، فإن الاكتظاظ لا يعني ضيق المكان وحده، بل يضاعف استهلاك الماء ويصعب التهوية ويزيد انتقال الأمراض، ويجعل التعامل الطبي مع الحالات الطارئة أكثر تعقيدا، خصوصا خلال فترات الضغط القصوى.
لهذا، تتجه مطالب حقوقية إلى البحث عن إجراءات استثنائية تخفف أعداد السجناء، عبر توسيع العقوبات البديلة أو مراجعة أوضاع بعض الفئات القانونية، بالتوازي مع ضمان الماء والكهرباء والرعاية الطبية داخل المؤسسات العقابية.
وعلى صعيد متصل، حذرت جمعيات حقوقية من أن استمرار الظروف الحالية قد يحول العقوبة السالبة للحرية إلى عقوبة إضافية غير منصوص عليها، عندما يصبح البقاء داخل الزنزانة نفسها مصدرا مستقلا للخطر على الصحة والحياة.
غياب الأرقام يوسع الشكوك
في المقابل، يرى أحمد نجيب الشابي، المحامي التونسي والرئيس السابق للحزب الجمهوري، أن أي حديث جدي عن الوفيات داخل أماكن الاحتجاز يقتضي شفافية كاملة، لأن غياب المعلومات الرسمية يفتح المجال للشائعات ويعمق قلق العائلات.
وبالتالي، تصبح المطالبة بنشر البيانات الصحية والقضائية المتعلقة بكل حالة وفاة جزءا من حماية الحق في المعرفة، وليس مجرد مطلب إجرائي، خاصة عندما تتكرر البلاغات الحقوقية وتبقى الرواية الرسمية محدودة أو متأخرة.
كما أن إعلان نتائج التشريح والتحقيقات، عند اكتمالها، يمكن أن يميز بين الوفيات الناجمة عن أمراض سابقة وتلك التي ساهمت ظروف الاحتجاز في تفاقمها، ويحدد إن كانت هناك مسؤوليات فردية أو مؤسساتية تستوجب المحاسبة.
إضافة إلى ذلك، طالبت المنظمة التونسية للأطباء الشبان بإعلان حالة طوارئ صحية في مواجهة تداعيات الحر، محذرة من الضغط الذي تتعرض له أقسام الاستعجالي والإنعاش، ومن محدودية القدرة على استيعاب الحالات المتزايدة.
وفي النهاية فإن الأولوية العاجلة، تتمثل في إنقاذ حياة من هم داخل الزنازين عبر توفير الماء والتبريد والتهوية والمتابعة الطبية، ثم إجراء تحقيقات شفافة في الوفيات، قبل أن تتحول موجة الحر إلى اختبار جديد يكشف عجز المؤسسات عن حماية المحتجزين.

