فجرت وزارة التموين في مصر غضبا برلمانيا واسعا بعد حذف نحو 850 ألف مواطن من بطاقات الدعم، ضمن عمليات غربلة استبعدت أسر طلاب المدارس الخاصة، وانتهت باتهامات للحكومة بمعاقبة المحتاجين وتهديد أمنهم الغذائي.
وبينما تزعم الحكومة أنها تنقي المنظومة، تكشف الوقائع سلطة تطارد الفقراء بشروط مبهمة، وتحول التعليم الأفضل إلى تهمة، وتدفع الأسر إلى إثبات فقرها أمام جهاز إداري يقرر أولا ويحرم المواطن من حقه لاحقا.
حذف يعاقب التعليم
وبالتالي عبر أولياء أمور عن غضبهم بعد اكتشاف وقف بطاقاتهم التموينية، مؤكدين أن التحاق أبنائهم بمدارس خاصة لا يعني الثراء، بل يعكس محاولات شاقة لحماية مستقبلهم من تدهور التعليم الحكومي.
كما أن عددا كبيرا من الأسر يعتمد على القروض والجمعيات الشهرية لتغطية المصروفات الدراسية، ويقتطع من الطعام والدواء والملابس، ثم يفاجأ بأن تضحيته تحولت لدى الحكومة إلى دليل على عدم استحقاق الدعم.
ولزيادة الغضب، لم يتلق كثير من المحذوفين إخطارا واضحا يشرح سبب الاستبعاد أو المعيار الذي طبق عليهم، فوجدوا أنفسهم خارج المنظومة دون مهلة لتحديث البيانات أو تقديم ما يثبت حاجتهم الفعلية.
لذلك يرى أولياء الأمور أن وزارة التموين لا تنقي الدعم، بل تعاقب الأسر التي حاولت تعويض فشل الدولة في التعليم، وتستخدم اختيار المدرسة الخاصة ذريعة لانتزاع الخبز والسلع من بيوت محدودة الدخل.
ومن ثم تصبح المدرسة الخاصة مؤشرا مضللا عندما تعامل منفردة، لأن المصروفات قد يسددها قريب أو قرض أو جمعية، بينما يظل دخل الأسرة ضعيفا وتلتهم تكاليف المعيشة معظم مواردها الشهرية.
غير أن الحكومة لم تعلن قاعدة بيانات مفصلة تفرق بين مدرسة منخفضة المصروفات وأخرى دولية باهظة، ولم توضح كيف قاست دخل الأسرة أو ثروتها قبل إصدار قرار يمس احتياجاتها الأساسية.
علاوة على ذلك، يرتبط الحذف بحرمان الأسرة من سلع تموينية وخبز مدعم تعتمد عليهما يوميا، وهو ما يجعل الخطأ الإداري عقوبة فورية يدفع ثمنها الأطفال وكبار السن قبل أن تبدأ إجراءات التظلم.
بناء على ذلك، يتحول الدعم من شبكة حماية إلى أداة تهديد، لأن المواطن لا يعرف متى يحذف ولا لماذا، بينما تظل الوزارة صاحبة القرار والحكم والمراجعة دون رقابة مستقلة أو مساءلة فورية.
وفي المقابل، تؤكد مصادر بالوزارة أن عمليات إعادة غربلة المحذوفين مستمرة، وأن باب الشكاوى سيفتح بعد انتهاء الفحص، لكن هذا الوعد لا يعوض الأسر عن فترة الحرمان ولا يبرر الحذف قبل التحقق.
برلمان غاضب من الغربلة
وفي الأثناء، انتقلت الأزمة إلى مجلس النواب بعدما تصاعدت شكاوى المواطنين، وقدم نواب طلبات إحاطة اتهمت الحكومة بغياب الشفافية، وطالبت بكشف معايير الحذف ووقف القرارات التي تستبعد المحتاجين بصورة عشوائية.
وبدوره، طالب النائب فريدي البياضي الحكومة بإعلان ضوابط واضحة وعادلة، محذرا من استبعاد ملايين المواطنين بمعيار واحد اسمه المدارس الخاصة، في وقت لم تضم فيه الدولة مستحقين جددا منذ سنوات.
ومن جهة أخرى، أكد البياضي أن آلاف الأسر تقترض أو تبيع ممتلكات أو تقتطع من احتياجاتها الأساسية لتعليم أبنائها، متسائلا كيف يصبح سعي الأسرة إلى مستقبل أفضل سببا لحرمانها من الدعم.
وفوق ذلك، شدد على أن الدولة مطالبة بتشجيع من يحاولون الارتقاء بتعليم أبنائهم، لا ملاحقتهم بالعقوبات، لأن الالتحاق بمدرسة خاصة أو دولية لا يثبت وحده مطلقا أن الأسرة ميسورة الحال.
كذلك تقدم النائب حسين غيته بطلب إحاطة إلى رئيس الوزراء ووزير التموين بشأن غياب الشفافية وتكرار الحذف العشوائي، مطالبا بمراجعة القرارات الأخيرة وإعادة المستحقين فور ثبوت وقوعهم ضحية بيانات خاطئة.
أما غيته فدعا إلى إخطار المواطنين مسبقا ومنحهم مهلة فعلية لتصحيح بياناتهم قبل تنفيذ الحذف، إلى جانب ربط قواعد المعلومات إلكترونيا وإنشاء رقابة تمنع تكرار استبعاد الأسر دون سند موضوعي.
وفي سياق متصل، رأى النائب عاطف مغاوري أن الإجراءات تكشف بشكل واضح توجها حكوميا لتقليص الدعم وربما إلغائه، وطالب بوقف الحذف حتى وضع معايير معلنة وإجراء حوار مجتمعي حول الدعم النقدي.
وعلى هذا الأساس، لا يبدو غضب البرلمان خلافا فنيا محدودا، بل مواجهة حول حق الحكومة في انتزاع الدعم بقرارات إدارية مغلقة، ثم مطالبة المواطن بالطعن لإثبات أنه ما زال فقيرا.
فضلا عن ذلك، جاءت التحركات النيابية بعد وقوع الضرر، وهو ما يكشف ضعف الرقابة السابقة على قرارات تمس ملايين الأسر، ويطرح سؤالا عن سبب ترك الوزارة تنفذ الغربلة دون نقاش علني مسبق.
دعم نقدي يهدد الأسر
وبالتوازي، يزيد الحديث عن بدء الدعم النقدي في أغسطس مخاوف الأسر المحذوفة، لأن خروجها من البطاقات الآن قد يعني استبعادها لاحقا من المنظومة الجديدة قبل حسم شكاواها أو تصحيح بياناتها.
وعندئذ، لن يقتصر الضرر على وقف بعض السلع، بل قد يتحول إلى حرمان دائم من أي تحويل نقدي مستقبلي، بما يضاعف الضغوط على أسر تواجه الغلاء وتراجع الأجور وارتفاع تكاليف التعليم.
وفي الوقت نفسه، تثير سرعة الحذف مقارنة ببطء فحص التظلمات شكوكا حول هدف الغربلة، لأن الوزارة استطاعت إيقاف الدعم جماعيا، لكنها تؤجل فتح الشكاوى حتى تنتهي من مراجعات لا يعرف المواطن مدتها.
ومن ناحية أخرى، يحذر نواب وخبراء من أن التحول النقدي بلا قواعد دقيقة قد يوسع أخطاء الاستبعاد، خصوصا إذا اعتمدت الحكومة على بيانات قديمة أو مؤشرات شكلية لا تعكس دخل الأسرة الحقيقي.
رغم ذلك، تواصل الوزارة الحديث عن تنقية المنظومة بدلا من الاعتراف بأن معاييرها أوقعت ظلما اجتماعيا، وأن الأسرة التي تعلم أبناءها في مدرسة خاصة قد تكون أشد احتياجا من أسرة أخرى.
وبهذا، تصبح القضية اختبارا لصدق الحكومة في حماية الفئات الأضعف، فإما أن توقف الحذف وتعلن الضوابط وتعيد المستحقين، أو تثبت أن تقليص الدعم هو الهدف الحقيقي وراء خطاب التنقية الرسمي.
وأخيرا، فإن غضب البرلمان لن تكون له قيمة ما لم يتحول إلى إلزام واضح للوزارة بوقف المطاردة، ونشر المعايير، وتعويض المحذوفين، وضمان ألا يصبح تعليم الأطفال بوابة لانتزاع الخبز من أسرهم.

