اتسعت دائرة التساؤلات بشأن الانفجار الذي أدى إلى اشتعال النيران في سفينتين للغاز داخل ميناء دمياط، بعدما نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مصدرين إيرانيين قولهما إن الحادث نُفذ بطائرة مسيّرة، بهدف إظهار القدرة على تعطيل إمدادات الطاقة وحركة الشحن العالمية حال تصاعد الحرب في المنطقة.
وبينما أعلنت وزارة البترول المصرية السيطرة على الحريق وعدم تسجيل إصابات أو خسائر بشرية، تجنب بيانها تحديد سبب الانفجار أو نفي فرضية الهجوم، ما فتح الباب أمام روايات شركات الأمن البحري والمصادر الأجنبية لتصبح المرجع الرئيسي لمعرفة ما جرى داخل أحد أهم الموانئ المصرية القريبة من قناة السويس.
ووفق التقرير الأمريكي، اشتعلت النيران في السفينة الأمريكية إنرجوس وينتر، وهي وحدة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي وتغييزه، وفي ناقلة الغاز الطبيعي المسال غازلوغ سالم، عقب انفجار وقع يوم الأربعاء داخل الميناء المطل على البحر المتوسط، في تطور قد يشير إلى اتساع رقعة المواجهة الإقليمية.
روايات دولية وصمت رسمي
أكدت ثلاث شركات متخصصة في تتبع الملاحة البحرية وقوع الحادث، بينما رجحت شركة أمبري البريطانية للأمن البحري أن الانفجار نتج عن ضربة بطائرة مسيّرة أصابت سفينة واحدة على الأقل، قبل أن تمتد النيران إلى السفينة المجاورة، مع عدم تحديد الجهة التي نفذت الهجوم.
وقال جوشوا هاتشينسون، المدير التجاري لشركة أمبري، إن التقييمات الأولية تشير إلى أن الحريق ناجم على الأرجح عن إصابة بمسيّرة، لكنه شدد على أن الشركة لا تملك معلومات كافية لتحديد المسؤول عن إطلاقها أو موقع انطلاقها أو طبيعة السلاح المستخدم بصورة نهائية.
كما قالت شركة فان غارد البريطانية لإدارة المخاطر البحرية إن إنرجوس وينتر تعرضت لمقذوف غير محدد أصاب جانبها الأيمن وأدى إلى اندلاع الحريق، وهو تقييم يدعم فرضية وجود اعتداء خارجي، حتى مع عدم الجزم بأن المقذوف أطلق من طائرة مسيّرة.
وأفادت مصادر أمنية وتجارية بأن التقدير الأولي يرجح تعرض السفينة لضربة جوية، فيما قالت شركة كبلر المتخصصة في تتبع السفن إن السفينتين أُبعدتا عن الميناء عقب الحادث، بالتزامن مع استمرار عمليات التأمين والفحص وتقدير الأضرار الفنية.
في المقابل، اكتفى بيان وزارة البترول بالقول إن حريقًا وقع على سفينة التغييز وسفينة التخزين، وإن فرق الطوارئ والإطفاء والأمن تعاملت معه وفق الخطط المعتمدة، مؤكدا سلامة الأطقم وعدم تسجيل وفيات أو إصابات، من دون توضيح السبب الذي أشعل السفينتين.
وأظهرت مقاطع مصورة جرى التحقق من موقعها قاطرات بحرية وهي تضخ المياه على السفن المشتعلة داخل ميناء دمياط، بينما قالت الشركة المالكة لإنرجوس وينتر إنها لم تتمكن بعد من تأكيد تعرض الوحدة العائمة لهجوم، وشددت على أن التحقيقات الفنية لا تزال مستمرة.
وتعود ملكية إنرجوس وينتر إلى شركة إنرجوس إنفراستركتشر الأمريكية، المرتبطة بصناديق استثمار تديرها أبولو غلوبال مانجمنت، بينما تستأجرها الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية، وتستخدم بوصفها وحدة عائمة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال وتخزينه وإعادته إلى حالته الغازية.
أما غازلوغ سالم فتديرها شركة شحن يونانية، وأكدت المتحدثة باسم الشركة مارينا ليونيدوبولوس اندلاع حريق على متنها، لكنها قالت إن سبب الانفجار لا يزال قيد التحقيق، في وقت تحدثت أمبري عن احتمال إصابتها بمسيّرة واحدة على الأقل.
رسالة إيرانية وتهديد للملاحة
نقلت نيويورك تايمز عن مصدرين إيرانيين، طلبا حجب اسميهما بسبب حساسية المعلومات الأمنية، أن الهجوم صُمم لإيصال رسالة بأن إيران تستطيع توسيع نطاق تعطيل إمدادات الطاقة والشحن البحري العالمي إذا اتجه خصومها إلى مزيد من التصعيد العسكري.
ولم يحسم المصدران ما إذا كانت إيران نفذت العملية مباشرة أو تولت إحدى الجماعات المتحالفة معها تنفيذها، كما لم يكشفا عن المكان الذي أطلقت منه المسيّرة، ما يجعل الحديث عن المسؤولية الإيرانية اتهاما غير مثبت بصورة مستقلة حتى الآن.
وفي واشنطن، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه تلقى إحاطة بشأن حادث دمياط، وأشار إلى مسؤولية إيران عنه من دون تقديم أدلة علنية، واعتبره امتدادا لمسار الهجمات الجارية، ملوحا بأن الولايات المتحدة سترد بقوة على طهران.
ويمنح موقع ميناء دمياط الحادث أهمية تتجاوز الخسائر المباشرة، إذ يقع على ساحل البحر المتوسط وبالقرب من مسارات مرتبطة بقناة السويس، ما قد يدفع شركات الملاحة والتأمين إلى إعادة تقييم مستوى المخاطر الأمنية في الموانئ المصرية وتكاليف استخدامها.
ورغم أن مصر ليست من كبار مصدري الغاز الطبيعي عالميًا، فإن استهداف سفن مخصصة لتخزين الغاز وتغييزه قد يثير مخاوف بشأن أمن منشآت الاستيراد والإمداد المحلية، خصوصا في ظل اعتماد القاهرة على وحدات عائمة لتلبية جانب من احتياجات السوق.
كما يأتي الحادث بعدما دفعت الحرب الإقليمية شركات شحن متعددة إلى تقليص العبور في البحر الأحمر والخليج العربي، بالتزامن مع تراجع حركة السفن عبر باب المندب بنحو 20 بالمئة منذ 20 يوليو، وهبوط الملاحة في مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض.
وبذلك، فإن انتقال التهديد إلى البحر المتوسط، ولو في حادث محدود، قد يفرض أعباء إضافية على قطاع النقل البحري، من بينها ارتفاع أقساط التأمين وتعديل المسارات وتشديد إجراءات الحماية، فضلًا عن احتمال تضرر صورة الموانئ المصرية بوصفها نقاطًا آمنة للتجارة والطاقة.
تساؤلات مصرية حول الحقيقة
علق الحقوقي أسامة رشدي بأن تفضيل رواية أمبري وفان غارد لا يعود إلى انحياز لشركتين بريطانيتين ضد الحكومة المصرية، بل إلى الفارق بين مؤسسات تتوقف مصالح شركات الشحن والتأمين على دقة معلوماتها وسلطة اعتادت حجب تفاصيل الأزمات عن المواطنين.
وأشار رشدي إلى أن البيان المصري أقر بوقوع الحريق في السفينتين، لكنه لم يشرح سببه ولم ينف وقوع هجوم بمسيّرة ولم يقدم رواية بديلة مدعومة بالصور أو نتائج الفحص، معتبرًا أن الثقة تُبنى بالشفافية ولا يمكن فرضها من خلال بيانات مقتضبة.
لماذا أصدق رواية «أمبري» عن ما حدث في دمياط.. وأكذب بيانات نظام السيسي؟
— أسامة رشدي (@OsamaRushdi) July 30, 2026
- - - -
لأن المسألة ليست انحيازًا لشركة بريطانية ضد الحكومة المصرية، وإنما هي ببساطة سؤال عن من يملك سجلًا أفضل في قول الحقيقة؟
شركة « #أمبري» ليست صحيفة تبحث عن الإثارة، ولا حزبًا سياسيًا، ولا جهة معارضة…
وتساءل الإعلامي هيثم أبو خليل عن دلالة وصف ترامب للحادث بأنه استمرار للنهج نفسه، معتبرًا أن العبارة تفتح الباب أمام أسئلة بشأن المعلومات التي حصلت عليها واشنطن وطبيعة الربط الأمريكي بين حريق ميناء دمياط والهجمات المنسوبة إلى إيران.
ماذا يعني تعليق ترامب على اتهام إيران بالوقوف خلف حريق دمياط، بقوله: “إنه استمرار للنهج نفسه”؟! pic.twitter.com/uOxNWYxEdr
— Haytham Abokhalil هيثم أبوخليل (@haythamabokhal1) July 30, 2026
ونشر أنيس منصوري مقاطع قال إنها تظهر مشاهد من استهداف السفن الموجودة داخل الميناء، وهي لقطات ساهمت في توسيع تداول فرضية الهجوم، بينما تظل الحاجة قائمة إلى تحقيق رسمي يحدد مصدر المقذوفات وصحة المواد المصورة وتوقيتها بدقة.
مشاهد من قصف استهدف سفن كانت في ميناء دمياط مصر 🇪🇬 pic.twitter.com/x1FMtofWWf
— أنيس منصور (@anesmansory) July 30, 2026
بدوره، تساءل سعيد عفيفي عن حق المصريين في معرفة ما وقع داخل ميناء دمياط، منتقدًا اضطرار الجمهور إلى انتظار الصحف والوكالات الدولية لمعرفة تفاصيل حادث يمس الأمن القومي والطاقة، في ظل إعلام محلي يتجنب طرح الأسئلة الجوهرية.
د. سعيد عفيفى الا يستحق الشعب المصرى أن يعرف ما حدث فى ميناء دمياط
— حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) July 29, 2026
وصل بنا الحال أن ننتظر الاخبار من الوكالات العالمية
لان مصر تدار بإعلام رموزه احمد موسى و نشأت الديهى @DrAfify1958#ميناء_دمياط pic.twitter.com/BxNdKzzBVx
ورأى محمد فتوح أن الحادث يعكس قابلية الأراضي والمرافق المصرية للتعرض لانتهاكات خارجية دون إعلان واضح للحقائق، رابطًا بين ما جرى في دمياط ووقائع سابقة على الحدود مع قطاع غزة، ومتسائلًا عن حدود الردع وحماية السيادة.
د. محمد فتوح
— حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) July 29, 2026
لستُ مندهشًا مما حدث في ميناء دمياط.
سبق أن انتُهِكت الحدود مع غزة من قبل الاحتلال، ولم يحدث شيء. فما الفرق بين سيناء ودمياط؟
الانتهاك واحد.@mfatouh838#ميناء_دمياط pic.twitter.com/nRVNiNh2uh
كما أعاد أسامة الفطيري نشر خلاصة تقرير نيويورك تايمز وأسماء الصحفيين المشاركين في إعداده، مشيرًا إلى ما أورده المصدران الإيرانيان عن الرسالة المقصودة من الهجوم، وإلى شهادات شركات الأمن البحري والمعلومات المتعلقة بملكية السفينتين وتشغيلهما.
نيويورك تايمز: مصدران إيرانيان قالا إن الهجوم على ميناء دمياط نُفذ بطائرة مسيّرة بهدف توجيه رسالة بشأن قدرة إيران على تعطيل إمدادات الطاقة والشحن.
— omar elfatairy (@OElfatairy) July 29, 2026
أعد التقرير أربعة من صحفيي نيويورك تايمز هم زين إروين، @ZIrwinator المراسل الدولي، وبيتر إيفيس، @peterjeavis المتخصص في تغطية… pic.twitter.com/XepFNORh4m
وتبقى المسؤولية عن الحادث غير محسومة في غياب نتائج تحقيق مصري معلن أو أدلة مادية منشورة، إلا أن تضارب الروايات واتساع التغطية الدولية يجعلان الصمت الرسمي أكثر كلفة، ويضعان السلطات أمام ضرورة تقديم تفسير كامل لكيفية اختراق ميناء استراتيجي واشتعال سفينتي غاز داخله.
فالقضية لا تتعلق بحريق بحري جرى إخماده دون ضحايا فحسب، بل باحتمال وصول الحرب الإقليمية إلى منشأة مصرية حساسة، وبمدى قدرة الدولة على حماية الموانئ وإبلاغ المواطنين بالحقيقة، قبل أن تتحول المصادر الأجنبية مجددًا إلى النافذة الوحيدة لمعرفة ما يحدث داخل البلاد.

