كشفت واقعة سقوط شخصين داخل بيارة صرف صحي بمركز سمالوط شمال المنيا عن وفاة شاب وإصابة آخر، بعدما تركت فتحة خطرة تتحول إلى مصيدة موت جديدة، بينما بدأت التحقيقات لتحديد المسؤولين عن غياب التأمين.
وتعيد المأساة طرح سؤال المسؤولية عن مرافق تقتل المواطنين في الشوارع، وسط إدارات لا تتحرك غالبا إلا بعد انتشال الجثامين، ثم تختزل الإهمال المتراكم في محضر وتحريات وعبارات رسمية تخلو من المحاسبة.
موت داخل الشارع
بداية، تلقت الأجهزة الأمنية في المنيا بلاغا بسقوط شخصين داخل بيارة صرف صحي في أحد شوارع مركز سمالوط، بعد وقوعهما في حفرة كان يفترض تأمينها ومنع اقتراب المواطنين منها قبل حدوث الكارثة.
وعقب البلاغ، انتقلت فرق الإنقاذ والإسعاف إلى المكان، وتمكنت من إخراج أحد الشخصين مصابا، بينما انتشلت الآخر جثة هامدة، لتنتهي رحلة الخروج من البيارة بين مستشفى للعلاج ومشرحة تنتظر إجراءات التحقيق.
وفي التفاصيل، نقل المصاب إلى المستشفى لتلقي الرعاية اللازمة، وأودع جثمان المتوفى المشرحة تحت تصرف النيابة، بينما بقي السؤال الأساسي معلقا حول سبب انكشاف البيارة وغياب الحواجز والتحذيرات الكافية حولها.
ومن الناحية القانونية، بدأت الجهات المختصة معاينة موقع الحادث والاستماع إلى الشهود، وكلفت بإعداد تقرير فني يحدد أسباب السقوط وحالة البيارة والجهة المسؤولة عن تشغيلها أو صيانتها وتأمين محيطها أمام المارة.
غير أن فتح التحقيق بعد الوفاة لا يعيد الضحية إلى أسرته، ولا يفسر لماذا تظل فتحات الصرف والحفر قادرة على ابتلاع المواطنين رغم سهولة إحاطتها بحواجز واضحة وأغطية مطابقة للمواصفات.
كما أن الرواية المنشورة لم توضح حتى الآن ما إذا كان الشخصان يعملان داخل البيارة أو سقطا فيها أثناء المرور، وهو تفصيل جوهري يحدد نوع التقصير ومسؤولية الجهة المشرفة على الموقع.
وبالتالي، فإن غياب التفاصيل الرسمية الدقيقة لا يجوز أن يتحول إلى ستار يعفي المسؤولين، لأن وجود بيارة غير آمنة في شارع عام يمثل خطرا قائما سواء كان الضحايا عمالا أو مواطنين عابرين.
ومن جهته، يؤكد خبير السلامة المهنية أحمد مصطفى هيبة أن دخول بيارات الصرف يتطلب قياس الغازات وتهوية المكان واستخدام الأقنعة والحبال، محذرا من أن تجاهل تلك الإجراءات يجعل فقدان الوعي والموت سريعين.
حوادث تتكرر بلا ردع
علاوة على ذلك، لا تبدو واقعة سمالوط حادثا استثنائيا، إذ شهدت محافظات مصر خلال السنوات الأخيرة سقوط مواطنين وعمال داخل بيارات ومجار مفتوحة، لتنتهي وقائع عديدة بوفيات جماعية وإصابات بسبب الاختناق أو الغرق.
وفي أبريل 2025، شهدت محطة صرف بمنطقة الكيلو 21 غرب الإسكندرية وفاة مهندس و3 عمال وإصابة آخرين، بعدما سقطوا داخل بيارة وسط مؤشرات أولية عن تراكم الغازات وعدم كفاية احتياطات السلامة.
كذلك، شهدت أطفيح بالجيزة خلال نوفمبر 2025 وفاة شابين ونجاة ثالث بعد سقوطهم داخل مجرى صرف مفتوح، في واقعة جسدت كيف يتحول غياب الغطاء أو التأمين إلى خطر يومي يهدد السكان.
وفي واقعة أقدم، فقدت قرية ميت كنانة بالقليوبية 9 أشخاص وأصيب اثنان داخل بيارة عميقة، ما دفع الأهالي إلى الاحتجاج والمطالبة بمحاسبة المسؤولين، بعدما تحولت مهمة تطهير عادية إلى جنازة جماعية.
ومن ثم، تكشف هذه الوقائع نمطا يتجاوز الخطأ الفردي، يبدأ ببيارة غير مؤمنة أو عمل دون معدات كافية، وينتهي ببيانات تعزية وتحقيقات لا تعلن نتائجها للرأي العام ولا تمنع تكرار المأساة.
فضلا عن ذلك، تؤدي محاولات الإنقاذ العشوائية أحيانا إلى زيادة عدد الضحايا، إذ ينزل شخص لإنقاذ آخر دون جهاز تنفس أو حبل أمان، فيفقد وعيه بفعل الغازات السامة ويلحق به آخرون.
وفي هذا السياق، حذر أحمد مصطفى هيبة من غازات الميثان وكبريتيد الهيدروجين وأول أكسيد الكربون داخل الأماكن المغلقة، موضحا أن غياب أجهزة القياس والأقنعة الواقية يقف خلف نسبة كبيرة من الحوادث.
وعلى الجانب الآخر، لا توجد قاعدة بيانات حكومية منشورة تجمع أعداد ضحايا البيارات والحفر المكشوفة سنويا، ما يحول كل واقعة إلى خبر منفصل ويحجب الحجم الحقيقي للخطر عن المواطنين والجهات الرقابية.
مسؤولية مؤجلة دائما
أما رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي ممدوح رسلان، فقد شدد في مناسبات متعددة على تطبيق إجراءات السلامة وتدريب العاملين، لكن تكرار الوفيات يكشف فجوة بين التعليمات المركزية والتنفيذ الفعلي داخل المواقع.
وبناء على ذلك، يفترض أن تبدأ المساءلة من تحديد ملكية البيارة والجهة المكلفة بصيانتها، مرورا بحالة الغطاء والحواجز والإضاءة، وانتهاء بمدى وجود إشراف فني وتصريح عمل وخطة إنقاذ مسبقة.
إضافة إلى ذلك، تتحمل الوحدات المحلية مسؤولية المرور الدوري على الشوارع ورصد الحفر والفتحات المهددة للحياة، بدلا من انتظار شكاوى السكان أو وقوع الضحايا قبل إرسال المعدات وإغلاق المكان مؤقتا.
وفي الوقت نفسه، تتحمل شركات المياه والمقاولون مسؤولية تأمين مواقع الصيانة والتطهير، وتوفير أجهزة كشف الغازات والتهوية والملابس الواقية وأحزمة الإنقاذ، ومنع أي عامل غير مدرب من دخول المكان المحصور.
ويرى استشاري السلامة والصحة المهنية محمد عبد العزيز أن البيارات تصنف أماكن مغلقة عالية الخطورة، ما يستلزم فحص الهواء واستمرار المراقبة من الخارج وتوفير شخص مدرب لإدارة الإنقاذ عند الطوارئ.
لذلك، لا يكفي تقرير فني يحدد سبب الوفاة، بل يجب إعلان نتائجه وكشف اسم الجهة المقصرة والإجراءات المتخذة بحق مسؤوليها، حتى لا تتحول التحقيقات إلى إجراء روتيني ينتهي مع تراجع الاهتمام الإعلامي.
وعليه، ينبغي إلزام المحافظات بحصر البيارات وفتحات الصرف الخطرة، ونشر أرقام البلاغات ونتائج المعاينات، مع وضع جدول زمني للاستبدال والصيانة بدلا من المعالجات المؤقتة التي تنهار بعد أسابيع.
إلى جانب ذلك، يجب تعويض أسرة المتوفى والمصاب دون انتظار سنوات من التقاضي، متى أثبت التحقيق وجود إهمال في التأمين أو الصيانة، لأن الضحايا لا ينبغي أن يدفعوا ثمن خلل المرافق مرتين.
وفي المحصلة، لم تكن بيارة سمالوط حفرة عابرة، بل صورة مصغرة لإدارة تترك الخطر مفتوحا ثم تتباهى بسرعة انتشال ضحاياه، متجاهلة أن النجاح الحقيقي كان يقتضي منع سقوطهما منذ البداية.
وأخيرا، ستظل بيارات الصرف مصايد موت ما دامت المحاسبة غائبة والنتائج محجوبة، وما دامت حياة المواطن أرخص من غطاء محكم وحاجز واضح وجولة تفتيش كان يمكنها إنقاذ شاب من نهاية مجانية.

