حذرت شعبة الكرتون المضلع والعبوات الكرتونية باتحاد الصناعات المصرية من انهيار صناعة حيوية في مصر، بعدما كشفت في القاهرة عن 4 أزمات متزامنة تشمل التمويل والخامات والبيانات والعمالة، بما يهدد المصانع والصادرات وسلاسل التوريد.

 

ويكشف التحذير أن الأزمة لم تعد تخص مصانع الكرتون وحدها، بل تمتد إلى منتجات المصريين وصادراتهم وفرص العمل، بينما تركت الحكومة قطاعا أساسيا يواجه الفوضى وارتفاع التكلفة ونقص العمالة من دون قاعدة بيانات أو خطة إنقاذ حقيقية.

 

صناعة بلا أرقام وتمويل يطحن المصانع

 

في البداية، أكدت الشعبة أن غياب قواعد البيانات الدقيقة عن حجم الصناعة واستثماراتها وطاقاتها الإنتاجية يمنع التخطيط السليم، ويترك المصانع تعمل داخل سوق لا تعرف الحكومة حجمه الحقيقي ولا احتياجاته ولا قدرته على مواجهة الصدمات.

 

وبالتالي، يصبح الحديث الرسمي عن دعم الصناعة مجرد شعار أجوف عندما تعجز الجهات المعنية عن إنتاج إحصاءات موثوقة لقطاع يرتبط مباشرة بالتعبئة والتغليف والنقل والتصدير، ويؤثر في جودة عشرات السلع قبل وصولها إلى الأسواق.

 

كما أن ارتفاع تكاليف التمويل ضاعف الأزمة، إذ تواجه المصانع احتياجات مستمرة لشراء الخامات وتمويل التشغيل، بينما تجعل تكلفة الاقتراض المرتفعة أي توسع أو تحديث للمعدات مغامرة مالية قد تدفع المنشآت الأضعف إلى التوقف.

 

ومن ناحية أخرى، تتغير أسعار بعض الخامات أكثر من مرة خلال الأسبوع، في وقت ترتبط فيه المصانع بعقود توريد تمتد إلى 3 أشهر، ما يجبرها على تحمل فروق أسعار لا تستطيع تمريرها بسهولة إلى العملاء.

 

وفي هذا السياق، يرى نديم إلياس، رئيس غرفة صناعة الطباعة والتغليف، أن القطاع مكون حيوي في الخدمات اللوجستية والصادرات، وقد سبق أن حذر من نقص العمالة المدربة وارتفاع تكلفة الخامات وتأثيرهما المباشر في تنافسية المنتج.

 

إضافة إلى ذلك، تكشف أرقام إلياس أن التغليف يمثل بين 7 و10% من قيمة المنتج النهائي، ما يعني أن ضرب صناعة الكرتون لا يبقى داخل المصانع، بل ينتقل تلقائيا إلى أسعار السلع وقدرتها على المنافسة.

 

ولهذا، فإن عجز الحكومة عن معالجة تكلفة التمويل وتقلبات الخامات لا يهدد أصحاب المصانع فقط، بل يرفع كلفة الإنتاج على قطاعات الغذاء والدواء والهندسة والتصدير، ويضع الصناعة المصرية أمام خسارة تنافسية متسلسلة.

 

وفي المحصلة، تبدو الصناعة محاصرة بين بنك يطلب تكلفة تمويل مرتفعة وسوق خامات سريعة التقلب وحكومة لا تملك حتى قاعدة بيانات دقيقة، وهي معادلة تجعل كل مصنع يدير أزمته منفردا حتى لحظة التعثر.

 

ورق الدشت تحت قبضة الفوضى والمضاربة

 

على صعيد آخر، حذرت الشعبة من أزمة متفاقمة في ورق الدشت، الخامة الأساسية التي تعتمد عليها صناعة الورق، بسبب سيطرة أطراف تجارية على التجميع والتداول وارتفاع الأسعار ونقص المعروض أمام المصانع المحلية.

 

وبناء على ذلك، دخلت المصانع في منافسة شرسة للحصول على احتياجاتها من خامة يفترض أن تأتي من إعادة تدوير الورق والكرتون المستعمل، لكن غياب التنظيم حولها جعلها ساحة للمضاربة والاحتكار والضغط على المنتجين.

 

غير أن المشكلة ليست جديدة تماما، فقد سبق لمسؤولين في شعبة الورق والكرتون التحذير من أن العجز في كميات الدشت المعروضة يرفع أسعار الورق، بما يؤكد أن الحكومة تركت أزمة مزمنة تتكرر بلا علاج جذري.

 

ومن ثم، تطالب الشعبة بتنظيم توريد الدشت إلى مصانع الورق وإعادته إلى الدورة الصناعية، حتى يتحول المخلف المحلي إلى خامة منتجة بدلا من بقائه رهينة وسطاء يتحكمون في الكميات والأسعار ويضغطون على المصانع.

 

ويرى علاء السقطي، رئيس الشعبة، أن النهوض بالقطاع يتطلب إعادة تنظيم هذه الحلقة، لأن الكرتون عنصر رئيسي في حماية المنتجات أثناء التداول والنقل والشحن، وأي اضطراب في خاماته يضرب الصناعة والصادرات معا.

 

علاوة على ذلك، دعت الشعبة إلى فصل نشاط تجميع الدشت والكرتون المستعمل عن نشاط جمع القمامة، وعدم تحميل العاملين فيه رسوم هيئات النظافة، باعتبارهم جزءا من سلسلة إنتاج وإعادة تدوير لا مجرد جامعي مخلفات.

 

وفي المقابل، يكشف استمرار الفوضى أن الدولة تتحدث كثيرا عن الاقتصاد الأخضر وإعادة التدوير، لكنها تترك واحدا من أوضح نماذجه العملية يتعطل بين الرسوم والوسطاء ونقص التنظيم، ثم تطلب من المصانع زيادة الإنتاج والصادرات.

 

وعلى هذا الأساس، تصبح أزمة الدشت مثالا مكثفا على سوء الإدارة، فمادة خام موجودة داخل السوق تتحول إلى أزمة نقص وغلاء، ومصانع تحتاجها تتصارع عليها، بينما تغيب آلية حكومية تضمن تدفقها بشفافية وعدالة.

 

العمال يهربون والمصانع تدفع الثمن

 

أما الأزمة الأخطر، بحسب الشعبة، فتتعلق بنقص العمالة الفنية المدربة وعزوف الشباب عن العمل داخل المصانع، واتجاههم إلى قيادة التوك توك والنقل المستقل وخدمات التوصيل بحثا عن دخل أسرع وشروط عمل أقل قسوة.

 

وفي الواقع، لا يمكن اختزال الظاهرة في اتهام الشباب بالهروب من الصناعة، لأن انتقالهم إلى أعمال هامشية يكشف فشل سوق العمل في جعل الوظيفة الإنتاجية أكثر جذبا من قيادة مركبة أو توصيل طلبات لساعات طويلة.

 

ومن جانبه، حذر نديم إلياس سابقا من نقص العمالة المدربة داخل قطاع الطباعة والتغليف، مؤكدا أن المشكلة تقف إلى جوار ارتفاع تكلفة المواد الخام والتكنولوجيا القديمة، بما يجعل أزمة العنصر البشري جزءا من خلل صناعي أوسع.

 

كذلك، أظهرت تقارير عن سوق العمل المصري أن نقص العمالة الماهرة يدفع المصانع والورش إلى البحث المستمر عن فنيين، بينما يهاجر بعض أصحاب المهارات إلى الخليج ويتجه آخرون إلى مهن أسرع ربحا داخل البلاد.

 

وفي هذا الإطار، يرى الخبير الصناعي محمد البهي أن التوسع في الصناعة يحتاج إلى قدرات تشغيلية حقيقية، لكن أي خطط لزيادة المصانع تظل ناقصة من دون توفير عمالة فنية قادرة على تشغيل خطوط الإنتاج والحفاظ على الجودة.

 

ومع ذلك، ظلت منظومة التعليم الفني والتدريب بعيدة عن احتياجات المصانع الفعلية، فاضطرت الشعبة نفسها إلى إعداد خطة لتأهيل العمالة، في اعتراف عملي بأن القطاع الخاص يحاول سد فجوة كان يفترض أن تعالجها الدولة.

 

وفوق ذلك، تواجه المصانع غير المرخصة اتهامات بخلق منافسة غير عادلة، بسبب عدم تحملها تكاليف الضرائب والتأمينات والالتزامات التنظيمية، بينما تتحمل المنشآت الرسمية كل الأعباء ثم تجد نفسها أمام منافسين يعملون خارج القواعد.

 

وفي محاولة متأخرة لترميم الفوضى، تدرس الشعبة إنشاء منصة تفاعلية تربط المصانع وتسمح بتبادل المعلومات، وهي خطوة تكشف مجددا أن القطاع نفسه يحاول بناء البيانات والتواصل اللذين عجزت المؤسسات الحكومية عن توفيرهما.

 

وأخيرا، فإن تحذير شعبة الكرتون ليس شكوى قطاعية عابرة، بل إنذار من صناعة تتآكل تحت ضغط التمويل والخامات والعمالة والفوضى التنظيمية، فيما تواصل الحكومة رفع شعارات التصنيع والتصدير من دون حماية المصانع من الانهيار.

 

وهكذا، تقف صناعة الكرتون أمام مفترق حاسم، إما تدخل حكومي يعيد تنظيم الخامات والتمويل والتدريب والبيانات، أو استمرار النهج الحالي الذي يدفع المصانع إلى التراجع ويترك الصادرات والعمال والمستهلكين يدفعون الفاتورة.