بدأت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» جولة جديدة من المشاورات في القاهرة مع الوسطاء من مصر وقطر وتركيا، بهدف دفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة نحو مرحلته الثانية، بعد أشهر من التعثر وتبادل الاتهامات بين الحركة وإسرائيل بشأن أولوية الانسحاب من القطاع ونزع السلاح.

وتأتي الاجتماعات بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ما يضع المفاوضات أمام اختبار حاسم يتعلق بمدى استعداد إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، ووقف عمليات الاغتيال والقصف، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية، والقبول بترتيبات إدارية وأمنية جديدة داخل القطاع.

 

وتركز المحادثات، وفق مصادر مصرية مطلعة، على ثلاثة ملفات رئيسية تشمل تفعيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية، وتحديد مهام ومواقع قوة الاستقرار الدولية المنتظر نشرها في قطاع غزة، إلى جانب مناقشة ملف سلاح «حماس» وآليات التعامل معه خلال المرحلة المقبلة. كما يسعى الوسطاء إلى تقييم نتائج لقاء ترمب ونتنياهو، ومعرفة ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية ستتعامل بجدية مع التفاهمات المطروحة، أم ستستخدم المفاوضات لشراء الوقت ومواصلة فرض واقع ميداني جديد.

 

 

ملفات القاهرة الثلاثة

 

أعلنت حركة «حماس» أن وفدها سيجري لقاءات مع مسؤولين مصريين وممثلين عن الوسطاء القطريين والأتراك، إضافة إلى عدد من الفصائل والقوى الفلسطينية، لاستكمال المفاوضات الخاصة بتطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. وأكدت أن الهدف الأساسي يتمثل في تثبيت الهدنة وضمان تنفيذ الالتزامات التي جرى التوافق عليها سابقاً في شرم الشيخ، خصوصاً البنود المرتبطة بالأوضاع الإنسانية وفتح المعابر وإدخال الاحتياجات الأساسية إلى القطاع.

 

وبحسب مصدر مصري مطلع، ستبحث الاجتماعات التفاصيل المتعلقة بتشكيل اللجنة المشرفة على القوة الدولية، والخطوات التنفيذية المطلوبة لبدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية، باعتبارها إدارة انتقالية تتولى إدارة الشؤون المدنية والخدمية في غزة. كما سيُطرح ملف السلاح، الذي يمثل إحدى أكثر القضايا تعقيداً، في ظل تمسك إسرائيل بنزع سلاح الحركة قبل تنفيذ الانسحاب، مقابل إصرار «حماس» على أن تبدأ إسرائيل بالانسحاب التدريجي ووقف الاعتداءات وتنفيذ التزاماتها الإنسانية.

 

وكان اتفاق وقف إطلاق النار قد دخل حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، ونص على ثلاث مراحل، نُفذت غالبية بنود المرحلة الأولى منها، بينما تعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية. وتشمل تلك المرحلة ترتيبات أمنية وإدارية وانسحاباً تدريجياً للقوات الإسرائيلية، إلى جانب معالجة ملف السلاح وتشكيل إدارة فلسطينية انتقالية. غير أن الخلاف بشأن ترتيب تنفيذ هذه البنود أدى إلى تجميد المسار، وأبقى قطاع غزة تحت خطر العودة إلى مواجهة واسعة.

 

وتراهن القاهرة على أن تسهم المشاورات الحالية في تضييق فجوة الخلافات، من خلال التوصل إلى صيغة متزامنة تضمن بدء الانسحاب الإسرائيلي بالتوازي مع ترتيبات أمنية فلسطينية ودولية. كما تسعى إلى منع انهيار وقف إطلاق النار في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية المحدودة وسقوط ضحايا فلسطينيين، بما يهدد بتحويل الهدنة إلى مجرد توقف مؤقت للقتال دون معالجة أسباب الحرب أو تداعياتها الإنسانية.

 

 

قوة دولية في رفح

 

اكتسب ملف قوة الاستقرار الدولية زخماً إضافياً بعد موافقة المجلس الوزاري الإسرائيلي الأمني المصغر على دخول قوة متعددة الجنسيات إلى قطاع غزة. ووفق تقارير إسرائيلية، من المقرر أن يبدأ انتشار القوات في منطقة ضيقة ومحددة بمدينة رفح، بالقرب من معبر كرم أبو سالم، حيث يجري إنشاء قاعدة عسكرية لاستقبال عناصر القوة وتجهيز البنية اللوجيستية اللازمة لعملها.

 

وأكد ممثل «مجلس السلام» في غزة، نيكولاي ملادينوف، أن نشر القوة الدولية يمثل جزءاً أساسياً من الإطار المتفق عليه لتحقيق الاستقرار داخل القطاع، ودعم ترتيبات نزع السلاح، وتمكين انتقال الإدارة إلى سلطة فلسطينية مؤقتة تحت مظلة اللجنة الوطنية لإدارة غزة. إلا أن طبيعة مهام القوة وحدود صلاحياتها وعلاقتها بالقوات الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية لا تزال بحاجة إلى تفاهمات واضحة تمنع تحولها إلى أداة لفرض السيطرة أو حماية الوجود العسكري الإسرائيلي.

 

وأشار المصدر المصري إلى أن إجراءات تشكيل القوة بدأت فعلياً، وأن قائمة الدول المحتمل مشاركتها لم تعد مقتصرة على قبرص والمغرب، بل تشمل دولاً أخرى تستعد للإعلان عن انضمامها، من بينها باكستان وإندونيسيا، رغم تحفظات سابقة أبدتها بعض الحكومات بشأن طبيعة المهمة والغطاء القانوني والسياسي لانتشار القوات.

 

وترغب «حماس» في معرفة تفاصيل الانتشار، ومناطق تمركز القوة، وقواعد الاشتباك، ومدى ارتباطها بجدول زمني للانسحاب الإسرائيلي. كما تسعى إلى الحصول على ضمانات بألا تتحول القوات الدولية إلى بديل دائم عن السيادة الفلسطينية، أو إلى قوة مهمتها الأساسية ملاحقة الفصائل ونزع السلاح بالقوة، دون إلزام إسرائيل بإنهاء احتلالها ووقف انتهاكاتها.

 

 

مرونة مشروطة بالالتزام

 

يرى المحلل الفلسطيني إبراهيم المدهون أن زيارة وفد «حماس» إلى القاهرة تأتي في سياق طبيعي لمتابعة المفاوضات، خصوصاً بعد ظهور مستجدات مرتبطة بالقوة الدولية ولجنة التكنوقراط. ويؤكد أن الحركة معنية بإنجاح الاتفاق والانتقال إلى مرحلته الثانية، لكنها تطالب في المقابل بالتزام إسرائيلي واضح يشمل وقف الاغتيالات والقصف والتدمير، وفتح المعابر، وإدخال الغذاء والدواء والوقود ومواد الإعمار.

 

ويُتوقع أن يجري الوفد لقاءات موسعة مع الفصائل الفلسطينية، بهدف صياغة موقف مشترك من القضايا العالقة، وفي مقدمتها السلاح ومستقبل إدارة القطاع. وتكتسب هذه المشاورات أهمية خاصة في ظل المخاوف من أن تؤدي الخلافات الداخلية إلى إضعاف الموقف الفلسطيني، أو منح إسرائيل مبرراً لتعطيل الانسحاب ومواصلة العمليات العسكرية.

 

وتشير التقديرات إلى أن «حماس»، بعد انتخاب خليل الحية رئيساً لمكتبها السياسي، قد تتبنى قدراً أكبر من المرونة في التعامل مع المقترحات السياسية والأمنية، شريطة الحصول على ضمانات حقيقية بشأن وقف الحرب. وقد تشمل هذه المرونة القبول بصيغ انتقالية لإدارة القطاع، وترتيبات مرحلية للسلاح، بشرط عدم فرض الاستسلام أو تجريد الفلسطينيين من حقهم في الحماية بينما يظل الجيش الإسرائيلي داخل غزة.

 

وتبقى نتائج لقاء ترمب ونتنياهو عاملاً حاسماً في تحديد مصير محادثات القاهرة، إذ ينتظر الوسطاء معرفة ما إذا كانت واشنطن ستضغط لتنفيذ الاتفاق، أم ستمنح الحكومة الإسرائيلية مساحة جديدة للمماطلة. وبينما تحمل «حماس» إلى القاهرة إجابات ومقترحات تهدف إلى دفع المسار التفاوضي، سيظل نجاح الجولة مرتبطاً بوجود إرادة دولية تُلزم إسرائيل بالانسحاب ووقف العدوان، وتحول التفاهمات المكتوبة إلى خطوات ملموسة تنهي معاناة سكان القطاع.