كشفت دراسة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية أن خطة الحكومة لإنشاء 49 مدينة جديدة على مساحة تتجاوز 2.2 مليون فدان وبطاقة استيعابية تفوق 27 مليون نسمة لم تنجح بعد في جذب السكان المستهدفين، لتبقى غالبية المدن الجديدة أقل كثيرًا من طاقتها المخططة.
وخلف الأرقام تقف أسر تبحث عن مدرسة قريبة، ومواصلات آمنة، ومستشفى، وعمل ثابت، لا عن وحدة سكنية في مدينة تتحول بعد انتهاء ساعات العمل إلى شوارع فارغة ومبانٍ مضاءة بلا حياة اجتماعية كاملة.
مدن بلا سكان رغم الإنفاق
بدأت الحكومات المصرية منذ أواخر السبعينيات مشروع التوسع في الصحراء بهدف تخفيف الضغط عن الوادي والدلتا، لكن بعد قرابة خمسة عقود ما يزال أكثر من 95% من السكان متركزين في نطاق جغرافي محدود.
وتشير الدراسة إلى أن وادي النيل والدلتا، بما يمثلان أقل من 4% من مساحة الدولة، يحتضنان الكثافة السكانية الأكبر، مع ما يرافق ذلك من ازدحام وارتفاع أسعار السكن وضغط على المدارس والمستشفيات والطرق.
لكن الإجابة الحكومية على هذه الأزمة ركزت بصورة كبيرة على تشييد المدن والمرافق، بينما تأخر السؤال الأهم: من سيعيش في هذه المدن، وكيف سيؤمن دخله اليومي، وأين سيتعلم أطفاله ويتلقى العلاج؟
وتظهر بيانات الدراسة أن العاصمة الإدارية الجديدة حققت نحو 0.5% فقط من مستهدفها السكاني، وأكتوبر الجديدة 0.4%، والعبور الجديدة 0.3%، والعلمين الجديدة 0.9% من الطاقة المخططة.
ولا يمكن تفسير هذه النسب المنخفضة بحداثة المدن وحدها، لأن مدنًا أقدم أُنشئت منذ عقود ظلت بدورها بعيدة عن أهدافها؛ إذ بلغت نسبة الإشغال في السادات نحو 5%، والقاهرة الجديدة 8%، والعبور 13.7%، والشروق 18.8%.
وهذا يعني أن المشكلة ليست في انتظار الوقت حتى تمتلئ الشقق، بل في نموذج تنموي يسبق فيه البناءُ الحياةَ الاقتصادية والاجتماعية التي تمنح الناس سببًا حقيقيًا للانتقال والاستقرار.
كما أن طرح أرقام ضخمة عن الأراضي والوحدات والطاقة الاستيعابية لا يجيب وحده عن سؤال الكفاءة: كم أُنفِق؟ وكم مدينة تحولت فعلًا إلى مجتمع يعمل وينتج ويقيم فيه الناس بصورة دائمة؟
ويزداد هذا السؤال إلحاحًا مع انتقال جزء كبير من الاستثمارات العامة إلى طرق ومحاور ومبانٍ إدارية وعمرانية، بينما يظل قياس العائد الاجتماعي لهذه الأموال أقل وضوحًا من حجم الدعاية للمشروعات نفسها.
ويرى أستاذ التخطيط العمراني الدكتور سعيد حسانين أن المدن الجديدة يجب أن تقوم على السكن والخدمات والبنية التحتية وفرص الحياة المتكاملة، لكن الواقع يكشف أن اكتمال المباني لا يساوي بالضرورة اكتمال المدينة أو قدرتها على الاحتفاظ بسكانها.
الوظائف تتكدس خارج المجتمعات الجديدة
وضعت دراسة المركز المصري للدراسات الاقتصادية سوق العمل في قلب المشكلة؛ إذ سجلت القاهرة نحو 14.9 ألف وظيفة شاغرة معلن عنها في الربع الأول من 2026، مقابل نحو 240 وظيفة فقط في ست محافظات تضم مدنًا جديدة.
وتشمل هذه المحافظات المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا وأسوان وبني سويف، ما يعني أن القاهرة وحدها وفرت فرصًا معلنة تزيد على هذه المحافظات مجتمعة بأكثر من ستين مرة.
كما أظهر تحليل المركز أن محافظة القاهرة استحوذت على 65.5% من الوظائف المعلنة خلال الربع الأول من العام، بينما استحوذ إقليم العاصمة على النسبة الأكبر من وظائف الياقات البيضاء والزرقاء.
لكن هذه الأرقام يجب أن تُقرأ بحذر؛ لأنها تعتمد على الوظائف المُعلنة إلكترونيًا، ولا تحصي بالضرورة كل فرص العمل غير الرسمية أو الإعلانات الداخلية أو العمالة اليومية في المحافظات.
ومع ذلك، لا يلغي هذا التحفظ دلالة الفجوة الأساسية: حيث تتركز الشركات والوظائف والجامعات والخدمات المتخصصة، يبقى الناس قريبين؛ وحيث توجد الوحدات بلا اقتصاد محلي قوي، يتحول السكن إلى استثمار أو إقامة متقطعة.
وتكشف العاصمة الإدارية هذه المفارقة بوضوح؛ فنقل الوزارات ومقار بعض الشركات زاد حركة التنقل اليومية إليها، لكنه لم ينتج ارتفاعًا مماثلًا في عدد المقيمين بشكل دائم مع أسرهم.
فالانتقال اليومي لا يعني أن المدينة نجحت في جذب السكان، بل قد يكون دليلًا عكسيًا على أن العامل يرى مكان عمله بعيدًا عن مقومات الحياة التي يحتاجها بعد انتهاء دوامه.
ويؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور فرج عبدالله أن قطاع التشييد والبناء محرك مهم للنمو ويرتبط بقطاعات إنتاجية وخدمية عديدة، لكن تشغيل العمالة أثناء البناء يظل مختلفًا عن خلق وظائف مستقرة ودائمة تدفع الأسر إلى الاستيطان.
كما أن انخفاض البطالة إلى 5.8% في الربع الثاني من 2026 لا يكفي وحده للحكم على نجاح التوزيع العمراني، لأن القضية ليست عدد الوظائف الإجمالي فقط، بل مكان وجودها، ومستوى أجورها، وقدرتها على تغطية كلفة السكن والتنقل.
السكن ليس مشروعًا من الخرسانة
تؤكد الدراسة أن قرار الأسرة بالانتقال لا يتوقف على وجود شقة جديدة، بل يرتبط بمدرسة موثوقة، ومستشفى قريب، ومواصلات عامة منتظمة، وأسواق وخدمات، وأمان اجتماعي، وإسكان يمكن تحمّل تكلفته.
لكن التخطيط في كثير من الحالات قدّم العقار بوصفه الهدف، فيما تُركت شروط الإقامة الدائمة لتلحق به لاحقًا، وهو ترتيب يجعل المدن أقرب إلى مخزون عقاري منها إلى مجتمعات حية.
وتتحول بعض الوحدات إلى وسيلة ادخار أو استثمار، بينما يبقى أصحابها في القاهرة أو الدلتا لأن العمل والتعليم والعلاج والعلاقات العائلية لا تزال مرتبطة بالمراكز التقليدية.
ولا ينبغي أن تُقاس المدينة بعدد الأبراج أو الطرق أو الاحتفالات بالافتتاح، بل بعدد الأسر التي اختارتها مكانًا دائمًا للحياة، وقدرتها على توفير دخل وخدمات وفرص متساوية لسكانها.
ويرى أستاذ التخطيط العمراني الدكتور حسام البرمبلي أن تحسين الخدمات عنصر أساسي في نجاح التوسع العمراني، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار واضح: هل تُنفق بالقدر نفسه على تشغيل المدارس والمستشفيات والنقل كما أنفقت على تشييد المباني؟
كما أن استمرار التوسع في إطلاق مدن جديدة قبل معالجة أسباب ضعف إشغال المدن القائمة قد يعيد إنتاج المشكلة نفسها، ويزيد حجم الأموال المجمدة في مشروعات لم تكتمل فيها دورة الحياة الاقتصادية.
الأولوية الآن ليست إعلان مدن إضافية، بل نشر بيانات دقيقة عن نسب الإشغال الفعلية، وعدد الوظائف المستدامة، وأسعار السكن، وكلفة الانتقال، ونوعية الخدمات داخل كل مدينة.
ويحتاج التخطيط إلى ربط الأراضي الصناعية والاستثمارات وفرص العمل بالإسكان الميسر والنقل العام، حتى لا يظل المواطن مضطرًا للاختيار بين وظيفة في القاهرة ووحدة بعيدة لا يستطيع أن يبني حولها حياة مستقرة.
كما يتطلب الأمر تقييمًا مستقلًا لما تحقق في المدن القديمة قبل ضخ استثمارات جديدة في مدن أخرى، لأن الاعتراف بالفجوة ليس هجومًا على فكرة التوسع العمراني، بل شرط لإنقاذها من تكرار الأخطاء.
وحتى تتحول المدن الجديدة من خرائط ومبانٍ إلى مجتمعات حقيقية، يجب أن تتغير المعادلة: الوظيفة والخدمة والنقل والسكن الميسر أولًا، ثم يأتي البناء امتدادًا للحياة، لا بديلًا عنها.

