كشف البنك الدولي أن مصر مطالبة بسداد 10٫6 مليارات دولار خلال الربع الثالث من 2026، في استحقاقات تشمل يوليو وأغسطس وسبتمبر، بما يفاقم الضغط على السيولة الأجنبية ويزيد من صعوبة إدارة الدين الخارجي.
وبينما تتسع فجوة التمويل، يدفع المصريون ثمن سياسة تقوم على الاستدانة ثم تحميل المجتمع كلفة السداد، عبر غلاء متواصل وتقليص الإنفاق الاجتماعي، في وقت تواصل فيه السلطة تقديم الأرقام باعتبارها إنجازات منفصلة عن معيشة الناس.
استحقاقات تستنزف الموارد
وبالتالي ترتفع الاستحقاقات المنتظرة في الربع الرابع إلى 12 مليار دولار، موزعة بين سندات دولية قصيرة الأجل وقروض متوسطة، ما يرفع إجمالي المطلوب سداده من أبريل حتى نهاية ديسمبر إلى 38٫6 مليار دولار.
كما أن الربع الثاني وحده شهد استحقاقات تقترب من 16 مليار دولار، وهو رقم يكشف أن ضغط الديون لم يعد حدثا مؤقتا، بل مسارا متواصلا يستهلك موارد الدولة ويحد من قدرتها على تمويل الخدمات الأساسية.
ولزيادة وضوح الصورة، بلغ الدين الخارجي لمصر بنهاية 2025 نحو 163٫9 مليار دولار، وهو مستوى يضع الاقتصاد أمام التزامات ممتدة، ويجعل أي اضطراب في النقد الأجنبي أو الأسواق العالمية أكثر تأثيرا على الداخل.
لذلك تبدو المقارنة بين الدين الخارجي والاحتياطي النقدي ضرورية، إذ سجل الاحتياطي نحو 55٫07 مليار دولار بنهاية يونيو، بما يعني أن حجمه يظل أقل كثيرا من إجمالي الالتزامات الخارجية المستحقة عبر آجال مختلفة.
ومن ثم لا يعكس ارتفاع الاحتياطي وحده قدرة مريحة على السداد، لأن جزءا منه يقابل ودائع والتزامات، ولأن الاستحقاقات القريبة تتزاحم مع احتياجات الاستيراد وخدمة الدين وتمويل السلع الأساسية في سوق شديدة الحساسية.
غير أن الخطاب الرسمي يركز على صلابة المؤشرات النقدية، متجاهلا أن اختبارها الحقيقي يظهر عند الوفاء بالاستحقاقات دون خفض جديد لقيمة الجنيه أو رفع أسعار السلع أو الاقتراض بشروط أشد كلفة على المجتمع.
علاوة على ذلك، تتكرر سياسة تدوير الديون عبر قروض جديدة لسداد التزامات قديمة، وهو مسار يمنح الحكومة مهلة مؤقتة، لكنه يوسع فاتورة الفوائد ويؤجل الأزمة بدلا من معالجتها عبر إنتاج وصادرات وقاعدة ضريبية عادلة.
وبناء على ذلك، تصبح الأشهر الستة الأخيرة من 2026 مرحلة شديدة الحساسية، لأن أي تراجع في التدفقات أو زيادة في كلفة التمويل قد ينعكس سريعا على سعر الصرف والأسعار وقدرة الدولة على الحفاظ على استقرار الأسواق.
موازنة تحت ضغط الدين
في المقابل تستهدف موازنة 2026 و2027 خفض الاحتياجات التمويلية لأجهزة الموازنة بنحو 10% من الناتج المحلي على المدى المتوسط، وهو هدف طموح يواجه واقعا مثقلا بالفوائد والعجز واتساع النفقات الإجبارية.
وفوق ذلك تسعى الحكومة إلى خفض خدمة الدين إلى نحو 35% من إجمالي مصروفات الموازنة، لكن هذا الهدف يظل صعبا ما لم تتراجع كلفة الاقتراض ويتحسن الإنتاج وتتوقف التوسعات غير ذات الأولوية.
ومع ذلك تشير تقديرات الموازنة إلى إيرادات تقارب 4 تريليونات جنيه، مقابل مصروفات متوقعة بنحو 5٫1 تريليونات جنيه، ما يبقي فجوة واسعة تحتاج إلى تمويل إضافي وقد تفتح الباب لمزيد من الاقتراض.
لهذا يبدأ العام المالي الجديد في يوليو محملا بعجز قائم قبل احتساب أي صدمات خارجية، بينما تنتهي السنة المالية في 30 يونيو، بما يجعل إدارة الاستحقاقات خلال الأشهر الأولى اختبارا مباشرا لسياسة الدين.
وفي هذا السياق أعلن صندوق النقد الدولي اتفاقا مبدئيا بشأن المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح، وهو ما يمهد لحصول القاهرة على تمويل يزيد على 1٫6 مليار دولار، لكنه يضيف التزاما جديدا إلى سجل القروض.
بالتوازي أبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الثالثة على التوالي، في محاولة لموازنة التضخم مع احتياجات الاستثمار وخدمة الدين، بينما تبقى الفائدة المرتفعة عبئا على الموازنة والقطاع الخاص.
أما تثبيت الفائدة فلا يلغي أثرها التراكمي، لأن الحكومة تظل أكبر مقترض محلي، وكل زيادة سابقة في العائد ترفع كلفة أذون الخزانة والسندات وتزاحم تمويل الشركات وتضعف فرص خلق وظائف مستقرة.
وعلى هذا الأساس تصبح وعود خفض خدمة الدين مرتبطة بإصلاح أوسع من مجرد إعادة جدولة الاستحقاقات، يشمل مراجعة الإنفاق العام، وضبط المشروعات المكلفة، وتحسين الشفافية، وتوسيع رقابة البرلمان والمجتمع على الاقتراض.
فضلا عن ذلك، فإن تقليص العجز عبر الضرائب غير المباشرة أو خفض الدعم يضغط على الفئات الأضعف، بينما يبقي الامتيازات غير الخاضعة للمساءلة بعيدة عن الإصلاح، وهو ما يفاقم الظلم الاقتصادي والاجتماعي.
تحويلات تصمد ونمو يتراجع
من ناحية أخرى ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج إلى نحو 43٫1 مليار دولار خلال أول 10 أشهر من العام المالي 2025 و2026، مقابل 32٫8 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق.
كذلك سجلت التحويلات زيادة نسبتها 31٫2%، وهو تحسن يوفر دعما مهما للنقد الأجنبي، لكنه يعتمد بدرجة كبيرة على دخل العاملين في الخارج، لا على توسع إنتاجي داخلي قادر على توليد موارد مستقرة.
وفي مايو وحده بلغت التحويلات نحو 3٫9 مليارات دولار، مقابل 3٫4 مليارات في الشهر نفسه من 2025، بارتفاع 13٫5%، ما يؤكد استمرار دور المغتربين في سد جزء معتبر من فجوة العملة.
إلى جانب ذلك تمثل هذه التدفقات شبكة أمان للاقتصاد والأسر، لكنها تكشف أيضا مفارقة مؤلمة، إذ يعتمد البلد على جهود مواطنيه خارج الحدود، بينما يواجه كثير من ذويهم داخله تراجعا في الدخول والخدمات.
ومن جهة أخرى لا يمكن اعتبار التحويلات بديلا عن الاستثمار والصادرات، لأنها قد تتأثر بأسواق العمل في دول الاستضافة، كما أن استمرارها لا يعالج ضعف الصناعة أو تراجع القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.
رغم ذلك تستخدم الحكومة تحسن التحويلات والاحتياطي لتأكيد صمود الاقتصاد، بينما تبقى الاستحقاقات الضخمة والعجز المستمر مؤشرين على هشاشة أعمق، تحتاج إلى تغيير في الأولويات لا إلى إدارة إعلامية للأزمة.
في الوقت نفسه خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري في العام المالي 2026 و2027 إلى 4٫4%، بتراجع 0٫4% عن تقديراته السابقة، ما يعكس توقع ظروف أكثر صعوبة خلال العام الجاري.
وعلى صعيد مغاير رفع الصندوق تقديره لنمو العام المالي 2025 و2026 إلى 4٫6% بدلا من 4٫2%، في إشارة إلى أداء أفضل من المتوقع، لكنه أداء لم ينه أزمة الدين أو يخفف أعباء المعيشة.
ورغم هذه التقديرات لا تعني نسب النمو المعلنة تحسنا تلقائيا في حياة المواطنين، لأن أثرها يتوقف على توزيع العائد وفرص العمل والأجور الحقيقية، وهي عناصر ما زالت تتآكل تحت ضغط التضخم وارتفاع تكاليف الخدمات.
وأخيرا تكشف المحاور الثلاثة، الاستحقاقات الثقيلة والاحتياطي المحدود والنمو المتباطئ، أن الاقتصاد المصري يدخل مرحلة دقيقة، فيما تتطلب المواجهة شفافية كاملة ومراجعة سياسية لمسار الاقتراض وحماية المجتمع من تحميله فاتورة الخيارات الرسمية.

