مصطفى عبد السلام

رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"

 

دخلت إيران في سباق مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لابتزاز دول العالم، وفي المقدمة منطقة الخليج، وإرهاقه ماديًا ومعيشيًا، الطرف الأول يرفع شعار: "علي وعلى أعدائي"، ويؤكد أن صادرات المنطقة من الطاقة "إما أن تكون للجميع أو يحرم منها الجميع"، وترامب يواصل حلب الكل وانتزاع مزيد من الصفقات ومليارات الدولارات السهلة والاستثمارات الضخمة للاقتصاد الأميركي وشركاته، مع ضمان تدفق حصائل النفط الخليجي على أسواق السندات وأدوات الدين والبنوك الأميركية، وهو ما يضمن استمرار قوة الدولار الذي تعرض لهزات في السنوات الأخيرة وتخلي بنوك مركزية عن حيازته.

 

إيران تعيد إغلاق مضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي، بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت مع الولايات المتحدة وتجدد الأعمال القتالية، فتكون النتيجة هي التسبب في إلحاق خسائر فادحة للاقتصادات الخليجية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات أسبوعيًا، حيث إن إغلاق المضيق يحجب نفط الخليج وغازه عن أسواق الطاقة العالمية، وبما يعادل 20 مليون برميل خام يوميًا، ومعها حجب منتجات وسلع حيوية أخرى منها صادرات الهيدروكربونات والغاز المسال والمكثفات والأسمدة والميثانول وإمداد المنتجات البتروكيميائية والمشتقات المكررة وغيرها، وهي منتجات بالغة الأهمية لقطاعات الزراعة والصناعة والإنتاج والنقل والشحن حول العالم.

 

ترامب يعيد فرض الحصار البحري الشامل على جميع الموانئ الإيرانية، ويعيد أيضا فرض العقوبات على النفط الإيراني، ويهدد بضرب ‌محطات توليد الكهرباء والجسور الأسبوع المقبل، فيهدد الحرس الثوري الإيراني في المقابل بإغلاق "جميع ممرات التصدير الأخرى التي تنتفع منها الولايات المتحدة وحلفاؤها"، بما فيها إغلاق مضيق باب المندب المنفذ الوحيد إلى البحر الأحمر، مما ينذر بفتح جبهة مواجهة جديدة بين الأطراف المتصارعة في المنطقة، ويهدد اثنين من أهم شرايين الطاقة في العالم هما هرمز وباب المندب.

 

وبعدها مباشرة يسارع مسؤول حوثي كبير ليعلن اليوم أن الجماعة اليمنية مستعدة لإغلاق مضيق باب المندب، إذا واصلت السعودية هجومها على اليمن، وهي خطوة ربما ترفع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل، وتسبب أضرارًا فادحة لدول المنطقة وأسواق الطاقة والدول المستهلكة للطاقة، وكذا لقناة السويس حيث إن المضيق الحيوي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، الذي تمر عبره صادرات النفط السعودية وجزء كبير من حركة الشحن العالمية.

 

تصر إيران على فرض رسوم وإتاوات ومقابل مالي على الملاحة في المضيق والسفن المارة به وبواقع مليوني دولار عن كل سفينة عملاقة، فيسارع ترامب لتثبيت جريمة القرصنة و"شرعنة" جباية الإيرانيين في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث خرج على العالم هذا الأسبوع ليعلن أن الولايات المتحدة أصبحت "حارسة مضيق هرمز"، وأن على الجميع أن يدفع مقابل تلك الخدمة، وأنه يتجه نحو فرض رسوم بنسبة 20% على السفن المارة بالمضيق وبما يعادل 30 مليون دولار عن كل سفينة عملاقة.

 

وعندما اضطربت أسواق العالم، وقفزت أسعار النفط نحو 10% في يوم واحد، وتلقى انتقادات حادة من وكالة الأمم المتحدة للشحن البحري وغيرها، سارع ترامب ليعلن أن المضيق سيكون مفتوحا أمام حركة الملاحة باستثناء الملاحة الإيرانية، ولم ينس توجيه رسالة ابتزاز للدول الخليجية النفطية كعادته حيث أعلن تراجعه عن خطته لفرض رسوم 20% على السفن العابرة هرمز، مفضلًا استبدالها باتفاقات تجارية واستثمارية مع دول الخليج الحليفة لواشنطن، وذلك بعد أن أثار قلق عدد من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

 

بل وزعم الرئيس الأميركي أنه تلقى اتصالات من ملوك وقادة بدول الخليج فضلوا نهجًا مختلفًا يقوم على ضخ تلك الدول استثمارات بمليارات الدولارات في الاقتصاد الأميركي بدلًا من فرض رسوم 20% على حركة الملاحة في مضيق هرمز.

 

ترامب يخرج علينا معلنًا أنه لن يسمح لإيران بابتزاز العالم وإلحاق خسائر بالاقتصاد الدولي، في الوقت الذي يمارس هو وضد الجميع كل أنواع الابتزاز الجيوسياسي والعسكري والأمني، ويرتكب على مرأى ومسمع العالم عمليات النهب والقرصنة المالية، بل والسرقة والسطو على ثروات الدول كما حدث مع فنزويلا وبنما وأوكرانيا وغرينلاند وغيرها، والآن يلوّح بفكرة فرض الرسوم على السفن في مضيق هرمز، ويعتبرها بمثابة تعويض واشنطن عن كلفة حماية الممر الاستراتيجي الذي يعد شريانًا أساسيًا لتجارة النفط والغاز العالمية.