تكشف التطورات المتلاحقة في الأراضي الفلسطينية عن مشهد مترابط تتجاوز فيه سياسات الاحتلال حدود العمليات العسكرية المباشرة، لتطال الجغرافيا والسكان ومصادر المياه والمؤسسات التعليمية.

 

ففي قطاع غزة، تتوسع المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية بالتزامن مع تجريف الأراضي واستهداف منشآت المياه وإطلاق النار على النازحين، بينما تتصاعد حملات الاعتقال والاقتحام في الضفة الغربية.

وفي خلفية هذا المشهد، يواجه التعليم الفلسطيني تدميراً وعرقلة مستمرين يهددان بحرمان جيل كامل من حقه في التعلم، بما يكشف عن محاولة ممتدة لإضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على البقاء وإعادة بناء مستقبله.

 

 

توسيع السيطرة وتعميق العطش

 

أدان مركز غزة لحقوق الإنسان استمرار قوات الاحتلال في توسيع ما يعرف بالمنطقة الصفراء شرقي قطاع غزة، محذراً من أن نقل العلامات والمكعبات الإسمنتية إلى مواقع جديدة يفرض حدوداً ميدانية بالقوة، ويضع مساحات إضافية تحت السيطرة العسكرية المباشرة.

 

ووثق الفريق الميداني للمركز نقل قوات الاحتلال المكعبات الصفراء داخل حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، وصولاً إلى منطقة سوق البسطات، في خطوة تعني عملياً تقليص المساحات المتاحة لحركة السكان وإبعادهم عن أحيائهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم.

 

ولا تبدو هذه التحركات مجرد تعديلات عسكرية محدودة، إذ تتزامن مع انتشار الآليات الثقيلة وعمليات التجريف وإطلاق النار بالقرب من تجمعات النازحين. ورصد باحثو المركز جرافتين عسكريتين ودبابة خارج حدود الخط الأصفر في منطقة بربرة بمواصي رفح، حيث شرعت الجرافات في تجريف أراض زراعية.

 

وترافق التجريف مع إطلاق نار متقطع باتجاه خيام النازحين، إلى جانب تكرار اعتداءات مماثلة نفذتها قوات الاحتلال ومجموعات مسلحة تابعة لها. ويرى المركز أن هذه الممارسات تستهدف دفع السكان إلى مغادرة المنطقة تحت ضغط الخوف والتهديد المباشر وانعدام الأمان.

 

ويزيد القلق مع الإعلان عن الاستعداد لإنشاء ما يسمى مراكز الإيواء الإنسانية في مدينة رفح، وسط مخاوف من استخدامها لحصر الفلسطينيين داخل مناطق محددة وإعادة توزيعهم قسراً. وقد يؤدي ذلك إلى تقسيم قطاع غزة جغرافياً وتغيير تركيبته السكانية وفق متطلبات السيطرة العسكرية.

 

ويؤكد مركز غزة أن نقل المدنيين تحت ضغط القصف أو التجريف أو تدمير مقومات الحياة لا يمكن وصفه بإجراء إنساني، حتى إذا جرى تحت عنوان الإيواء أو الحماية. فالمعيار الحقيقي لأي استجابة إنسانية هو حرية السكان وسلامتهم وعدم استخدامها غطاءً لأهداف سياسية أو عسكرية.

 

وتتصل محاولات إعادة تشكيل الجغرافيا باستهداف البنية التحتية للمياه، إذ أدان المركز قصف ورشة حدادة مخصصة لتجهيز معدات حفر الآبار في مدينة غزة. وأسفر القصف الأول عن استشهاد 4 فلسطينيين وإصابة آخرين، قبل أن تعاود الطائرات استهداف المكان بعد ساعات.

 

وألحق القصف الثاني أضراراً واسعة بالمباني السكنية والمحال المجاورة، وأوقع إصابات جديدة، كما عرقل قدرة العاملين على تجهيز معدات الآبار في وقت يعاني فيه القطاع أزمة مياه خانقة نتيجة تدمير الشبكات ونقص الوقود والآليات وقطع الغيار.

 

وبحسب المعطيات التي أوردها المركز، انخفض إنتاج المياه في قطاع غزة إلى نحو نصف مستواه المسجل قبل العدوان، فيما بات أقل من نصف السكان يحصلون على المياه عبر الشبكات العامة، ووصلت نسبة الفاقد في الشبكات إلى نحو 65% بفعل الدمار الواسع.

 

وتراجعت حصة الفرد إلى نحو 25 لتراً يومياً، بينما يحصل عدد كبير من النازحين على أقل من 5 لترات، وهي كمية لا تكفي للشرب والطهي والنظافة. وبذلك يتحول العطش إلى وسيلة ضغط تدفع السكان إلى ترك مناطقهم بحثاً عن الحد الأدنى من مقومات البقاء.

 

وتزامنت هذه التطورات مع إعلان مصادر طبية فلسطينية استشهاد 4 فلسطينيين بنيران قوات الاحتلال في مناطق متفرقة بمدينة غزة منذ ساعات الفجر، وسط استمرار القصف الجوي والمدفعي وعمليات النسف والتدمير داخل المناطق الواقعة على امتداد الخط الأصفر.

 

ويؤكد استمرار إطلاق النار والقصف والقيود على حركة البضائع والمساعدات والسفر أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يوفر حماية فعلية للمدنيين. فالموت والتجويع والعطش والتجريف تتواصل بأشكال مختلفة، بينما يعاد رسم حدود الحركة والسكن بالقوة العسكرية.

 

 

اعتقالات واقتحامات في الضفة

 

بالتوازي مع ما يحدث في غزة، وسع جيش الاحتلال حملات الدهم والاعتقال في الضفة الغربية، حيث اعتقل 32 فلسطينياً خلال عمليات متزامنة استهدفت عدداً من المدن والبلدات، وفق ما أعلنه مكتب إعلام الأسرى.

 

وشملت الحملة أسرى محررين وشباناً، وترافقت مع اقتحام المنازل وتفتيشها وتخريب محتوياتها، إلى جانب إخضاع عدد من المواطنين لتحقيقات ميدانية. وتعيد هذه الممارسات إنتاج حالة الخوف الجماعي داخل البيوت، وتضع العائلات أمام اقتحامات قد تحدث في أي وقت.

 

وتركزت الاعتقالات في محافظة الخليل، حيث اعتقل الجيش 13 فلسطينياً من بلدة بيت أمر شمالي المدينة، بينما توزعت بقية الاعتقالات على محافظات بيت لحم وقلقيلية وطوباس وطولكرم والقدس المحتلة، من دون صدور تعليق فوري من جيش الاحتلال.

 

ولا تنفصل حملة الاعتقالات الأخيرة عن التصعيد المستمر في الضفة منذ أكتوبر 2023، والذي تشارك فيه قوات الاحتلال والمستوطنون عبر الاقتحامات وإطلاق النار وهدم المنازل ومصادرة الأراضي وإقامة الحواجز والاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم.

 

وبحسب معطيات فلسطينية رسمية، أسفر هذا التصعيد عن استشهاد 1179 فلسطينياً وإصابة نحو 13 ألفاً، إضافة إلى اعتقال قرابة 24 ألف فلسطيني. وتعكس هذه الأرقام اتساع سياسة العقاب الجماعي وتحول الاعتقال إلى أداة يومية لإخضاع المدن والقرى والمخيمات.

 

وتؤدي الاعتقالات المتكررة إلى تمزيق حياة الأسر، وحرمان أطفال من آبائهم، وتعطيل العمل والدراسة، إلى جانب ما يرافقها من تحقيقات وانتهاكات وظروف احتجاز قاسية. كما تعمق الاقتحامات الشعور بانعدام الأمان حتى داخل المنازل التي يفترض أن توفر الحماية لسكانها.

 

ويكشف تزامن التصعيد في الضفة مع إعادة رسم مناطق السيطرة في غزة عن وحدة النهج القائم على تفكيك التجمعات الفلسطينية وإضعاف قدرتها على الاستقرار. ففي غزة تستخدم المناطق العسكرية والتجريف، وفي الضفة تستخدم الحواجز والاعتقالات والاستيطان ومصادرة الأراضي.

 

 

التعليم الفلسطيني أمام خطر وجودي

 

يمثل التعليم أحد أبرز القطاعات التي تدفع ثمن التصعيد، إذ تواجه المدارس الفلسطينية في غزة والضفة والقدس تدميراً وعرقلة متواصلين. ولم تعد الأزمة مرتبطة بنقص الإمكانات فقط، بل باتت تمس وجود المؤسسة التعليمية وقدرتها على استقبال الطلاب وتوفير بيئة آمنة.

 

وفي قطاع غزة، أدى الدمار الواسع للمنشآت والبنية التحتية إلى تفكيك أجزاء كبيرة من المنظومة التربوية، فيما تحولت مدارس عديدة إلى مراكز لإيواء النازحين أو أصبحت خارج الخدمة. ويواجه الطلاب انقطاعاً متكرراً عن الدراسة وسط القصف والنزوح والجوع وفقدان أفراد من عائلاتهم.

 

أما في الضفة الغربية والقدس، فتواجه المدارس أوامر هدم ووقف بناء تمنع ترميم الفصول أو توسيعها، خصوصاً في المناطق المصنفة ج. كما تعرقل الحواجز العسكرية حركة الطلاب والمعلمين، وتحول الرحلة اليومية إلى المدرسة إلى مسار محفوف بالتأخير والخطر.

 

وتتكرر اقتحامات المدارس وترويع الطلاب داخل الفصول، إلى جانب اعتداءات المستوطنين على المؤسسات التعليمية والطرق المؤدية إليها. ولا تقتصر النتائج على ضياع ساعات الدراسة، بل تمتد إلى آثار نفسية عميقة تنشأ من الخوف المستمر وانعدام الشعور بالأمان.

 

وتدفع هذه الظروف أعداداً من الطلاب إلى التسرب، كما تؤدي إلى تراجع التحصيل العلمي بسبب الانقطاع المتكرر والقلق والنزوح وصعوبة الوصول إلى المدارس. ويصبح الحفاظ على الانتظام التعليمي مهمة شبه مستحيلة حين يواجه الطالب حاجزاً أو اقتحاماً أو تهديداً في طريقه إلى الفصل.

 

ويهدد استمرار هذا الوضع بإنتاج أزمة طويلة المدى تطال التنمية الاجتماعية والاقتصادية، لأن تدمير التعليم يعني تقويض قدرة المجتمع على إعداد الأطباء والمعلمين والمهندسين والباحثين. كما يحرم الأطفال من المساحة التي تساعدهم على تجاوز آثار الحرب والعنف والاستقرار النفسي.

 

ويبدو استهداف التعليم جزءاً من محاولة أوسع لإضعاف الهوية الفلسطينية ومصادر المعرفة والقدرة على الصمود. فالمدرسة ليست مبنى فقط، بل مساحة لحماية الذاكرة الجماعية ونقل اللغة والثقافة والتاريخ إلى الأجيال الجديدة، ولذلك يمثل تعطيلها ضربة لبنية المجتمع بأكمله.

 

وتجمع التطورات بين السيطرة على الأرض، وتجفيف مصادر المياه، وتقييد حركة السكان، واعتقال الشبان، وتدمير المدارس، في مشهد يهدد الحاضر والمستقبل معاً. فالتهجير لا يبدأ دائماً بأمر مكتوب، بل قد يصنعه العطش والخوف وانهيار الخدمات وانعدام فرص التعليم.

 

وتتطلب مواجهة هذا الواقع تحركاً دولياً يتجاوز بيانات القلق إلى حماية المدنيين والمنشآت التعليمية ومرافق المياه، ووقف الاعتقالات والاقتحامات والتجريف. كما تقتضي ضمان وصول فرق الإغاثة والصيانة والمعلمين إلى مواقع عملهم من دون استهداف أو عرقلة.

 

وفي ظل غياب إجراءات دولية رادعة، يواصل الفلسطينيون مواجهة منظومة تضييق تمتد من خيمة النازح في رفح إلى منزل الأسير في الخليل وفصل الطالب المهدد بالهدم. ويبقى صمودهم حاضراً، لكنه لا يعفي العالم من مسؤوليته القانونية والإنسانية عن وقف الانتهاكات.