أعلنت مؤسسة جوار الحقوقية أن الدكتورة دينا عبد الرحمن ما تزال محتجزة داخل سجن العاشر، بعد وفاة زوجها الدكتور عمرو عبد النبي هيكل في محبسه، لتواجه وحدها الفقد والاضطراب النفسي والحرمان من طفليها.
ويكشف استمرار حبس دينا بعد موت زوجها وجها أشد قسوة لمنظومة القمع، إذ لم تكتف السلطة بتغييب الزوجين سنوات، بل أبقت الأم المكلومة خلف الأسوار، وتركت طفلين بين اليتم والحرمان من حضنها.
صدمة خلف الأسوار
وبحسب المؤسسة، تعاني دينا اضطرابات نفسية وصدمات قاسية تعود إلى لحظة اعتقالها عام 2020، وما رافقها من تعديات وانقطاع طويل عن طفليها، قبل أن تتلقى داخل محبسها نبأ وفاة شريك حياتها.
كما أن انتقالها من انتظار زوج غائب إلى مواجهة موته وهي سجينة يضاعف حجم الصدمة، ويجعل استمرار احتجازها خطرا إنسانيا ونفسيا، لا إجراء قانونيا يمكن تبريره أمام ضمير أو محكمة مستقلة.
وفوق ذلك، يعيش طفلا دينا منذ سنوات في رعاية جدهما، بعدما حرمتهما أجهزة الأمن من والديهما معا، ثم أعادت إليهما الأب جثمانا، بينما ما تزال الأم ممنوعة من مواساتهما واحتضانهما.
ومن ثم، أصبحت قضية دينا اختبارا مباشرا لكل ادعاء رسمي عن حقوق الإنسان، لأن أبسط مقتضيات الرحمة والعدالة تفرض الإفراج عنها، وتمكينها من تشييع زوجها ورعاية طفليها وتلقي علاج نفسي متخصص.
غير أن استمرار احتجازها يكشف أن العقوبة لا تستهدف شخصا بعينه، بل تمتد إلى الأسرة كلها، فتتحول الزوجة إلى رهينة، والأطفال إلى ضحايا صامتين، والفقد الطبيعي إلى أداة إضافية للإيلام السياسي.
وفي هذا السياق، وصف الحقوقي محمد زارع الإخفاء القسري بأنه جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، مؤكدا أنه ينزع عن الضحية الحماية القانونية، وهو توصيف يطابق سنوات تغييب دينا وأسرتها.
وبالتالي، لا يمكن فصل اضطرابات دينا الحالية عن سنوات الاختفاء التي عاشت خلالها بلا اتصال طبيعي بأسرتها أو دفاع قانوني فعال، لأن الغموض والخوف والعزلة الطويلة عناصر تصنع صدمة مركبة ومتواصلة.
علاوة على ذلك، لم تعد دينا تواجه فقط آثار ما تعرضت له عند الاعتقال، بل باتت مطالبة نفسيا باستيعاب موت زوجها داخل المنظومة نفسها التي حبستهما، من دون فرصة للوداع أو المشاركة في دفنه.
أمومة تحت القيود والحرمان
ومن ناحية أخرى، يؤدي حرمانها من طفليها إلى تعميق الشعور بالعجز والذنب والحزن، خاصة بعدما أصبحا يتيمين من الأب، بينما تعرف الأم أنها حية وقريبة جغرافيا، لكنها عاجزة عن الوصول إليهما.
لذلك، فإن الإفراج عنها لا يمثل مجاملة سياسية أو تنازلا أمنيا، وإنما خطوة ضرورية لمنع انهيار نفسي محتمل، وإعادة الحد الأدنى من التوازن إلى أسرة دفعت ثمنا يفوق أي اتهام لم تثبته محاكمة عادلة.
في المقابل، يوضح الحقوقي حسام بهجت أن الحبس الاحتياطي المطول وظروف الاحتجاز المزرية يستوجبان تحقيقا ومساءلة، وهي رؤية تجعل استمرار احتجاز دينا بعد هذه الفاجعة فعلا يحتاج إلى مراجعة قضائية عاجلة.
وبناء على ذلك، يتعين تمكين محاميها وأسرتها من الاطلاع على موقفها القانوني والصحي، وضمان عرضها على أطباء مستقلين، لأن التقارير النفسية الصادرة داخل منظومة الاحتجاز وحدها لا تكفي لتقييم سلامتها.
إضافة إلى ذلك، يجب السماح لها بالتواصل الفوري والمستمر مع طفليها، فالعزل بعد وفاة الزوج قد يحول الحزن إلى صدمة مرضية ممتدة، ويضاعف آثار الفقد لدى الأم والطفلين في آن واحد.
ومع ذلك، تواصل السلطة التعامل مع المحبوسين السياسيين باعتبارهم ملفات أمنية مجردة، متجاهلة الروابط الأسرية والاحتياجات النفسية، وكأن الحبس يمنحها حق مصادرة الأمومة والحزن والوداع وحق الأطفال الطبيعي في الرعاية.
كذلك، تكشف مأساة دينا أن بناء السجون الحديثة لا يصنع إصلاحا حقيقيا، ما دامت المحتجزة محرومة من الأمان النفسي والعلاج المستقل والتواصل الأسري، وتبقى خاضعة لمنظومة مغلقة ترفض الرقابة والمحاسبة.
وفي المقابل، أكد الحقوقي أحمد مفرح أن غياب التشريعات الرادعة والمحاسبة ساهم في استمرار الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، وهو ما يفسر بقاء الضحايا وأسرهم بلا إنصاف حتى بعد وقوع الكارثة.
وعليه، فإن حماية دينا تبدأ بإنهاء احتجازها، لكنها لا تنتهي عند باب السجن، إذ تحتاج إلى رعاية نفسية طويلة، ودعم اجتماعي وقانوني، ومساحة آمنة للحزن ولم شملها الكامل مع طفليها.
فضلا عن ذلك، يتحمل المجلس القومي لحقوق الإنسان والنيابة العامة مسؤولية التحرك العاجل لزيارتها وفحص حالتها، بدلا من انتظار تدهور جديد يعيد إنتاج المأساة ثم يفتح باب بيانات التعزية المتأخرة.
أسرة مزقتها سلطة الإستبداد
وبالتوازي، ينبغي التحقيق في وقائع اعتقال دينا وما قيل عن تعرضها لتعديات قاسية، لأن الإفراج وحده لا يمحو الانتهاك، ولا يعفي المسؤولين عن سنوات التغييب والعزل والضرر النفسي الذي لحق بها.
أما طفلاها، فقد عاشا سنوات من الغياب القسري لوالديهما، ثم صارا أمام حقيقة وفاة الأب واستمرار سجن الأم، وهي تجربة قاسية تهدد استقرارهما النفسي وشعورهما بالأمان والثقة في المجتمع ومؤسساته.
ولهذا، يجب أن تتقدم مصلحة الطفل الفضلى على الحسابات الأمنية، عبر إعادة الأم إليهما فورا، وتوفير متابعة نفسية متخصصة للأسرة، ومنع استخدام الأطفال كورقة ضغط أو عقوبة غير معلنة ضد والديهم.
رغم ذلك، لا تزال السلطة تصمت عن مصير دينا الإنساني، بينما تتسع المطالبات بالإفراج عنها، وهو صمت يفضح المسافة بين الخطاب الرسمي المزخرف والواقع الذي تعيشه امرأة مفجوعة خلف الأسوار.
وبعبارة أخرى، تحولت دينا من زوجة تنتظر ظهور زوجها إلى أرملة ممنوعة من وداعه، ومن أم محرومة من طفليها إلى الناجية الوحيدة داخل أسرة أنهكها الاختفاء والسجن والموت المتتابع.
وأخيرا، فإن استمرار احتجاز الدكتورة دينا عبد الرحمن بعد وفاة زوجها ليس مجرد قسوة أمنية، بل عقاب جماعي مكتمل الأركان، يفرض الإفراج الفوري عنها وفتح تحقيق مستقل في كل ما تعرضت له.
وبهذا، يصبح إنقاذ دينا وإعادتها إلى طفليها الحد الأدنى من العدالة، بينما تبقى المحاسبة وكشف الحقيقة حقا لا يسقط، حتى لا تتحول قصتها إلى فصل جديد في سجل أسر حطمها القمع.

