فاقمت أعمال إزالة الأشجار وتقليص الجزيرة الوسطى في شارع جامعة الدول العربية غضب سكان المهندسين، بعدما امتدت البلدوزرات إلى ما تبقى من الغطاء الأخضر، بينما ظل الزحام المروري حاضرا رغم سنوات من التوسعات والمشروعات المتلاحقة.

 

وكشفت شهادات السكان أن التطوير لم يقتصر على إعادة رصف الطريق، بل طال الممشى الذي اعتاد الأهالي استخدامه، وقلص الأرصفة ومساحات الظل، لتتراجع مساحة المشاة بالتوازي مع زيادة المساحة الممنوحة للسيارات داخل الشارع.

 

 

إعدام ممنهج للمساحات الخضراء

 

وبحسب مي محمود، إحدى سكان الشارع، فإن ما يجري يمثل إعداما ممنهجا للأشجار وتفضيلا واضحا لحركة السيارات، معتبرة أن إزالة الغطاء الأخضر تحرم المنطقة من أحد عناصرها الأساسية في مواجهة العوادم والحرارة والتلوث.

 

وفي بداية أغسطس، فوجئ سكان بوصول معدات الإزالة إلى الجزيرة الوسطى بعد سنوات من أعمال التطوير المرتبطة بالمترو وتوسعات الطريق، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالا متكررا حول حدود التدخل في المساحات العامة القديمة.

 

ومنذ سنوات، تعرضت أشجار الشارع لعمليات إزالة متتابعة رافقت توسعة كوبري 26 يوليو وأعمال الخط الثالث للمترو وتطوير المحور، فيما يقول الأهالي إن النتيجة المرورية الموعودة لم تظهر بالصورة التي تبرر هذا الفقد المتراكم.

 

وبيئيا، يحذر أستاذ التصميم البيئي بكلية التخطيط العمراني بجامعة القاهرة عباس الزعفراني من أن إزالة الأشجار تعزز ظاهرة الجزيرة الحرارية العمرانية، وتقلل الظلال المتاحة للمشاة، وتزيد سخونة الأرصفة والضغط الحراري داخل المدن المكتظة.

 

ووفقا للزعفراني، فإن تقلص المساحات الخضراء لا ينعكس على المشهد البصري فقط، بل يرفع درجات الحرارة ويزيد استهلاك الطاقة، بينما تصبح حركة المشاة أكثر قسوة في شوارع تفتقد الظل خلال أشهر الصيف الطويلة.

 

كذلك، يقول المتخصص في التشجير والغابات عمرو ربيع رفعت إن تعويض شجرة كبيرة مقطوعة لا يتحقق بزراعة شجرة صغيرة مكانها، موضحا أن استعادة الأثر البيئي قد تتطلب زراعة ما بين 3 و10 أشجار بديلة.

 

وبهذا المعنى، فإن الحديث عن تعويض الأشجار المزالة بزراعات جديدة لا يحسم اعتراضات السكان، لأن الأشجار المعمرة تختزن سنوات من النمو والظل والقدرة على امتصاص الملوثات، وهي وظائف لا تستعاد بمجرد غرس شتلات حديثة.

 

فضلا عن ذلك، يتعارض مشهد الإزالة مع الخطاب الرسمي الذي يعلن التوسع في التشجير وتحسين البيئة الحضرية، إذ سبق للحكومة أن وضعت خططا لتحويل المحاور المرورية إلى مساحات أكثر خضرة مع الحفاظ على جودة الحياة.

 

 

الطريق يبتلع الممشى

 

أما الزحام، فما زال يشكل جوهر اعتراض السكان، إذ يؤكدون أن اقتطاع أجزاء من الجزيرة الوسطى وتوسيع حارات المرور لم ينه التكدسات، ما يضع المبرر المروري لخفض المساحات الخضراء أمام اختبار عملي في الشارع نفسه.

 

وبالمقابل، أعلن رئيس حي العجوزة محمود فؤاد أن أعمال التطوير تشمل تصغير مساحة الجزيرة الوسطى وأعمال الأسفلت، مؤكدا في تصريحات أخرى أن التعامل مع الأشجار يتم بعد معاينات وليس بصورة عشوائية حفاظا على سلامة المواطنين.

 

غير أن هذا التفسير لا يجيب عن سؤال السكان الأساسي بشأن الأشجار التي اختفت بالفعل، ولا يوضح بصورة تفصيلية عدد ما أزيل منها أو أعمارها أو التقارير الفنية التي استندت إليها قرارات الإزالة في كل حالة.

 

ومن زاوية التخطيط، سبق لدراسة صادرة عن مشروع حلول للسياسات البديلة بالجامعة الأمريكية في القاهرة أن حذرت من تصميم الشوارع لصالح حركة المركبات على حساب المشاة، وربطت ذلك بتراجع قابلية العيش والمساحات المظللة.

 

وفي السياق نفسه، خلصت الدراسة إلى أن زيادة البنية الأساسية المخصصة للطرق لا تعني تلقائيا إنهاء الازدحام، لأن توسيع القدرة المرورية قد يشجع مزيدا من استخدام السيارات، بينما تبقى بدائل النقل العام والمشي أقل أولوية.

 

وعمليا، يظهر شارع جامعة الدول العربية نموذجا لهذا التناقض، فالمزيد من الحارات لم يلغ الشكاوى من التكدس، بينما دفع المشاة ثمنا مباشرا عبر تقلص الأرصفة واختفاء الممشى وخسارة الأشجار التي كانت تفصلهم عن حركة المركبات.

 

وفي المقابل، يؤكد المعماري ماهر استينو، استشاري مشروع تشجير المحاور المرورية بالقاهرة الكبرى، أن خطط تطوير الطرق يفترض أن تتضمن زيادة المساحات الخضراء وزراعة جوانب المحاور، بما يحسن البيئة الحضرية ويقلل التلوث والضوضاء.

 

ومن هنا، تبدو إزالة الأشجار لصالح التوسعة في شارع مزدحم على الدوام مناقضة لفكرة دمج التشجير داخل مشروعات الطرق نفسها، خصوصا حين لا تقدم النتائج الميدانية دليلا واضحا على أن الاقتطاع المستمر أنهى الاختناقات.

 

لهذا، لا يرفض السكان تطوير الشارع من حيث المبدأ، بقدر ما يعترضون على نموذج تطوير يعتبر الجزيرة الوسطى والأرصفة مخزونا قابلا للاقتطاع كلما احتاجت السيارات إلى مساحة إضافية، من دون حماية مكافئة لحقوق المشاة.

 

 

قرار بلا شفافية

 

وفي موازاة اعتراضات الأهالي، انتقل ملف قطع الأشجار إلى مجلس النواب بعدما تقدمت النائبة هايدي المغازي بسؤال إلى وزيرة التنمية المحلية والبيئة بشأن تكرار الإزالة في القاهرة والجيزة والضوابط المنظمة لاتخاذ هذه القرارات.

 

وطالبت المغازي بالكشف عن الجهة التي تصدر قرارات القطع والأساس الفني والقانوني المستخدم، مشيرة إلى أن المواطنين لا يعرفون في حالات عديدة سبب الإزالة أو الجهة التي اتخذت القرار رغم التعليمات المعلنة لمنع القطع الجائر.

 

وبين الرواية الرسمية وشهادات السكان، تظل المشكلة في غياب معلومات تفصيلية منشورة عن كل شجرة أزيلت في الشارع، تشمل سبب الإزالة وحالتها وتقرير المعاينة والبديل المزروع، بما يسمح للرأي العام بمراجعة سلامة القرار.

 

وفوق ذلك، فإن اختفاء الممشى يوسع الأزمة من ملف الأشجار إلى طريقة إدارة المجال العام، لأن المكان كان يؤدي وظيفة يومية للسكان في المشي والحركة، قبل أن تنكمش مساحته لصالح مسار مروري لم ينه الاختناق.

 

ومن ناحية أخرى، فإن تقليص الأرصفة يضع الفئات التي تعتمد على المشي أمام مساحة أقل وأشد تعرضا للعوادم والحرارة، وهو ما يجعل تكلفة التطوير موزعة بصورة غير متكافئة بين مستخدمي السيارات ومن يتحركون على أقدامهم.

 

وبناء على ذلك، لا تبدو القضية خلافا جماليا حول شكل شارع شهير، وإنما صراعا على أولوية الاستخدام داخل مساحة عامة محدودة، بين أشجار ومشاة يحتاجون الظل والأمان، وسيارات تحصل تباعا على أجزاء إضافية من الطريق.

 

وفي النهاية، تكشف شكاوى جامعة الدول العربية فجوة بين أهداف التطوير المعلنة وتجربة السكان اليومية، فالبلدوزر يواصل اقتطاع عناصر خضراء من الشارع، بينما يظل الازدحام قائما، وتبقى تفاصيل قرارات الإزالة بعيدة عن الرقابة العامة.

 

وتبقى المحاسبة مرهونة بنشر سجل واضح لما أزيل وما نقل وما زرع بديلا، وبيان أثر التوسعات على الحركة فعليا، لأن استمرار الزحام بعد خسارة الأشجار يجعل السؤال أكثر إلحاحا حول جدوى الثمن الذي دفعه السكان.