تتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة بالتزامن مع تصاعد غير مسبوق لاعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، في مشهد يعكس اتساع رقعة المواجهة وتزايد الضغوط الإنسانية على الفلسطينيين.

وبينما يستمر القصف واستهداف المناطق السكنية وخيام النازحين في غزة، تشهد مدن وقرى الضفة موجة جديدة من الهجمات على المساجد والمنازل والممتلكات، ترافقها حملة اعتقالات ومداهمات واسعة، ما يثير مخاوف من اتساع دائرة التصعيد في الأراضي الفلسطينية.

 

 

القصف يتواصل رغم اتفاق وقف إطلاق النار

 

شهد قطاع غزة، الأحد، سلسلة جديدة من الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت مناطق متفرقة، وأسفرت عن سقوط شهداء وجرحى بين المدنيين والنازحين، في ظل استمرار الخروقات الميدانية لاتفاق وقف إطلاق النار. وأفادت وزارة الصحة الفلسطينية باستشهاد الشاب سليمان تيسير سهمود متأثرًا بإصابته بعد استهداف مباشر قرب شارع 5 في مدينة خانيونس جنوب القطاع.

 

كما أصيبت سيدة برصاص في الرأس أثناء وجودها داخل خيمتها قرب عمارة قويدر في مخيم النصيرات وسط القطاع، في حادثة تعكس استمرار تعرض أماكن إيواء النازحين لمخاطر القصف وإطلاق النار. وأكدت طواقم الدفاع المدني نقل المصابة لتلقي العلاج، بينما استمرت عمليات الإسعاف في التعامل مع بلاغات أخرى في مناطق مختلفة.

 

وفي مدينة غزة، واصلت المدفعية الإسرائيلية قصف المناطق الشرقية، بالتزامن مع إطلاق قنابل دخان شمال المدينة وعمليات نسف لمبانٍ سكنية في المناطق الشمالية الغربية. كما استمرت عمليات تفجير المنازل في المناطق الجنوبية من القطاع، بينما تعرضت المناطق الشمالية الغربية من مدينة رفح لقصف مدفعي متواصل.

 

أما في خانيونس، فقد كثفت طائرات الاستطلاع الإسرائيلية تحليقها على ارتفاعات منخفضة، بالتزامن مع استهداف المناطق الشرقية بقذائف المدفعية، وسط مخاوف من تنفيذ عمليات عسكرية جديدة في المنطقة.

 

وكانت وزارة الصحة الفلسطينية قد أعلنت في اليوم السابق استشهاد ثمانية فلسطينيين وإصابة آخرين نتيجة استمرار الهجمات الإسرائيلية، في وقت تشير فيه التقارير الميدانية إلى استمرار سقوط ضحايا بشكل شبه يومي رغم الحديث عن اتفاقات تهدئة.

 

 

اعتداءات المستوطنين تمتد إلى المساجد والمنازل

 

بالتزامن مع التصعيد في قطاع غزة، شهدت الضفة الغربية تصاعدًا في هجمات المستوطنين على القرى والبلدات الفلسطينية، خاصة في محافظات نابلس وطولكرم ورام الله، وسط اتهامات بأن تلك الاعتداءات جاءت بعد دعوات تحريضية أطلقتها مجموعات استيطانية عقب مقتل إسرائيليين قرب بلدة تل.

 

وفي بلدة قصرة جنوب نابلس، أضرم مستوطنون النار في مسجد الرحمة، كما كتبوا شعارات عنصرية على جدرانه، في حادثة أثارت استياءً واسعًا بين السكان، الذين اعتبروا استهداف دور العبادة تصعيدًا خطيرًا يتجاوز الاعتداءات التقليدية على الممتلكات.

 

كما هاجم مستوطنون منزلًا فلسطينيًا في حي الضباط غرب بلدة بيت فوريك، وحاولوا إحراقه، قبل أن يتمكن الأهالي من التصدي للهجوم وإجبار المهاجمين على الانسحاب.

 

وفي محافظة طولكرم، تعرض مسجد في قرية كور جنوب شرق المدينة لهجوم مماثل، حيث أشعل مستوطنون النار في مدخله باستخدام مواد حارقة، وكتبوا شعارات عنصرية على الجدران، في واقعة جديدة تضاف إلى سلسلة الاعتداءات التي طالت أماكن دينية خلال الأشهر الماضية.

 

وامتدت الاعتداءات إلى الطرق الرئيسية، إذ رشق مستوطنون مركبات فلسطينية بالحجارة قرب بلدة الساوية جنوب نابلس، ما أدى إلى أضرار مادية بعدد من السيارات دون تسجيل إصابات بشرية.

 

وفي أحدث الهجمات، استهدفت مجموعات من المستوطنين كسارة عين سامية قرب قرية المغير شمال شرق رام الله، حيث أضرمت النار في جميع الآليات والمعدات الثقيلة الموجودة بالموقع، ما أدى إلى تدميرها بالكامل، وإلحاق خسائر مادية كبيرة بالمنشأة.

 

وتأتي هذه الاعتداءات في ظل مطالبات فلسطينية بتوفير حماية دولية للمدنيين، ووقف ما تصفه المؤسسات الحقوقية بحالة الإفلات من العقاب التي تشجع على تكرار الهجمات ضد السكان وممتلكاتهم.

 

 

حملة اعتقالات ومداهمات تعمق التوتر

 

بالتوازي مع اعتداءات المستوطنين، واصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ حملة اعتقالات ومداهمات واسعة في مدن وبلدات الضفة الغربية، حيث أفادت مصادر ميدانية باعتقال 16 فلسطينيًا في مدينة طولكرم، بينهم أسرى محررون، لترتفع حصيلة المعتقلين في الضفة منذ اندلاع الأحداث الأخيرة إلى نحو 70 معتقلًا.

 

كما نفذت القوات الإسرائيلية عمليات اقتحام متواصلة في بلدة تل غرب نابلس لليوم الثالث على التوالي، وأسفرت عن اعتقال أكثر من 13 فلسطينيًا، وسط انتشار عسكري واسع وإغلاق عدد من الطرق المؤدية إلى البلدة.

 

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه قام بأخذ قياسات منزلي فلسطينيين تتهمهما إسرائيل بالمسؤولية عن عملية إطلاق النار التي وقعت قرب بلدة تل، موضحًا أن هذه الإجراءات تمثل خطوة تمهيدية قبل تنفيذ قرار هدم المنزلين.

 

وبحسب الرواية الإسرائيلية، فإن أحد المتهمين قُتل خلال العملية، بينما اعتُقل الآخر لاحقًا في مدينة نابلس بعد عملية نفذتها وحدة خاصة، فيما تقول السلطات الإسرائيلية إنه استولى على سلاح أحد الجنود أثناء الهجوم.

 

ويرى مراقبون أن سياسة هدم المنازل والاعتقالات الواسعة تمثل أحد أبرز أدوات التصعيد في الضفة الغربية، إذ تؤدي إلى زيادة الاحتقان بين الفلسطينيين، وتثير انتقادات حقوقية متكررة باعتبارها شكلًا من أشكال العقاب الجماعي.

 

وفي ظل استمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة، واتساع نطاق اعتداءات المستوطنين، وتواصل حملات الاعتقال والمداهمة في الضفة الغربية، تبدو الأوضاع الميدانية مرشحة لمزيد من التصعيد، بينما تتفاقم الأزمة الإنسانية مع تزايد أعداد الضحايا والنازحين، واستمرار استهداف البنية التحتية والممتلكات المدنية، في غياب مؤشرات واضحة على قرب احتواء المواجهة أو تثبيت وقف إطلاق النار بصورة مستدامة.