كشفت تقارير قطاع الطاقة عن توسع جهات مصرية في القاهرة بتعاقدات معلنة ومحتملة لاستيراد الغاز الإسرائيلي تتجاوز قيمتها 70 مليار دولار حتى 2043، بما يضاعف اعتماد السوق المحلية على تل أبيب ويمنح اقتصاد الاحتلال تدفقات مالية طويلة الأجل.
ويأتي هذا الارتهان بينما يواصل الاحتلال حربه وتضييقه على الفلسطينيين، فتتحول فواتير الكهرباء والمصانع المصرية إلى مورد يدعم خزانته، في مفارقة تكشف كيف تُقدَّم مصالح السلطة وتغطية عجز الطاقة على الاعتبارات الوطنية والإنسانية.
وبحسب البيانات المتاحة، تشمل الحزمة اتفاقًا بقيمة 35 مليار دولار لتوسيع إمدادات حقل ليفياثان، إلى جانب صفقة أولى بدأت بنحو 15 مليارًا ثم ارتفعت قيمتها، ومفاوضات جديدة حول غاز حقل تمار بقيمة تقارب 20 مليارًا.
ومع ذلك، لا تبدو الأرقام الثلاثة منفصلة بالكامل، إذ إن اتفاق 35 مليار دولار يمثل تعديلًا وتوسيعًا للعقد السابق الموقع في 2018، ما يجعل جمع القيم حسابيًا من دون توضيح التداخل وسيلة قد تضخم الالتزامات الفعلية.
كما أن الصفقة المرتبطة بحقل تمار لم تُعرض مصريًا حتى الآن باعتبارها عقدًا حكوميًا نهائيًا معلنًا، بينما وصفتها تقارير متخصصة بأنها اتفاق محتمل يبدأ التوريد المحدود خلال 2031 ويرتفع بعد انتهاء العقود القائمة.
ارتهان يمتد لعقود
وفي هذا السياق، يقول خبير اقتصاد الطاقة نهاد إسماعيل إن معالجة فجوة الغاز المصرية قد تستغرق نحو 5 سنوات، وهي مدة تكشف عمق أزمة الإنتاج، وتمنح المورد الإسرائيلي مساحة أوسع لفرض حضوره داخل مزيج الطاقة المحلي.
وبالتالي، فإن تمديد الإمدادات من 2031 إلى 2038 مع احتمال استمرارها حتى 2043 لا يمثل شراءً عابرًا، بل تأسيس علاقة اعتماد ممتدة تجعل تشغيل الكهرباء والصناعة مرتبطًا بقرارات الإنتاج والتصدير الصادرة من الجانب الإسرائيلي.
ومن ناحية أخرى، أظهرت فترات التوتر الإقليمي أن تدفقات الغاز يمكن أن تتراجع أو تتوقف بقرار أمني إسرائيلي، وهو ما يعني أن العقود التجارية لا توفر ضمانًا سياديًا حين تتعارض الإمدادات مع حسابات الحرب والأمن داخل إسرائيل.
وعلاوة على ذلك، استحوذت مصر على الحصة الأكبر من صادرات الغاز الإسرائيلية خلال 2025 وفق تقديرات متداولة، لتتحول السوق المصرية من مركز كان يَعِد بالتصدير إلى مشترٍ رئيسي تعتمد عليه الحقول الإسرائيلية لتوسيع عوائدها.
وفي المقابل، تروج الحكومة لقرب المصدر وانخفاض تكلفة النقل عبر الأنابيب، غير أن هذا المنطق المالي يتجاهل ثمن التبعية، واحتمال استخدام الإمدادات أداة ضغط في الأزمات، فضلًا عن غياب البدائل المحلية الكافية.
ولهذا، يصبح السؤال الحقيقي ليس سعر وحدة الغاز فقط، وإنما تكلفة تعطل المصانع ومحطات الكهرباء عند توقف الواردات، وقيمة النفوذ الذي تمنحه القاهرة لطرف يستطيع تقليص الإمدادات في اللحظة التي يختارها.
تراجع الإنتاج المحلي
أما أستاذ هندسة البترول والطاقة رمضان أبو العلا، فقد ربط أزمة الإمدادات بتراجع إنتاج حقل ظهر على نحو لم يكن متوقعًا، معتبرًا أن الهبوط يعكس مشكلات فنية واستثمارية تستوجب معالجة جادة بدل الاكتفاء بالاستيراد.
وبناءً على ذلك، تراجع إنتاج الغاز المصري خلال السنوات الأخيرة، بينما ارتفعت الواردات لتغطية الفجوة بين العرض والطلب، وهو ما بدد خطاب الاكتفاء الذاتي الذي روجت له السلطات بعد بدء إنتاج حقل ظهر.
وفوق ذلك، أظهرت بيانات 2026 استمرار انخفاض الإنتاج المحلي وارتفاع كميات الغاز المستورد، لتصل الإمدادات الخارجية إلى مستويات متقدمة مقارنة بالعام السابق، بالتزامن مع ضغوط متزايدة من محطات الكهرباء والصناعات كثيفة الاستهلاك.
ومن ثم، لم تعد الواردات مخصصة لإعادة التسييل والتصدير كما كانت الرواية الرسمية تكرر، بل بات جانب متزايد منها يذهب للاستهلاك المحلي، بما يشمل الكهرباء والمصانع والمنازل والأنشطة التجارية اليومية.
وفي الوقت نفسه، دفعت أزمة النقد الأجنبي الحكومة إلى موازنة صعبة بين شراء الغاز المسال بأسعار أعلى، وزيادة الاعتماد على الأنابيب الإسرائيلية الأقل كلفة، لكن الخيار الأرخص محاسبيًا قد يكون الأشد خطورة استراتيجيًا.
ومع هذا، لا تنشر السلطات تفاصيل كافية بشأن معادلات التسعير، وشروط الدفع أو الاستلام، وضمانات استمرار التدفقات، وهو غموض يمنع الرأي العام من تقييم العبء الحقيقي الذي ستتحمله الموازنة والمستهلكون.
كذلك، يثير تراجع الاستثمارات والإنتاج تساؤلات حول إدارة مستحقات الشركات الأجنبية، وخطط صيانة الآبار، وسرعة تطوير الاكتشافات الجديدة، بعدما أصبح تعويض الهبوط المحلي مرهونًا بعقود خارجية طويلة الأجل بدل إصلاح جذور الأزمة.
عوائد تغذي خزائن الاحتلال
وبحسب الخبير الاقتصادي مدحت نافع، فإن الحروب الممتدة في غزة تضغط على الاقتصاد المصري عبر الطاقة والتجارة والملاحة، ما يجعل تعميق الارتباط الاقتصادي بإسرائيل خلال الصراع مصدر مخاطرة إضافية تتجاوز الحسابات التجارية المباشرة.
وعندئذ، تمنح صفقة ليفياثان وحدها إسرائيل عوائد ضخمة، وقد أعلن بنيامين نتنياهو أن نصف حصيلتها المتوقعة سيذهب إلى الخزانة الإسرائيلية، بما يحول الطلب المصري إلى مصدر مباشر لتمويل الدولة وبنيتها الاقتصادية.
وبالتوازي، يساعد ضمان مشترٍ مصري طويل الأجل شركات الحقول الإسرائيلية على تمويل توسعات الإنتاج وخطوط الأنابيب، ويعزز مكانة إسرائيل كمصدر إقليمي للطاقة، بينما تتحمل القاهرة مخاطر الانقطاع وتقلب الأسعار وتراجع العملة.
إضافة إلى ذلك، تتزامن تلك التدفقات مع احتياجات اجتماعية مصرية حادة في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، ما يفتح سؤال الأولويات حول ربط مليارات الدولارات بعقود إسرائيلية بينما تتآكل الخدمات العامة وتتصاعد أعباء المواطنين.
في المقابل، تقول أطراف مؤيدة إن الغاز الإسرائيلي أقل تكلفة من الشحنات المسالة، ويساعد على منع انقطاع الكهرباء وتشغيل المصانع، غير أن المفاضلة العادلة تتطلب نشر العقود وإظهار البدائل وحساب المخاطر السيادية كاملة.
ومهما يكن، فإن غياب الرقابة البرلمانية الفعلية والإفصاح التفصيلي يجعل الصفقات شأنًا مغلقًا بين الشركات والسلطات، رغم أن آثارها تمتد إلى أسعار الكهرباء والسلع، وقدرة الاقتصاد على مواجهة أزمات إقليمية مفاجئة.
إزاء ذلك، تحتاج مصر إلى خطة معلنة لتنويع المصادر، وتسريع الإنتاج المحلي، وتوسيع الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة الاستهلاك، حتى لا تصبح أي دولة منفردة قادرة على التحكم في شريان الطاقة الوطني.
وفي المحصلة، لا تُقاس خطورة الصفقات بقيمتها المالية وحدها، بل بمدى تحويلها حاجة مؤقتة إلى تبعية ممتدة، ومنح الاحتلال إيرادات ونفوذًا بينما يفقد المواطن المصري حقه في المعرفة والاختيار والمحاسبة.
وأخيرًا، تكشف أزمة الغاز أن السلطة عالجت تراجع الإنتاج بعقود تزيد الارتباط بإسرائيل بدل بناء استقلال طاقوي حقيقي، لتصبح الكهرباء المصرية معلقة بإرادة تل أبيب، وتتحول المليارات إلى دعم طويل الأجل لاقتصاد الاحتلال.

