كشف مقطع مصور متداول في الإسكندرية يوم 19 يوليو 2026 قيام عدد من موظفي حي شرق بتقييد مواطن من يديه وإجباره على البقاء داخل سيارة تابعة للحي، بعدما اعترض على حملة إزالة، ما أثار مطالب بالتحقيق في استخدام العنف خارج اختصاصات الموظفين التنفيذيين.

 

ربطت الواقعة بين سياسات الإزالة التي تنفذها أجهزة حكومة عبد الفتاح السيسي وبين تراجع الضمانات التي تحمي المواطنين أثناء تنفيذ القرارات الإدارية، إذ ظهر موظفون مدنيون وهم يمسكون بالمواطن ويقيدون حركته بدلًا من وقف التنفيذ وإحالة النزاع إلى الشرطة أو جهات التحقيق المختصة.

 

موظفو الحي يقيدون المواطن ويتجاوزون حدود التنفيذ

 

أظهر الفيديو المنشور عبر صفحة القاهرة 24 على فيسبوك مجموعة من موظفي حي شرق الإسكندرية وهم يحاصرون المواطن بجوار سيارة الحملة قبل أن يثبتوا ذراعيه خلف ظهره ويدفعوه إلى داخل السيارة، بينما استمرت المشادات في موقع الإزالة وسط حضور عدد من العاملين والمواطنين الذين سجلوا الواقعة بهواتفهم.


 

كما أعادت حسابات إخبارية نشر المقطع عبر منصة إنستجرام، وظهر المواطن خلال التسجيل محاطًا بعدد من موظفي الحي قبل إدخاله إلى السيارة الرسمية، الأمر الذي وسع نطاق الغضب وطالب متابعون بالكشف عن أسماء المشاركين وتحديد السند القانوني الذي سمح لهم بتقييد حركته.

 

https://www.instagram.com/reel/Da-xCkBCDgD/

 

وبحسب المعلومات المنشورة بعد انتشار المقطع، وقعت المواجهة عندما حاول المواطن اعتراض حملة إزالة تابعة للحي، غير أن المواد المتاحة لم تنشر صورة قرار الإزالة أو طبيعة المخالفة أو صفة المواطن القانونية في العقار، كما لم تثبت بصورة مستقلة ما إذا كان المنزل المقرر هدمه مملوكًا له شخصيًا.

 

وفي سياق متصل عرض منشور آخر تفاصيل الغضب الذي صاحب الواقعة، وركز على طريقة تعامل موظفي الحي مع المواطن واستخدام السيارة التابعة للجهة الحكومية في السيطرة عليه، بينما تصاعدت المطالب بإخضاع جميع المشاركين لتحقيق مستقل وعدم الاكتفاء برواية الجهة المنفذة للحملة.

 

https://www.instagram.com/p/Da--kNhjNuC/

 

لاحقًا باشرت جهات التحقيق في الإسكندرية فحص الواقعة، بعدما تبادل المواطن وأحد موظفي الحي الاتهامات أمام المحققين، إذ اتهم الموظف المواطن بعرقلة الحملة والبدء بالاعتداء، بينما اتهم المواطن موظفي الحي باستخدام القوة والتعدي عليه خلال محاولته الاعتراض على تنفيذ قرار الإزالة.

 

https://www.instagram.com/p/DbAafaiCDAb/

 

مع ذلك لم يلغ تبادل الاتهامات السؤال الأساسي الذي طرحه الفيديو بشأن الجهة التي منحت موظفي الحي حق احتجاز المواطن أو تقييد يديه، لأن الاختصاص الإداري بتنفيذ قرارات الإزالة لا يمنح الموظف المدني سلطة القبض أو العقاب أو استخدام القوة البدنية خارج الحالات التي ينظمها القانون.

 

وتوضح المحامية الحقوقية هالة عاهد في مواقفها القانونية المنشورة أن تنفيذ القرارات الإدارية لا يعفي الموظف العام من احترام الضمانات الدستورية المتعلقة بالسلامة الجسدية والحرية الشخصية، وهو معيار يجعل توثيق بداية الاشتباك ومراجعة التسجيلات الكاملة وتحديد دور كل موظف إجراءات ضرورية قبل إغلاق التحقيق.

 

حملات الإزالة تتوسع بلا رقابة تضمن حقوق السكان

 

جاءت الواقعة بالتزامن مع إعلان محافظة الإسكندرية تنفيذ حملات موسعة بحي شرق شملت سوق أيكا وشارع الإسعاف وشارع السوق بمنطقة باكوس، وقالت المحافظة إن الحملة تحفظت على 125 حالة إشغال و460 حالة هالك وأزالت 12 سقيفة مخالفة ورفعت 7 أطنان من المخلفات.

 

غير أن البيانات الحكومية اكتفت بعرض أعداد الإزالات والمضبوطات باعتبارها مؤشرات نجاح، ولم تنشر تفاصيل عن آليات تلقي الاعتراضات أو عدد التظلمات أو القرارات التي أوقفتها المحاكم، كما لم توضح الإجراءات التي تلزم موظفي الأحياء بالتعامل مع السكان دون تهديد أو اعتداء أثناء الحملات اليومية.

 

وتكشف هذه الفجوة كيف تستخدم حكومة السيسي خطاب استعادة الانضباط والمظهر الحضاري لتوسيع صلاحيات المحليات ميدانيًا، بينما تترك المواطن منفردًا أمام حملة تضم موظفين وعمالًا ومعدات وسيارات رسمية، من دون حضور واضح لمحام أو جهة مستقلة تراجع سلامة القرار قبل المساس بالمسكن أو الممتلكات.

 

وفي هذا السياق وثقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية خلال فبراير 2026 شكاوى سكان المنيل القديمة من ضغوط صاحبت حملات إزالة، وشملت بحسب إفاداتهم قطع المياه والكهرباء وخطوط الاتصال وتهديد الرافضين بالهدم، وهي ممارسات تكشف أن النزاع حول السكن يتجاوز الأوراق الإدارية إلى وسائل ضغط مباشرة على السكان.

 

كما تؤكد الباحثة العمرانية أمنية خليل أن الإخلاء القسري لا يقتصر على إخراج السكان بالقوة، بل يشمل نقل الأسر رغم إرادتها من دون حماية قانونية مناسبة أو تشاور وضمانات واضحة، وقد وثقت في دراساتها تعرض سكان مناطق مصرية للعنف وفقدان الممتلكات خلال مشروعات إعادة التخطيط الحكومية.

 

وبذلك يخدم طرح أمنية خليل محور الحقوق العمرانية في الواقعة، لأن اعتراض المواطن لا يجوز اختزاله في وصفه معطلًا للحملة قبل إعلان وضع العقار وقرار الإزالة وطرق الطعن والتعويض، فغياب هذه البيانات يحول الموظف التنفيذي إلى خصم وحكم ويمنع المجتمع من تقييم قانونية الإجراء.

 

تحقيق محدود لا يكفي لمحاسبة منظومة العنف المحلي

 

بدأ التحقيق مع طرفين فقط رغم أن الفيديو أظهر مشاركة أكثر من موظف في تقييد المواطن والسيطرة عليه، وهو ما يفرض تحديد أسماء جميع المشاركين ومسؤول الحملة ورئيس المجموعة الميدانية، إلى جانب فحص دفتر التحركات وأمر التشغيل ومحاضر الإزالة والتسجيلات التي سبقت الجزء المتداول على المنصات.

 

كذلك يتطلب التحقيق تحديد ما إذا كانت سيارة الحي استُخدمت لاحتجاز المواطن أو نقله قسرًا، لأن المركبة المخصصة لتنفيذ مهام المرفق العام لا يجوز تحويلها إلى مكان احتجاز مؤقت، كما يجب سؤال المسؤولين عن سبب عدم استدعاء الشرطة منذ بداية الاعتراض بدلًا من تدخل الموظفين جسديًا.

 

ويشدد المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في السكن الملائم بالاكريشنان راجاجوبال في مواقفه المنشورة على أن الإخلاءات لا تستوفي الضمانات الحقوقية دون إخطار مسبق وتشاور فعلي وإتاحة الطعن والتعويض وسبل الانتصاف، كما يربط استخدام القوة المفرطة أثناء التنفيذ بضرورة المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

 

وتمنح هذه المعايير التحقيق وظيفة أوسع من حسم مشاجرة بين موظف ومواطن، لأنها تفرض مراجعة القرار الإداري نفسه وطريقة إبلاغ السكان وتوقيت التنفيذ والبدائل المتاحة، ثم فصل مسؤولية المعتدي عن مشروعية الإزالة، فلا تستطيع جهة حكومية تبرير الاعتداء بمجرد وجود مخالفة بناء أو إشغال.

 

ومن جهة أخرى تتحمل رئيسة حي شرق ومسؤولو محافظة الإسكندرية مسؤولية إعلان نتائج التحقيق الإداري للرأي العام، لأن الاكتفاء بإحالة طرفين إلى التحقيق من دون وقف المشاركين أو كشف أسمائهم يكرر أسلوب احتواء الغضب حتى ينحسر تداول الفيديو ثم يعود الموظفون إلى مواقعهم.

 

وتتحمل وزارة التنمية المحلية بدورها مسؤولية وضع تعليمات ملزمة تمنع موظفي الأحياء من لمس المواطنين أو تقييدهم أو احتجازهم، وتلزم كل حملة بتصوير التنفيذ كاملًا وتسجيل أوامر الإزالة والتظلمات، لأن ترك قواعد التعامل للاجتهاد الشخصي يسمح بتحويل السلطة التنفيذية المحلية إلى أداة عقاب مباشر.

 

وأخيرًا لا تمثل واقعة حي شرق الإسكندرية مشهدًا عابرًا يمكن إنهاؤه بمحضر متبادل، بل تكشف نتيجة سياسية لإدارة تعتبر الاعتراض على القرار الحكومي تهديدًا يجب إخضاعه بالقوة، بينما تظل المساءلة غائبة والبيانات ناقصة والمواطن مطالبًا بإثبات حقه بعد تقييده أمام منزله أو ممتلكاته.

 

ويبدأ رد الاعتبار للمواطن بنشر التحقيق كاملًا ومحاسبة كل من تجاوز اختصاصه وإعلان المستندات القانونية للحملة وتعويض المتضرر إذا ثبت الاعتداء عليه، أما حماية الموظفين خلف عبارات السيطرة على معترض فإنها تمنح حكومة السيسي غطاء جديدًا لإدارة المدن بالقوة بدلًا من القانون وحقوق السكان.