يحاول النائب عمرو درويش تبسيط أزمة الديون المصرية بالقول إنه «مفيش حاجة في العالم اسمها دولة بلا ديون»، مضيفًا أن القضية هي قدرة الدولة على تعويض حجم ديونها، قبل أن يجيب بنفسه: «نعم نستطيع». لكن الجزء الأول من العبارة، رغم صحته من الناحية الاقتصادية، لا يقود تلقائيًا إلى النتيجة التي خلص إليها النائب.
فالدول لا تُقاس بوجود الديون أو غيابها، وإنما بحجم تكلفة الاقتراض، وقدرة الاقتصاد على توليد إيرادات ونقد أجنبي تكفي للسداد، وبنوعية المشروعات التي وُجهت إليها القروض، ومستوى الشفافية والرقابة، وحجم الإنتاج والصادرات، وقدرة القطاع الخاص على النمو.
والسؤال الذي يحتاج النائب إلى الإجابة عنه ليس: هل توجد دولة بلا ديون؟ وإنما: كيف تستطيع مصر تعويض ديونها بينما ترتفع فاتورة فوائدها إلى مستويات تلتهم جانبًا هائلًا من الموازنة، ويظل الاقتصاد محتاجًا إلى الاقتراض لسداد التزامات سابقة وتمويل عجز جديد؟
الأرقام الرسمية نفسها تجعل عبارة «نعم نستطيع» في حاجة إلى أدلة أكثر بكثير من مجرد التفاؤل السياسي.
فوائد تلتهم الموازنة
قانون الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026/2027 يقدر فوائد الديون وحدها بنحو 2.420 تريليون جنيه، مقابل نحو 2.298 تريليون في موازنة العام السابق. أي أن الدولة ستدفع في المتوسط نحو 6.6 مليارات جنيه فوائد كل يوم، بما يعادل قرابة 46.6% من إجمالي المصروفات العامة المقدرة بنحو 5.188 تريليون جنيه.
للمقارنة، تبلغ مخصصات الأجور وتعويضات العاملين نحو 823 مليار جنيه، والدعم والمنح والمزايا الاجتماعية نحو 837 مليارًا، بينما لا تتجاوز الاستثمارات العامة نحو 554 مليارًا. وهذا يعني أن فوائد الدين وحدها تقترب من ثلاثة أمثال بند الأجور، ونحو ثلاثة أمثال الدعم، وتتجاوز أربعة أمثال الاستثمارات العامة.
الأمر لا يتوقف عند الفوائد. الموازنة تخصص كذلك نحو 2.808 تريليون جنيه لسداد القروض المحلية والأجنبية، في حين تقدر الإيرادات العامة بنحو 4.056 تريليون جنيه، كما يقدر القانون الاحتياجات التي ستغطى بالاقتراض وإصدار الأوراق المالية بنحو 4.011 تريليون جنيه خلال العام المالي نفسه.
بل إن القانون وضع حدًا أقصى لصافي دين الحكومة العامة يصل إلى نحو 21.93 تريليون جنيه، بما يعادل 89.5% من الناتج المحلي الإجمالي وفق النص المنشور في الجريدة الرسمية.
أما الدين الخارجي، فتشير البيانات الرسمية إلى بلوغه نحو 164.8 مليار دولار بنهاية مارس 2026، مقابل 163.9 مليار دولار في ديسمبر 2025، أي أنه ارتفع بدلًا من أن يتراجع خلال تلك الفترة.
إذن، نعم، الدول تستدين. لكن الدول القادرة لا تقيس نجاحها بمجرد قدرتها على إصدار دين جديد أو سداد استحقاق قديم، بل بقدرتها على خفض تكلفة الدين وتوجيه الاقتراض إلى أصول إنتاجية تحقق عائدًا يفوق تكلفة التمويل. وفي الحالة المصرية، تكشف أرقام الموازنة أن فوائد الديون أصبحت أحد أكبر أبواب الإنفاق على الإطلاق.
كيف نستطيع بلا رقابة؟
المشكلة الثانية في عبارة «نستطيع» هي أنها تفترض وجود منظومة تضمن أن الأموال المقترضة تُدار بأعلى قدر من الكفاءة والمساءلة.
صحيح أن مصر سجلت بعض التحسن في نشر بيانات الموازنة؛ إذ منحها مسح الموازنة المفتوحة لعام 2023 درجة 49 من 100 في شفافية الموازنة، و54 من 100 في الرقابة، و35 من 100 في المشاركة العامة. لكن درجة الشفافية ما زالت أقل من مستوى 61 نقطة الذي يعتبره المسح حدًا كافيًا لإتاحة نقاش عام مستنير حول الموازنة.
وفي مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، حصلت مصر على 30 نقطة من 100 وجاءت في المرتبة 130 من بين 182 دولة، وفق منظمة الشفافية الدولية.
وهذه المؤشرات لا تعني بذاتها أن كل قرض أُسيء استخدامه، لكنها بالتأكيد تضعف أي محاولة لتقديم شيك مفتوح للسلطة تحت شعار «نستطيع».
فكيف يمكن بناء سياسة دين طويلة الأجل في بيئة يصبح فيها النقد السياسي نفسه محفوفًا بالمخاطر؟
منظمة العفو الدولية قالت إن السلطات أحالت نحو 6 آلاف شخص بين سبتمبر 2024 ومايو 2025 إلى محاكمات في قضايا مرتبطة بالإرهاب، بينهم صحفيون ومحامون ومدافعون عن حقوق الإنسان، وقالت إن كثيرًا من تلك الحالات ارتبطت بممارسة سلمية للحقوق. كما وثقت هيومن رايتس ووتش استمرار استهداف منتقدين وصحفيين وسياسيين معارضين.
وتصنف «فريدوم هاوس» مصر في تقرير 2026 باعتبارها «غير حرة»، بدرجة 18 من 100، مع تقييم شديد الانخفاض للحقوق السياسية والحريات المدنية واستقلال الرقابة والمنافسة السياسية.
المعضلة هنا اقتصادية بقدر ما هي سياسية: الدولة التي تريد الاقتراض لعقود تحتاج مؤسسات قادرة على مراجعة القرارات، وبرلمانًا يسائل الحكومة، وإعلامًا يكشف الأخطاء، وخبراء يستطيعون الاعتراض قبل وقوع الكارثة، لا بعد تحول التكلفة إلى ديون على الأجيال المقبلة.
من سيصنع عائد هذه الديون؟
حتى لو تجاوزنا قضية الرقابة، يبقى سؤال الإنتاج: من أين ستأتي الموارد اللازمة لـ«تعويض» الدين إذا كانت الكفاءات ورؤوس الأموال والقطاع الخاص تواجه ضغوطًا متزايدة؟
الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أعلن أن عدد تصاريح العمل الصادرة للمصريين للعمل بالخارج وصل إلى نحو 1.183 مليون تصريح خلال 2025، بزيادة 9.1% عن العام السابق، وكان نحو 893 ألف تصريح منها لمتقدمين للمرة الأولى.
وفي القطاع الطبي، قال نقيب الأطباء أسامة عبد الحي إن نحو 7 آلاف طبيب شاب هاجروا للعمل بالخارج خلال عام واحد، مشيرًا إلى ضعف الرواتب وظروف العمل بوصفهما من أسباب الهجرة. كما تظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وجود نحو 14 ألف طبيب تلقوا تدريبهم في مصر ويعملون في دول المنظمة وفق أحدث المقارنات المتاحة لديها.
وفي الداخل، ظل مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي عند 46.8 نقطة في يوليو 2026، أي دون مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش، للشهر السابع على التوالي، مع استمرار تراجع الطلبات الجديدة والتوظيف والنشاط الشرائي.
أما ملف المصانع المتعثرة، فالمفارقة أن وزارة الصناعة نفسها أعلنت في يوليو أنها لا تزال تعمل على حصر عدد المصانع المتعثرة، بعدما سبق أن مددت حزم المهل والتيسيرات للمشروعات الصناعية المتعثرة حتى نهاية 2026.
ولذلك لا توجد حتى الآن قاعدة رسمية منشورة تبرر الادعاء بأن عدد المصانع المغلقة يرتفع بنسبة محددة، لكن وجود برنامج حكومي ممتد لمعالجة التعثر، وعجز الوزارة حتى الآن عن إعلان حصر شامل، يكشفان حجم المشكلة ونقص البيانات معًا.
حتى صندوق النقد الدولي، الذي يواصل تمويل مصر، قال في يوليو 2026 إن الحفاظ على الاستقرار يحتاج إلى تنفيذ حاسم لسياسة ملكية الدولة والتخارج وتعزيز دور القطاع الخاص، وهي إشارة واضحة إلى أن استدامة النمو لا يمكن أن تقوم على الاقتراض والدولة وحدهما.
الخلاصة أن رد النائب عمرو درويش يبدأ من حقيقة صحيحة لينتهي إلى استنتاج غير مثبت. نعم، كل الدول تقريبًا لديها ديون، لكن ليست كل الديون متشابهة، وليست كل الدول تمتلك القدرة نفسها على السداد.
وإذا كان السؤال: «هل تستطيع مصر؟» فالإجابة الجادة ليست شعار «نعم نستطيع»، وإنما: نستطيع عندما تصبح تكلفة الدين أقل، والإنتاج والصادرات أكبر، والمصانع أكثر قدرة على العمل، والكفاءات أكثر رغبة في البقاء، والبيانات أكثر شفافية، والرقابة أكثر استقلالًا، وصاحب القرار نفسه خاضعًا للمحاسبة.
أما أن نستدين، ثم نستدين لسداد الدين، بينما تقترب فوائد عام واحد من 2.42 تريليون جنيه، ثم نعتبر مجرد استمرار القدرة على الاقتراض دليلًا على النجاح، فذلك لا يجيب عن أزمة الديون؛ بل يؤجل مواجهتها.

