كشفت دراسة أعدتها الهيئة العامة للبترول في مصر أن متوسط خام برنت بلغ 83 دولاراً خلال الربع الثاني، بزيادة 8 دولارات عن تقدير الموازنة، بما يدعم اتجاه لجنة التسعير لرفع أسعار الوقود في أغسطس.

 

وتأتي هذه الحسابات وسط سياسة اقتصادية تنقل تقلبات الأسواق العالمية مباشرة إلى جيوب المواطنين، بينما تتراجع الحماية الاجتماعية، فتتحول كل أزمة نفط أو دولار إلى موجة غلاء جديدة تضرب النقل والغذاء والخدمات الأساسية.

 

 

أرقام لا تحسم القرار

 

أوضح مدحت يوسف، نائب رئيس الهيئة العامة للبترول الأسبق، أن خام برنت لا يمثل وحده التكلفة الفعلية للمحروقات، لأن تسعير البنزين والسولار يرتبط أيضاً بأسعار المنتجات المكررة والنقل والتأمين والاستيراد والإنتاج المحلي.

 

وبحسب يوسف، فإن ارتفاع المنتجات البترولية عالمياً قد يتجاوز حركة الخام نفسه، بينما تغطي مصر جزءاً من احتياجاتها محلياً وتستورد الباقي، وهو ما يجعل معادلة التكلفة أكثر تعقيداً من مقارنة رقمين بالموازنة.

 

كما رجح يوسف تثبيت الأسعار في الاجتماع المقبل، معتبراً أن القفزات الحالية مرتبطة بتوترات جيوسياسية قد تتراجع، وأن اتخاذ زيادة دائمة استناداً إلى موجة مؤقتة قد يحمّل المستهلك تكلفة لا تعكس المسار الفعلي للسوق.

 

في المقابل، ترى الدراسة الحكومية أن تجاوز متوسط النفط 80 دولاراً يدعم الزيادة، بعدما بلغ المتوسط نحو 83 دولاراً مقابل 75 دولاراً مقدرة بالموازنة، بفارق يضغط على فاتورة الاستيراد والدعم.

 

غير أن التقديرات الرسمية تفترض أن كل دولار إضافي في سعر البرميل يكلف الخزانة بين 3 و4 مليارات جنيه سنوياً، ما يعني أن فارق 8 دولارات قد يضيف أعباء مالية كبيرة.

 

وفوق ذلك، تجاوز سعر الدولار 51 جنيهاً، بينما بُنيت تقديرات الموازنة على متوسط يقترب من 47 جنيهاً، لتجتمع زيادة الخام وتراجع العملة في معادلة تستخدمها الحكومة لتبرير تحريك الأسعار محلياً.

 

مع ذلك، يظل قرار التسعير سياسياً أكثر منه حسابياً، إذ تستطيع السلطة تأجيل توصيات اللجنة أو تمريرها وفق حسابات التوقيت والغضب الاجتماعي، بما يكشف أن المعادلة المعلنة ليست آلية مستقلة تماماً.

 

ومن ثم، فإن الاستناد الانتقائي إلى الأسعار العالمية يصبح موضع مساءلة، خصوصاً عندما ترفع الحكومة الوقود سريعاً أثناء الصعود، ولا تمنح المواطنين خفضاً مماثلاً عند تراجع النفط أو تحسن بعض عناصر التكلفة.

 

 

موازنة هشة أمام النفط

 

قال محمد فؤاد، النائب والخبير الاقتصادي، إن المؤشرات قد ترجح تثبيت الأسعار رغم ارتفاع فاتورة الطاقة، مشيراً إلى أن الدولة تتحمل تكلفة شهرية ضخمة لتأمين احتياجاتها من الوقود والغاز والمنتجات البترولية.

 

ووفقاً لفؤاد، تقترب فاتورة الطاقة الشهرية من 3.5 مليارات دولار، بما يعادل نحو 42 مليار دولار سنوياً، وهو عبء يكشف اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاحتياجات الفعلية للاقتصاد والسوق المصرية.

 

إلى جانب ذلك، دعا فؤاد إلى شفافية أكبر في احتساب السعر، متسائلاً عن طريقة تقييم الإنتاج المحلي وربطه بالأسعار العالمية، خاصة أن جزءاً مهماً من الاستهلاك يتم توفيره داخل البلاد وليس عبر الاستيراد الكامل.

 

وبالتالي، لا يكفي إعلان متوسط خام برنت لتفسير الزيادة، لأن المواطنين لا يعرفون وزن كل عنصر في المعادلة، ولا تكلفة التكرير والنقل والضرائب والرسوم وهوامش الجهات المختلفة داخل السعر النهائي.

 

علاوة على ذلك، خفضت الحكومة مخصصات دعم المواد البترولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق، ما يشير إلى توجه مسبق لتقليل مساهمة الخزانة وتحميل المستهلك جزءاً أكبر من التكلفة مهما كانت حركة السوق.

 

في الوقت نفسه، تجعل الموازنة نفسها شديدة الحساسية لصدمات النفط والعملات، لأنها تبني تقديراتها على افتراضات قد تتجاوزها الأحداث سريعاً، ثم تقدم الفارق باعتباره مفاجأة تستوجب زيادة الأسعار وتقليص الدعم.

 

وبناءً على ذلك، تتحول أخطاء التقدير الحكومي إلى التزام على المواطن، بينما لا تُطرح مساءلة واضحة عن جدوى الافتراضات أو إدارة مخاطر الاستيراد أو زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الدولار.

 

كذلك، لا تنفصل الأزمة عن نقص النقد الأجنبي وتراجع الجنيه، فكل انخفاض في قيمة العملة يرفع كلفة الشحن والشراء وسداد مستحقات الشركاء، ثم ينتقل تدريجياً إلى أسعار الوقود والنقل والسلع.

 

لهذا، يبدو اجتماع أغسطس اختباراً لمدى استعداد الحكومة لموازنة العجز المالي بالعدالة الاجتماعية، أو استمرار نهج يعتبر دخول المواطنين المورد الأسهل لسد فجوات الموازنة الناتجة عن خيارات اقتصادية أوسع وأكثر كلفة.

 

 

الغلاء يبدأ من المحطة

 

حذر عبد النبي عبد المطلب، خبير الموازنات والسياسات المالية، من أن رفع أسعار الوقود لا يتوقف أثره عند محطات البنزين، بل ينتقل مباشرة إلى النقل والإنتاج والتوزيع وأسعار الغذاء والخدمات اليومية.

 

وبحسب عبد المطلب، تؤدي زيادة البنزين والسولار إلى رفع تكاليف نقل السلع والأعلاف والمواد الخام، وتمنح الأسواق مبرراً لموجات تسعير واسعة قد تتجاوز النسبة الرسمية المعلنة للزيادة نفسها بمراحل كبيرة.

 

فضلاً عن ذلك، يدفع أصحاب الدخول الثابتة النسبة الأكبر من التكلفة، لأن أجورهم لا تتحرك بالسرعة نفسها، بينما تستطيع الشركات والتجار تمرير جانب من الأعباء إلى المستهلك النهائي عبر الأسعار.

 

في سياق متصل، تؤدي كل زيادة جديدة إلى تآكل أثر برامج الحماية المحدودة، إذ قد ترفع الحكومة معاشاً أو دعماً نقدياً بقيمة معينة، ثم تسترد أضعافه عبر النقل والغذاء والكهرباء والخدمات.

 

وعليه، يصبح الحديث عن رفع الوقود باعتباره تصحيحاً فنياً مضللاً، لأن القرار يعيد توزيع الخسائر اجتماعياً، ويحمي الموازنة جزئياً على حساب الأسر التي لا تملك أدوات للتحوط من النفط أو الدولار.

 

إضافة إلى ذلك، يمكن للزيادة أن تعيد الضغط على التضخم بعد محاولات احتوائه، فتدفع البنك المركزي إلى تشديد السياسة النقدية أو تأخير خفض الفائدة، بما يرفع تكلفة الاقتراض والاستثمار والإنتاج.

 

أخيراً، تحتاج الحكومة قبل أي قرار إلى نشر معادلة التسعير كاملة، وبيان تكلفة الإنتاج المحلي والاستيراد والضرائب والدعم، مع تحديد أثر الزيادة على التضخم والفقر والنقل العام وأسعار السلع الأساسية.

 

وتبعاً لذلك، فإن معالجة فجوة النفط لا ينبغي أن تبدأ من جيب المواطن، بل من إصلاح إدارة الطاقة وزيادة الإنتاج ومراجعة الإنفاق وحماية الفئات الأضعف، بدلاً من تحويل كل اضطراب عالمي إلى عقوبة معيشية.