لم يعد هناك ما يثير الدهشة والاستغراب في مصر، فمن فروا بالأمس هاربين بأموال الشعب، عقب انتفاضة الشعب في 25 يناير 2011، عادوا اليوم آمنين مطمئنين دون أن يتم مساءلتهم ومحاكمتهم على ما اقترفت يداهم.
أحد هؤلاء يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق، الذي فر إلى خارج مصر بالتزامن مع اندلاع ثورة يناير، ليعيش طيلة هذه السنوات في أوروبا، بدلاً من محاكمته بتهم ليس أقلها تبديد وإهدار مليارات الجنيهات من أموال المعاشات.
ورنيش إعلامي
كانت عودة غالي مصحوبة بورنيش إعلامي يستهدف التغطية على سياساته المثيرة للجدل، وذلك بعد ظهوره في مقابلة مع الإعلامية لميس الحديدي أثارت ردود فعل واسعة؛ بسبب تصريحاته حول سياسات عهد حسني مبارك، وتحميله الرئيس الأسبق مسؤولية غلاء الأسعار لرفضه رفع الدعم عن البنزين، إلى جانب كواليس قضايا أموال المعاشات.
وأثارت التصريحات غضب علاء مبارك نجل الرئيس الأسبق، الذي رد عليه عبر منصة "إكس"، قائلاً: "حتى أنت يا بروتس"، مستنكرًا تصريحاته حول والده، داعيًا إياه للحديث عن تداعيات ارتفاع سعر الدولار حالياً بدلاً من إلقاء اللوم عليه.
وتطرق الحوار إلى قضية سحب أموال التأمينات والمعاشات، وهو ما أثار انتقادات حادة من شخصيات سياسية، مثل السفيرة ميرفت التلاوي وزيرة التأمينات السابقة، والنائب مصطفى بكري، اللذين اتهماه بالمسؤولية عن معاناة أصحاب المعاشات بعد ضم أموالهم للخزانة العامة.
أين ذهبت أموال التأمينات؟
وقالت التلاوي في تصريحات صحفية إنها رفضت طلب غالي استثمار أموال التأمينات فى السوق الدولية: "كان جايب بنك أمريكى وعمل مقابلة معايا عشان البنك يحصل على هذه الأموال ويستثمرها فى الخارج وقتئذ، وعندما سألت سؤالاً مباشرًا لمدير البنك فى وجوده عن الميزة، أشار إلى الحصول على عائد 8% مقابل استثمار هذه الأموال، وهو نفس العائد الذى كنا نحصل عليه من البنوك العاملة فى السوق المحلية".
وأضافت أنها أنهت المقابلة وقتها مع الوزير وقفها، وقالت: "لغاية كده المقابلة انتهت مش هطلّع الفلوس بره"، وكانت هذه الأموال تقدر بنحو 400 مليار جنيه،. وأشارت إلى أنها رفضت خصم من 5 إلى 6 جنيهات من صاحب كل معاش شهريًا، لعمل حسابات بنكية فى البنك الأمريكى لاستثمار أموال أصحاب المعاشات فى الأسواق الدولية.
وحول استثمار أموال التأمينات والمعاشات فى البورصة المصرية، قالت: "فعلًا حصل على 500 مليون جنيه منها لصالح شركة واحدة علمًا بأنه كان هناك 13 شركة فى البورصة وقتها يمكن أن تقوم بهذا الدور الاستثمارى".
وتابعت: "الفلوس مارجعتش حتى هذه اللحظة، ولا أعلم أين ذهبت هل خسرت فى البورصة أم تم استخدامها فى تمويل عجز الموازنة، لكن المؤكد أنها لم تحقق عائدا مرتفعا 23% سنويًا زى ما بيقول، ولما الجنزورى قال إديله 500 مليون جنيه تانى لنفس الغرض، اشترطت وقتها أن أقوم بتوزيعها على الشركات المسجلة فى البورصة بنفسى وليس (غالى)".
بكري: إيه الحكاية؟
ورأى الإعلامي عضو مجلس النواب مصطفى بكري، أن عودة غالي إلى المشهد تثير العديد من التساؤلات.
وقال بكري، في منشور عبر صفحته على موقع "إكس"، إنه "عندما يطل يوسف بطرس غالي من مصر مجددًا، فهذا يعني أننا أمام من كانوا سببًا في الأوضاع التي أدت إلى الأحداث التي شهدتها مصر، والتي كادت تؤدي إلى انهيار الدولة المصرية".
وأضاف أن "يوسف بطرس غالي هو الذي اعتدى على أموال المعاشات وضمها إلى الخزانة العامة، وكان سببًا في معاناة أصحاب المعاشات حتى الآن".
وتابع بكري: عودة يوسف بطرس غالي إلى المشهد مرة أخرى إلى جانب آخرين كانوا سببًا في انهيار الأوضاع تجعلنا نتساءل: إيه الحكاية؟".
الجنزوري: غالي من المتلاعبين مع صندوق النقد
وفي مذكراته "طريقي"، خصص الدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء الأسبق فصلاً كاملاً لانتقاد غالي والسياسات الاقتصادية التي تبناها، معتبرًا إياها مسؤولة عن إلحاق الضرر بالاقتصاد المصري وتقديم مصالح المؤسسات الدولية على حساب المصالح الوطنية. ووصفه بأنه من أهم العملاء للغرب و"المتلاعبين مع صندوق النقد الدولي".
وفي مقابلة تلقزيونية بعد ثورة 25 يناير، تحدث الجنزوري عن أكذوبة دعم الدولة للبترول والمحروقات، وقال: "دعم البترول "بدعة" اخترعها وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي لإذلال الشعب المصري".
ولا يخفى أن التوتر كان يخيم على علاقة العمل بين الجنزوري وغالي، فقد كان الأول يميل إلى السياسات المحافظة الحريصة على عدم تحميل المواطنين أعباءً إضافية- بينما يتبنى الثاني رؤية اقتصادية منفتحة مرتبطة بتوصيات صندوق النقد الدولي، مما أدى إلى خلافات حادة ومستمرة بينهما.
ويحكي عمرو موسى تابع الأمين العام الأسبق للجامعة العربية، وزير الخارجية الأسبق في الفصل الخامس عشر من الجزء الأول من سيرته الذاتية "كِتَابِيَهْ"، الصادرة في 2017، عن كواليس علاقته بوزراء ورؤساء الحكومات المتعاقبة، والعلاقة فيما بينهم، وعرج على ذكر عدة أزمات ومواقف تعرض لها الجنزوري في حكومته، وعلاقته مع أقرانه وقت أن كان وزيرًا، ورجاله حين أصبح رئيسًا للوزراء.
ويشير إلى أنه في تعديل وزاري محدود على حكومة عاطف صدقي الثانية، عُيّن يوسف بطرس غالي وزير دولة بمجلس الوزراء، وحظي بثقة "صدقي"، إذ كان شابًا تحصل على تعليم متميز في الخارج، وعلى تواصل مع الأوساط الاقتصادية العالمية، "وهو ما لم يكن متوافرًا تمامًا في وزراء المجموعة الاقتصادية الآخرين، الذين لم يكونوا –في معظمهم– على المستوى العالمي المطلوب"، على ما يقول موسى في كتابه.
ويمضي موسى قائلًا إن اقتناع صدقي بكفاءة غالي تسببت في "شرخ العلاقة بين صدقي والجنزوري، ذلك أن الأخير كان له رأي سلبي جدًا في غالي. لم يكن يطيقه على الإطلاق، ويراه معتنقًا أفكارًا أجنبية، أقل ما يقال فيها –وبأخف العبارات– أنها "لا تريد الخير لمصر". لم يحب الجنزوري غالي، ولم يكن يريد أن يتعامل معه، بل كان يعمل على حصاره، وربما كان يخشى من قدراته".

