شعل إيقاف وزارة التموين 850 ألف مستفيد في مصر خلال شهر يونيو موجة غضب داخل مجلس النواب، بعدما كشفت الشكاوى عن حذف أسر من الدعم دون تدقيق كاف، وفرض 7 معايير واسعة قد تحوّل الخطأ الإداري إلى حرمان مباشر من الغذاء.

 

وتكشف الأزمة كيف تدير الحكومة ملف الدعم بمنطق العقوبة أولًا والمراجعة لاحقًا، إذ يُحذف المواطن من المنظومة ثم يُترك لمطاردة حقه عبر التظلمات، بينما تتحمل الأسرة وحدها كلفة القرار والخطأ والانتظار.

 

ومن جهة أخرى، لم يأت الغضب من معارضين خارج المؤسسات، بل من داخل مجلس النواب نفسه، حيث تحدث نواب عن حذف عشوائي وحالات كثيرة تستحق الدعم، في إدانة مباشرة لطريقة التنفيذ الحكومية.

 

الحذف بالجملة والفقراء يدفعون الثمن

 

وبداية، تقدم النائب حسام المندوه بسؤال إلى رئيس الوزراء ووزير التموين، محذرًا من استبعاد مواطنين بسبب أخطاء في البيانات والإجراءات، ومطالبًا بمراجعة آليات التنقية قبل حرمان الأسر من احتياجاتها الأساسية.

 

وفوق ذلك، أكد المندوه تلقيه شكاوى عديدة من مواطنين فوجئوا بحذفهم دون وجه حق، ما يعني أن الأزمة ليست حالات فردية متناثرة، بل خللًا واسعًا وصل إلى البرلمان وفرض نفسه على الحكومة.

 

كما أن حذف 850 ألف مستفيد خلال شهر واحد يكشف حجم ماكينة الاستبعاد، فكل رقم في هذه الحصيلة يمثل مواطنًا أو أسرة فقدت فجأة جزءًا من غذائها المدعوم وسط موجات غلاء متلاحقة.

 

ولزيادة الضغط، أقرت النائبة نشوى الشريف بأن طريقة التطبيق استبعدت حالات كثيرة جدًا من الأسر المستحقة، رافضة الاعتماد على مؤشر واحد لإسقاط الدعم عن أسرة كاملة دون فحص أو تقدير لظروفها الفعلية.

 

وبالتالي، تصبح عبارة تنقية البطاقات غطاءً إداريًا لعملية إقصاء جماعي، لأن الحكومة تطلب من المواطن أن يتحمل نتيجة قواعد بياناتها، ثم ترسله إلى مسار تظلم طويل لاستعادة حق كان قائمًا أصلًا.

 

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن الحكومة كان عليها إبلاغ المستبعدين بسبب الاستبعاد بدقة وتفاصيل، محذرًا من وقوع أخطاء في قواعد البيانات وآليات التنفيذ بما يظلم مواطنين مستحقين.

 

المعايير السبعة بوابة مفتوحة للظلم

 

أما المعايير الحكومية، فتشمل السيارات مرتفعة القيمة وتعدد السيارات والحيازات الزراعية الكبيرة وملكية الشركات ومصروفات التعليم الخاص والدولي ومؤشرات الدخل والإنفاق، وهي مؤشرات منفردة لا تكشف وحدها القدرة الاقتصادية الحقيقية للأسرة.

 

غير أن المشكلة الأخطر تكمن في التعامل مع هذه المؤشرات كأحكام نهائية، فسيارة قديمة أو تعليم خاص منخفض التكلفة أو أصل غير منتج يمكن أن يتحول آليًا إلى شهادة ثراء تسقط حق الأسرة.

 

علاوة على ذلك، اعترضت نشوى الشريف على مساواة المدارس الدولية مرتفعة المصروفات بالمدارس الخاصة الأقل تكلفة، مؤكدة أن تعليم الأبناء في مدرسة خاصة لا يعني تلقائيًا أن الأسرة غنية أو غير مستحقة.

 

ومن ثم، لا تقيس الحكومة الفقر بقدر ما تجمع إشارات متفرقة عن نمط الحياة، ثم تبني عليها قرارًا مصيريًا، متجاهلة الديون والمرض والبطالة وعدد أفراد الأسرة والالتزامات التي قد تلتهم أي دخل.

 

كذلك، يمتد العقاب إلى مخالفات البناء وسرقة التيار وصرف معاشات دون وجه حق، إذ توقف البطاقة مؤقتًا حتى إزالة المخالفة، في تحويل الغذاء المدعوم إلى عقوبة إضافية خارج العقوبة الأصلية.

 

لذلك، وصفت الشريف هذا النهج بازدواجية العقاب، لأن المواطن قد يدفع غرامة أو يواجه إجراءً قانونيًا على المخالفة، ثم تعاقب أسرته مرة أخرى بحرمانها من التموين الذي يفترض ارتباطه بالحاجة.

 

وفي قراءة أوسع، حذرت الباحثة في الاقتصاد والسياسة العامة سلمى حسين من أن المساس بعناصر الاستقرار الاجتماعي في الأوقات الاقتصادية الصعبة يستوجب حذرًا شديدًا في توقيت القرارات التي تمس المواطنين.

 

التظلمات متاهة بعد تنفيذ العقوبة

 

وبناءً على ذلك، لا تبدو التظلمات ضمانة كافية، لأن الحكومة تنفذ الاستبعاد أولًا ثم تطلب من المواطن إثبات استحقاقه، بما يقلب قاعدة العدالة ويجعل المتضرر مسؤولًا عن تصحيح أخطاء المنظومة.

 

وفي الوقت نفسه، تقول الوزارة إن التظلمات تُفحص خلال 10 أيام، لكن نوابًا انتقدوا طول إجراءات إعادة القيد وطالبوا بإعلان أعداد المتظلمين ونسب المقبولين والمرفوضين وأسباب الرفض أمام الرأي العام.

 

ومع ذلك، يظل المواطن خلال فترة الإيقاف بلا دعم، حتى لو انتهى الفحص إلى ثبوت استحقاقه، بينما لا تتحمل الجهة التي أصدرت القرار الخاطئ كلفة الغذاء أو الأعباء التي ترتبت على الأسرة.

 

ومن ناحية أخرى، يكشف غياب بيان تفصيلي عن عدد البطاقات الملغاة ونتائج التظلمات حجم أزمة الشفافية، فالحكومة تعلن رقمًا ضخمًا للاستبعاد دون نشر خريطة علنية واضحة للأسباب والأخطاء ونتائج المراجعة.

 

وبصورة أشد خطورة، تصبح قاعدة البيانات سلطة غير مرئية تقرر من يأكل بالدعم ومن يُطرد منه، بينما لا يعرف المواطن مصدر المعلومة الخاطئة ولا الجهة التي صنفته ولا طريقة تصحيحها بسرعة.

 

إلى جانب ذلك، تشير تقديرات أستاذة الإحصاء هبة الليثي إلى اتساع دائرة الفقر خلال السنوات الأخيرة، بما يجعل تقليص مظلة الدعم في ظل الضغوط المعيشية قرارًا أشد قسوة على الأسر الهشة.

 

وعليه، فإن استبعاد مئات الآلاف لا يمكن التعامل معه كإجراء تقني محايد، لأن أثره المباشر يقع على الغذاء اليومي، ولأن أي خطأ في التصنيف يتحول فورًا إلى عقوبة اجتماعية على أسرة كاملة.

 

وفي النهاية، تكشف الأزمة أن الحكومة بدأت من الحذف ثم انتقلت إلى التبرير، وطبقت العقوبة قبل التحقق الفردي، وتركت للمواطن وحده مهمة مطاردة حقه بين المنصات والمكاتب والوثائق ومواعيد الفحص.

 

وأخيرًا، لا يحتاج الغضب البرلماني إلى مزيد من الشعارات، بل إلى وقف الحذف الآلي ومراجعة كل حالة قبل الاستبعاد ونشر نتائج التظلمات كاملة ومحاسبة المسؤولين عن أي قرار حرم مستحقًا من غذائه.