كشف حصاد 8 سنوات لحكومات مصطفى مدبولي أن أسعار الطاقة والنقل والغذاء في مصر قفزت منذ 2018 حتى يوليو 2026 بمعدلات تجاوزت نمو الأجور، فبدلت أولويات الأسر ودفعت ملايين المواطنين نحو تقليص احتياجاتهم الأساسية.

 

سياسيا، لا تبدو تلك القفزات مجرد آثار جانبية لإصلاح مالي محايد، بل حصيلة خيارات حمّلت الفقراء والطبقة الوسطى فاتورة الديون والتعويم ورفع الدعم، بينما تقلص حقهم في الغذاء والتنقل والطاقة والحياة الكريمة.

 

وقبل قراءة الحصاد، يكشف تدقيق أسعار البداية والنهاية أن نسبا متداولة مثل 762 في المئة للكهرباء و594 في المئة لبنزين 92 لا تستقيم مع مقارنة يونيو 2018 بأسعار يوليو 2026 الرسمية.

 

طاقة أغلى وخدمات أبعد

 

بداية، ارتفع سعر الشريحة المنزلية الأولى للكهرباء من 22 قرشا للكيلووات في يوليو 2018 إلى 68 قرشا خلال 2026، بزيادة تقارب 209 في المئة، مع تفاوت النسب بين الشرائح وفقا للاستهلاك.

 

وفي السياق نفسه، صعد سعر لتر بنزين 92 من 6٫75 جنيه في يونيو 2018 إلى 22٫25 جنيه في مارس 2026، بزيادة تقترب من 230 في المئة، انعكست تباعا على النقل والإنتاج والتوزيع.

 

كذلك، قفزت أسطوانة البوتاجاز المنزلية من 50 جنيها عند بداية عهد الحكومة إلى 275 جنيها، مسجلة زيادة قدرها 450 في المئة، وهي كلفة تطال الريف والأحياء التي لا تصلها شبكات الغاز خصوصا.

 

وعلى صعيد النقل، ارتفعت التذكرة القصيرة لمترو الأنفاق من 3 جنيهات في مايو 2018 إلى 10 جنيهات في مارس 2026، بزيادة تقارب 233 في المئة، بينما بلغت الرحلات الأطول 20 جنيها.

 

ووفق هذه الأرقام، لم يعد الانتقال إلى العمل أو الدراسة خدمة عامة منخفضة الكلفة، إذ تلتهم المواصلات جزءا أكبر من الأجر، وتدفع بعض الأسر إلى تقليل الرحلات أو اختيار وسائل أبطأ وأشد خطرا.

 

وبحسب الخبير الاقتصادي محمد أنيس، ينتقل رفع أسعار المحروقات إلى التضخم عبر تكاليف الشحن والإنتاج، حتى عندما يستقر الدولار، لأن الوقود يدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة في تسعير معظم السلع والخدمات المحلية.

 

غير أن الحكومة تبرر الزيادات بتقليص دعم الطاقة ومواجهة كلفة الاستيراد والاضطرابات الإقليمية، لكن هذا التبرير يغفل أن المواطن تحمل أيضا نتائج تراجع الإنتاج المحلي وتأخر الاستثمار في بدائل أكثر استقرارا وأقل كلفة.

 

وهكذا، تحولت الطاقة من خدمة تدعم النشاط الاجتماعي والإنتاجي إلى أداة متكررة لسد فجوات الموازنة، بينما ظلت آليات التعويض محدودة، ولم تواكب الزيادة المتراكمة في الكهرباء والوقود والغاز والمواصلات خلال السنوات الثماني.

 

غذاء يتراجع عن الموائد

 

من ناحية أخرى، ارتفع سعر كيلو الدواجن البيضاء للمستهلك من نحو 35 جنيها في مايو 2018 إلى ما بين 73 و77 جنيها في يوليو 2026، أي بزيادة تتجاوز 108 في المئة وفق المنطقة.

 

وفي المقابل، صعد متوسط كيلو اللحم الكندوز من نطاق تراوح بين 120 و135 جنيها خلال 2018 إلى نحو 445 جنيها في يوليو 2026، بما يعادل زيادة تقريبية بين 230 و271 في المئة.

 

فضلا عن ذلك، لا تعكس المقارنة السعرية وحدها حجم التراجع المعيشي، لأن الأسر استبدلت اللحوم بالدواجن، ثم قلصت الدواجن نفسها، واتجهت إلى بدائل أقل جودة مع ارتفاع الأرز والزيوت والألبان والخضراوات.

 

وفي تفسير القطاع، يقول ثروت الزيني نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن إن الأعلاف تمثل المكون الأثقل في التكلفة، وإن ارتفاع أسعارها ضغط على المربين وهدد بخروج صغار المنتجين من السوق.

 

ومع ذلك، يوضح تراجع الدواجن أحيانا رغم ارتفاع التكلفة أن ضعف الطلب أصبح عاملا حاسما، فالسعر قد ينخفض لأن المستهلك لم يعد قادرا على الشراء، لا بسبب تحسن مستدام في الإنتاج أو الدخول.

 

اقتصاديا، سجل التضخم الحضري قمما متتالية خلال فترة الحكومة، وبلغ ذروته الحديثة عند 38 في المئة خلال سبتمبر 2023، قبل أن يتباطأ رسميا إلى 14٫3 في المئة خلال يونيو 2026.

 

لكن تباطؤ التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى الوراء، بل يعني استمرار ارتفاعها بوتيرة أبطأ، ولذلك لا تستعيد الأسرة ما فقدته خلال موجات الغلاء السابقة، ولا تصبح اللحوم أو الطاقة أكثر إتاحة تلقائيا.

 

نتيجة لذلك، أعادت الأسر ترتيب الإنفاق قسرا، فسبقت فواتير الكهرباء والمواصلات شراء البروتين والملابس، وتأجل العلاج والتعليم غير المجاني، واتسعت الاستدانة الشهرية، بما جعل التقشف المنزلي سياسة بقاء لا اختيارا استهلاكيا.

 

أجور اسمية وقيمة متآكلة

 

أما على مستوى الدخل، ارتفع الحد الأدنى لأجور العاملين بالدولة من 1200 جنيه إلى 8000 جنيه في يوليو 2026، بزيادة اسمية تقارب 567 في المئة، لكنها موزعة على 12 عاما لا 8 فقط.

 

وبالقياس إلى بداية حكومة مدبولي، كان الحد الأدنى البالغ 1200 جنيه يعادل نحو 67 دولارا بسعر صرف يونيو 2018، بينما تعادل 8000 جنيه حاليا قرابة 158 دولارا عند سعر يقترب من 50٫50 جنيه.

 

ولذلك، فإن القول بتراجع الحد الأدنى من 168 إلى 122 دولارا لا تؤيده أسعار الصرف والحدود الرسمية المختارة، وإن بقيت الحقيقة الأهم أن المقارنة بالدولار وحده لا تقيس القدرة الشرائية داخل السوق المحلية.

 

وفي تقييم اجتماعي، يرى الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن رفع الحد الأدنى إلى 7000 أو 8000 جنيه لا يمثل حلا جوهريا، لأن التضخم وارتفاع الأسعار يلتهمان الزيادة قبل أن تتحول إلى تحسن معيشي ملموس.

 

علاوة على ذلك، لا تشمل الزيادة جميع العاملين بالدرجة نفسها، إذ يظل التنفيذ في قطاعات خاصة وغير رسمية متفاوتا، بينما يعمل ملايين المصريين بلا أجور منتظمة أو حماية تأمينية تضمن استفادتهم من القرارات الحكومية.

 

ومن ثم، تبدو زيادة الأجر الاسمي أقل من أن تعالج فجوة تراكمية صنعتها ثلاث موجات كبيرة من خفض قيمة الجنيه، إلى جانب رفع الدعم والضرائب غير المباشرة وأسعار الخدمات التي لا يستطيع المواطن الاستغناء عنها.

 

اجتماعيا، غيرت السنوات الثماني معنى الطبقة الوسطى، فامتلاك وظيفة ثابتة لم يعد ضمانا للاستقرار، وأصبح الادخار صعبا، والسكن والزواج أكثر كلفة، بينما انتقلت نفقات كانت عادية إلى قائمة القرارات المؤجلة.

 

وعليه، لا يكفي إعلان حزم حماية اجتماعية بعد كل زيادة، بل يلزم ربط الأجور تلقائيا بتكلفة المعيشة، وتوسيع الدعم النقدي، وإخضاع سياسات التسعير لمراجعة مستقلة تقيس أثرها على الفقر وعدم المساواة.

 

في المحصلة، يكشف حصاد حكومات مدبولي أن الإصلاح المالي تقدم على الحماية الاجتماعية، وأن ضبط أرقام الموازنة جرى جزئيا عبر نقل الكلفة إلى الأسر، فيما بقيت جودة الخدمات والأجور الحقيقية دون الوعود الرسمية.

 

ختاما، غيرت قفزات الطاقة والغذاء والنقل حياة المصريين لأنها ضيقت مساحة الاختيار اليومي، ولن يستعيد المواطن التوازن المفقود إلا بسياسة تجعل الدخل الحقيقي والعدالة الاجتماعية معيار النجاح، لا مجرد خفض الدعم والعجز.