تؤثر رؤيتنا للحياة في الطريقة التي نرى بها العالم ونتفاعل معه، وقد يؤدي تغيير منظورنا في بعض الأحيان إلى تغيير تجربتنا بأكملها. وتوضح روبين هانلي دافو، الكاتبة والباحثة في مجال المرونة النفسية، أن المنظور يمثل مجموعة من الاتجاهات وأنماط التفكير والمشاعر التي تشكل العدسة التي نرى العالم من خلالها.
وينمو هذا المنظور مع تجاربنا الحياتية، بينما يساعد تطويره وممارسته بصورة متكاملة على التعامل مع التحديات، والحد من تأثير الضغوط، وفتح الطريق أمام التعلم والنمو.
وبحسب موقع سايكولوجي توداي، فإن المنظور يساعدنا على إدراك ما يهمنا حقًا ووضعه في مكانته الصحيحة، كما ينمو مع الخبرات التي نعيشها. ويمكننا توسيع منظورنا بصورة متعمدة من خلال الفضول والتأمل وممارسات صغيرة نكررها يوميًا، إذ قد يكفي أحيانًا تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى موقف ما حتى تتغير الطريقة التي نختبر بها هذا الموقف بالكامل.
تخيل أنك تقود سيارتك وأنت متأخر عن موعدك؛ ترتفع كتفاك من شدة التوتر، وينقبض فكك، وفجأة يبدو لك أن كل إشارة مرور حمراء تتآمر ضدك. والآن تخيل أنك تسلك الطريق نفسه، وسط حركة المرور نفسها، وفي الوقت نفسه تقريبًا، لكنك في طريقك لمشاركة شخص تحبه خبرًا رائعًا. لم يتغير الطريق، ولم تتغير حركة المرور، ولم يتغير الوقت الذي تقضيه داخل السيارة، لكن التجربة تبدلت بالكامل. الذي تغير هو العدسة التي تنظر من خلالها إلى الموقف.
وتقول هانلي دافو في كتابها «الهدوء وسط العاصفة: طريق نحو المرونة اليومية» إن المنظور يشكل منظومة من الاتجاهات والعقليات والمشاعر التي تعمل كعدسة نرى العالم من خلالها. ومع تراكم التجارب الحياتية، يتطور هذا المنظور، ويمكن أن يساعدنا على تجاوز الأوقات الصعبة، والتعامل بصورة أفضل مع الضغوط، واكتشاف فرص التعلم والنمو حتى وسط الأزمات.
كيف يمكن لتغيير بسيط في المنظور أن يغير كل شيء؟
تروي الكاتبة واحدة من أكثر التحولات التي أثرت في منظورها، والتي حدثت قبل بضعة أعوام خلال فصل الصيف.
كانت قد سافرت مع ابنها هانتر لمشاهدة شقيقه الأصغر جاكسون وهو يشارك في بطولة لكرة السلة. وبعد انتهاء فترة الإحماء، لاحظت أن جاكسون يخلع حذاءه ويجلس على مقاعد البدلاء. وعندما ذهبت لتعرف ما حدث، اكتشفت أنه ترك قميصه في الفندق، بينما كانت قاعدة المدرب واضحة: لا يمكن لأي لاعب المشاركة من دون ارتداء الزي الرياضي كاملًا.
شعرت الكاتبة فورًا بما يعانيه كثير من الأشخاص الذين يسعون دائمًا إلى تحقيق أعلى أداء ممكن، وهو الشعور بالعجز. وبدأ عقلها يبحث بسرعة عن أي طريقة يمكن أن تساعد ابنها على المشاركة في الشوط الثاني. لكن هانتر نظر إليها وسألها: «أمي، هل يمكنني أن أقدم لك نصيحة؟».
استمعت إليه، فقال لها: «أمي، ستكون هذه ساعة سيئة. لكنها ليست يومًا سيئًا، وليست بطولة سيئة، وبالتأكيد ليست حياة سيئة. إنها مجرد ساعة سيئة، وعليك أن تجدي طريقة للتعايش معها. وأعدك بأن جاكسون لن ينسى قميصه مرة أخرى».
تقول الكاتبة إنها شاركت هذه القصة مرات لا حصر لها، لأنها ترى أن كثيرًا منا يحتاج إلى هذا التذكير. فعقولنا بارعة بصورة مذهلة في تحويل لحظة صعبة واحدة إلى قصة كاملة عن المستقبل. لكن الحياة ستضعنا جميعًا أمام ساعات سيئة، والأمل هو أن تظل تلك اللحظات مجرد «ساعات سيئة»، لا أن نسمح لها بأن تتحول في أذهاننا إلى أيام أو أسابيع أو حتى حياة سيئة بأكملها.
وتصف هانلي دافو هذا النوع من اللحظات بأنه «مفتاح للتحول»؛ أي اللحظة التي تصل فيها المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب، فتغير الطريقة التي نرى بها كل ما يأتي بعدها، وتسمح لنا بالمضي قدمًا في اتجاه لم ندرك أننا نحتاج إليه إلا بعد أن تغير منظورنا.
10 ممارسات تساعد على توسيع منظورك وتعزيز المرونة النفسية
يمكن للفضول أن يكون نقطة البداية. فكلما تعرضنا لأفكار وأشخاص وتجارب مختلفة، اتسع منظورنا. ويمكن أن يحدث ذلك من خلال قراءة كتب كتبها أشخاص تختلف حياتهم عن حياتنا، أو الاستماع إلى برامج صوتية تتحدى أفكارنا المعتادة، أو طرح سؤال بسيط على شخص آخر مثل «أخبرني المزيد»، ثم الاستماع بهدف الفهم لا بهدف انتظار دورنا في الرد. فحين نمارس الفضول، نمنح عقولنا فرصة لرؤية العالم من زوايا جديدة.
وعندما يبدو موقف ما أكبر من قدرتنا على الاحتمال، يمكننا أن نقترب منه أولًا ثم نبتعد عنه ذهنيًا. اقترب من المشكلة عبر تسمية ما يحدث والاعتراف بما تشعر به، ثم ابتعد قليلًا واسأل نفسك: هل سيظل هذا الأمر مهمًا بعد أسبوع؟ وماذا عن عام من الآن؟ وكيف يندرج هذا الموقف ضمن القصة الأكبر لحياتي؟ فالضيق غالبًا ما يضيق مجال رؤيتنا، حتى يبدو كل شيء عاجلًا وضروريًا. أما توسيع المنظور فيساعدنا على الاستجابة لما هو مهم فعلًا بدلًا من مجرد رد الفعل تجاه أكثر الأمور إزعاجًا في اللحظة الراهنة.
كما ينبغي الانتباه إلى القصص التي نحكيها لأنفسنا. فالطريقة التي نصف بها حياتنا تتحول تدريجيًا إلى المنظور الذي نعيش داخله. هناك فرق كبير بين أن تقول «أنا شخص لا ينام جيدًا» وأن تقول «أنا شخص يستطيع النوم جيدًا عندما تتوافر الظروف المناسبة». قد تكون تفاصيل ليلة الأرق واحدة، لكن القصة التي تحملها معك إلى اليوم التالي تختلف تمامًا.
ومن المفيد أيضًا جمع الأدلة بدلًا من الاكتفاء بما يؤكد أفكارنا المسبقة. فعقولنا تميل بصورة طبيعية إلى البحث عن المعلومات التي تدعم ما نؤمن به بالفعل. فإذا اعتقدنا أننا نفشل، سنلاحظ كل خطأ نرتكبه. أما إذا اعتقدنا أننا نتقدم، فسنبدأ في ملاحظة جوانب النمو والتطور.
وعندما تكتشف أنك تحكي لنفسك قصة سلبية، اسأل: ما الأدلة التي تدعم هذه القصة؟ وما الأدلة التي تتحدى صحتها؟ وينمو المنظور عندما ننظر إلى الصورة الكاملة بدلًا من التركيز على الأجزاء التي يسلط عقلنا الضوء عليها أولًا.
وقد يساعد تغيير المكان أو المشهد المحيط بنا على تغيير حالتنا الذهنية أيضًا. اخرج إلى الهواء الطلق، أو قف تحت سماء واسعة، أو امش بجوار الماء، أو انظر إلى منظر طبيعي ممتد. فهناك شيء في تذكير أنفسنا باتساع العالم يساعدنا على وضع مخاوفنا في حجمها الحقيقي، بدلًا من السماح لها بالسيطرة على رؤيتنا لكل شيء.
وفي أوقات أخرى، قد نحتاج إلى استعارة منظور شخص آخر. فربما نقف قريبين جدًا من المشكلة، فلا نرى الخيارات المتاحة أمامنا. عندها يمكن أن نسأل صديقًا نثق به: «ما الذي لا أراه؟» أو «ساعدني على التفكير في هذا الأمر». وغالبًا ما يرى الأشخاص الذين يحبوننا احتمالات وفرصًا فقدنا القدرة مؤقتًا على رؤيتها بأنفسنا.
وتدعو الكاتبة أيضًا إلى ممارسة قوة كلمة «بعد». فهناك فرق كبير بين قول «لا أعرف كيف أفعل هذا» وقول «لا أعرف كيف أفعل هذا بعد». تحمل الكلمة الأخيرة مساحة للنمو والتعلم والأمل، وتذكرنا بأن عدم امتلاك المهارة اليوم لا يعني أننا لن نمتلكها غدًا.
كما يمكننا الاعتراف بوجود حقيقتين في الوقت نفسه. فالحياة لا تجبرنا دائمًا على الاختيار بين مشاعر متناقضة. يمكن أن نشعر بخيبة الأمل، وفي الوقت نفسه نفخر بمدى صعوبة محاولتنا. ويمكن أن نحزن ونشعر بالامتنان معًا. كما يمكن أن نشعر بعدم اليقين ونظل متمسكين بالأمل. ويؤدي قبول هذه الحقائق المتزامنة إلى توسيع قدرتنا على فهم التجربة الإنسانية بدلًا من اختزالها في شعور واحد.
وتقترح هانلي-دافو كذلك استخدام صيغة «للأسف... ولكن لحسن الحظ...». وتقول إن هذه الطريقة أصبحت من العبارات المفضلة لدى عائلتها، لأنها تسمح لنا بالاعتراف بصعوبة الموقف من دون إنكار الجوانب الإيجابية الموجودة في الوقت نفسه.
يمكن أن نقول: «للأسف، علقت في الزحام، ولكن لحسن الحظ لدي وقت أطول للاستماع إلى برنامجي الصوتي المفضل». أو: «للأسف، لم يسر العرض كما كنت أتمنى، ولكن لحسن الحظ أعرف الآن بالضبط ما الذي سأفعله بصورة مختلفة في المرة المقبلة».
وأخيرًا، يمكن أن تساعد ممارسة الامتنان على توسيع منظورنا تجاه الحياة. وترى الكاتبة أن الأفكار الأولى التي تراودنا في بداية اليوم قد تكون من أكثر الأفكار تأثيرًا في بقية يومنا. لذلك، تقترح أن نقول «شكرًا» فور الاستيقاظ أو بمجرد أن نصبح واعين بوجودنا في يوم جديد، ثم نمنح أنفسنا لحظة للتفكير في الأشياء التي نمتلكها والفرص التي تنتظرنا خلال اليوم.
المنظور الأوسع يساعدنا على رؤية ما يهم حقًا
تمنحنا الحياة كل يوم فرصًا جديدة للنظر إلى الأمور بصدق من مسافة قريبة، ثم التراجع قليلًا لرؤيتها بحكمة أكبر. ويمكننا أن نمارس مزيدًا من الفضول، وأن نتحدى بلطف القصص التي يخبرنا بها عقلنا بصورة تلقائية، وأن نتذكر أن الساعة السيئة تظل ساعة سيئة، لا أكثر.
ويوسع المنظور ما نستطيع رؤيته وما نعتقد أنه ممكن. وعندما نغير العدسة التي ننظر من خلالها إلى تجاربنا، قد لا تتغير الظروف المحيطة بنا، لكن قد تتغير قدرتنا على التعامل معها.
وربما تكون إحدى أهم المهارات التي يمكن أن نكتسبها في مواجهة ضغوط الحياة هي أن نتعلم كيف نضع اللحظة الصعبة في حجمها الحقيقي. فالمشكلة التي تبدو وكأنها نهاية العالم الآن قد تصبح بعد أسبوع مجرد ذكرى عابرة، وقد تتحول بعد سنوات إلى درس ساعدنا على النمو.
وفي النهاية، لا يعني توسيع المنظور تجاهل الألم أو التظاهر بأن كل شيء على ما يرام. بل يعني الاعتراف بصعوبة ما نمر به، مع الاحتفاظ بالقدرة على رؤية ما هو أبعد منه. فقد نكون محبطين وفخورين في الوقت نفسه، حزانى وممتنين، خائفين ومتمسكين بالأمل.
ومن خلال الفضول والتأمل وممارسة الامتنان وإعادة صياغة الأفكار، يمكننا تدريب أنفسنا على رؤية الصورة الأكبر. وعندما نفعل ذلك، نمنح أنفسنا فرصة أكبر للتعامل مع التحديات بمرونة، والتعلم من التجارب، والنمو رغم الظروف الصعبة.
فالمنظور لا يغير دائمًا ما يحدث لنا، لكنه يغير الطريقة التي نعيش بها ما يحدث. وفي كثير من الأحيان، قد يكون هذا التغيير وحده كافيًا ليصنع فارقًا حقيقيًا.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/everyday-resilience/202607/10-practical-ways-to-broaden-your-perspective

