أعادت القفزة الهائلة في واردات مصر من الذهب خلال الربع الأول من العام الجاري فتح واحد من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية وإثارة للأسئلة، بعدما أظهرت البيانات الرسمية أن البلاد استوردت ذهبا بقيمة 1.809 مليار دولار خلال 90 يوما فقط، بزيادة بلغت 4138 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما جاءت الإمارات في صدارة الدول الموردة بقيمة قاربت 1.7 مليار دولار.
ولا تقف أهمية هذه الأرقام عند حجمها الاستثنائي فقط، بل فيما تفتحه من أسئلة حول طبيعة هذه التدفقات، وأسبابها، والجهات المستفيدة منها، وعلاقتها بحركة الذهب في الإقليم، في وقت تراجعت فيه صادرات مصر من المعدن النفيس بنسبة 61 بالمئة، وارتفعت وارداتها من الفضة بأكثر من 17188 بالمئة لتصل إلى 426 مليون دولار، بما يعني خروج نحو 2.235 مليار دولار من مصر في ثلاثة أشهر فقط لشراء المعدنين.
السؤال الذي تفرضه الأرقام
لا تبدو الزيادة المسجلة في واردات الذهب مجرد تطور تجاري عادي أو تغير موسمي في حركة الأسواق، بل تبدو قفزة استثنائية تبرر كل هذا الجدل المحيط بها. ومن هنا جاء تعليق السياسي والبرلماني السابق أيمن صادق، الذي رأى أن ما يجري في هذا الملف يستحق وقفة جادة من الجهات الرقابية، لأن الحديث لا يدور عن زيادة محدودة أو ظرفية، وإنما عن تحول حاد وغير مسبوق في حركة الواردات. وبحسب تقديره، فإن دلالة الأرقام تتضاعف عندما توضع في إطارها الأشمل، إذ تشير البيانات نفسها إلى أن مصر صدرت خلال الفترة ذاتها ذهبا وأحجارا كريمة بقيمة تقارب 1.13 مليار دولار، في وقت ظهرت فيه الإمارات بوصفها الشريك الأبرز في حركة الذهب ذهابا وإيابا، سواء على مستوى الاستيراد أو إعادة التصدير.
ومن هذه النقطة تحديدا تتولد الأسئلة الأصعب. فإذا كانت الدولة تتحدث باستمرار عن تنامي الإنتاج المحلي للذهب، وعن زيادة القدرات التصديرية، وعن طموحات لتحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة وتكرير المعدن النفيس، فما الذي يفسر إذن استيراد هذه الكميات الضخمة خلال فترة قصيرة؟ وهل نحن أمام إعادة تموضع حقيقي في خريطة تجارة الذهب بالمنطقة، أم أمام مسارات مالية وتجارية معقدة فرضتها تحولات جيوسياسية أوسع، على رأسها الحرب في السودان والتوترات الإقليمية؟ هذه الأسئلة لا تقدم البيانات الرسمية إجابات شافية عنها، وهو ما يجعل الأرقام نفسها منتجة للشكوك بقدر ما هي منتجة للدهشة.
حركة غامضة وطرود تعود من حيث خرجت
الجزء الأكثر إثارة في الصورة يظهر في الشهادات المرتبطة بحركة الشحن والنقل. فقد تحدث أحد مسؤولي شركة معتمدة لدى البنك المركزي لنقل الأموال والمعادن الثمينة عن حركة غير مفهومة جرت في ملف الذهب خلال الفترة الأخيرة. وأشار إلى أن الشركة نقلت خلال عام 2025 كميات كبيرة من المشغولات والسبائك والأحجار الكريمة والفضيات عالية الجودة إلى الإمارات، ثم فوجئت خلال الأشهر الأخيرة بحركة تصدير واسعة لطرود تصل إلى 250 كيلوغراما من الذهب ومئات الكيلوغرامات من الفضة لصالح شركات مصرية خاصة تعمل في سوق الصاغة بالحسين ومصر القديمة، عبر مستندات رسمية واعتمادات مصرفية وخروج منتظم من مطار القاهرة.
لكن الغريب، بحسب الشهادة نفسها، أن هذه الطرود أو ما يوازيها في الكميات كانت تعود بعد أيام أو خلال أسبوع واحد فقط من الإمارات عبر مطار القاهرة، ولصالح الشركة المصرية ذاتها، ومن الشركة الإماراتية نفسها. هذا النمط من الحركة، كما يقول المصدر، أثار همسا واسعا داخل العاملين في المجال، وفتح الباب أمام حديث عن عمليات غسل أموال محتملة تجري عبر تجارة الذهب. كما كشف المصدر عن صلات واسعة بين بعض كبار تجار الصاغة وبين الدهابة في أسوان والأقصر ومناطق البحر الأحمر والنوبة وحتى السودان، بما يسمح بدخول الخام إلى السوق أو تصديره ثم إعادته لاحقا وقد اكتسب مسارا قانونيا ورسميا.
ولا تتوقف المؤشرات المقلقة عند هذا الحد. فبحسب المصدر ذاته، شهدت الأيام الماضية عمليات شراء واسعة للمعدن الأصفر من قبل كبار التجار بالتزامن مع تراجع أسعاره في الشهرين الأخيرين، مع طلبات لنقل أموال تصل إلى مليار جنيه لشراء كميات كبيرة من الذهب بهدف السيطرة على السوق. وهذه الصورة تكشف أن الملف لا يتعلق بحركة استيراد وتصدير عادية فقط، بل يتصل أيضا بصراع على التحكم في السوق المحلية والتأثير في الأسعار ومراكز النفوذ.
من صراعات الدهابة إلى ظلال الأسماء الثقيلة
في موازاة هذه الحركة التجارية الملتبسة، يطرح التقرير أسئلة أخرى تتعلق بطبيعة الصراع على استخراج الذهب والتربح منه داخل مصر. فهناك، كما ورد، شواهد عديدة تشير إلى تنازع واسع حول السيطرة على المعدن الأصفر، سواء في مناطق التعدين التقليدي أو في مسارات التجارة والنقل. وقد زاد من حساسية هذا الملف ظهور أسماء قريبة من عالم الجريمة، وأخرى ذات صلات بجهات سيادية، الأمر الذي يجعل الحديث عن الذهب متجاوزا لمجرد الاقتصاد إلى مستويات أشد تعقيدا.
وفي هذا السياق وردت الإشارة إلى ما جرى بعد توقيف صبري نخنوخ في 2 يونيو، حين جرى تسريب مقطع لشخص عمل معه سابقا يزعم فيه وجود دور لإبراهيم العرجاني في تهريب الذهب، ومحاولة نخنوخ منافسته في هذا الملف. كما أضيف إلى الصورة قرار النيابة العامة التحفظ على أموال نخنوخ على خلفية اتهامات تتعلق بغسل الأموال المتحصلة من نشاط إجرامي. كذلك عاد اسم العرجاني للظهور في ما عرف إعلاميا بأزمة طائرة لوساكا، التي سافرت مرارا بين القاهرة ودبي وطرابلس، قبل أن تداهمها السلطات الزامبية في أغسطس 2023 وتحتجز من كانوا على متنها.
ويضيف أيمن صادق أن ما أثير حول أنشطة التعدين التقليدي والصراعات المرتبطة به، إلى جانب التسريبات الإعلامية والشعبية عن وجود شبكات مصالح متداخلة في تجارة الذهب، لا يمكن تجاهله، حتى لو لم يشكل بمفرده إدانة قانونية مكتملة. فهو يرى أن تكرار ورود الأسماء ذاتها في النقاش العام يفرض قدرا أعلى من الشفافية والتوضيح من الجهات المعنية، خصوصا حين يقترن ذلك بتحقيقات استقصائية تحدثت عن صلات محتملة بين بعض الوقائع وشركات أو طائرات مرتبطة بهذه الأسماء. ومع ذلك يحرص على التشديد على أن تلك الوقائع، منفردة أو مجتمعة، لا تكفي وحدها لإثبات وجود شبكة واحدة أو مسار غير قانوني متكامل، لكنها تكشف نمطا متكررا من التدفقات المالية وحركة المعادن في بيئة شديدة التعقيد.
هل يمتد الخيط إلى ذهب السودان
أحد المسارات التفسيرية المطروحة بقوة في هذا الملف يرتبط بالسودان. فمع استيراد مصر هذه الكميات الكبيرة من الذهب من الإمارات خلال فترة قصيرة، وفي ظل الاتهامات المتداولة منذ اندلاع الحرب السودانية بشأن تهريب الذهب السوداني عبر قنوات إقليمية متعددة، برزت تساؤلات عما إذا كان جزء من هذا الذهب قد يكون مرتبطا بذلك المسار. ويزداد حضور هذا السؤال بسبب كون الإمارات متهمة من جانب الجيش السوداني بتهريب كميات كبيرة من الذهب السوداني منذ اندلاع الحرب.
غير أن أيمن صادق يتعامل مع هذا الاحتمال بحذر واضح، فيقول إنه لا توجد أي أدلة معلنة تثبت أن الذهب الذي دخل مصر هو ذهب سوداني، أو أن مصر طرف في أي نشاط غير مشروع من هذا النوع. لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن من حق الرأي العام أن يطالب بمعرفة منشأ هذه الكميات الضخمة، ومدى خضوعها للرقابة الكافية، خاصة عندما نتحدث عن مليارات الدولارات تتحرك عبر مسار تجاري واحد وفي فترة زمنية قصيرة. ومن هنا فإن الملف السوداني يظل حاضرا في خلفية المشهد لا باعتباره حقيقة مثبتة، بل باعتباره سؤالا مفتوحا تعززه ظروف الإقليم المضطرب وتغذيه ضخامة الأرقام المعلنة.
ملف يتجاوز التجارة إلى النفوذ والرقابة
في الجهة المقابلة، تبدو الدولة المصرية حاضرة بقوة في قطاع الذهب، سواء عبر منجم السكري الذي يعد من أكبر مواقع الإنتاج في مصر والعالم، أو عبر خطط حكومية لزيادة الإنتاج وطرح مناقصات جديدة للتنقيب، أو من خلال مشروع المسح الجيوفيزيائي في قطاعات تشمل الصحراء الشرقية والغربية وسيناء. كما تستهدف خطط التنمية الاقتصادية زيادة إنتاج الذهب والفضة ورفع مبيعاتهما وعوائد الخزانة منهما خلال العام المالي المقبل، بما يعكس الأهمية المتزايدة التي تمنحها القاهرة لهذا القطاع.
لكن هذه الطموحات الرسمية لا تقلل من حجم الأسئلة، بل تزيدها حدة. فإذا كانت الدولة تتوسع في الإنتاج والتخطيط والتنقيب، فكيف يمكن فهم هذا الانفجار في الواردات بالتوازي مع تراجع الصادرات؟ وإذا كان الذهب قد أصبح موردا استراتيجيا مهما، فأين الشفافية الكافية التي تشرح للرأي العام طبيعة هذه التحركات، ومصدر المعدن، وآلية انتقاله، والجهات المستفيدة منه؟ هنا يخلص أيمن صادق إلى أن ما يجري لم يعد مجرد ملف اقتصادي أو تجاري، بل أصبح ملفا اقتصاديا وأمنيا وسياسيا بامتياز، مرتبطا بقضايا الحوكمة والرقابة والنفوذ والتمويل في الإقليم.
وفي ظل غياب الإجابات الواضحة، تبقى الأرقام القياسية، وحركة الطرود المتبادلة، والصراعات الدائرة حول التعدين، والاشتباهات المحيطة بالأسماء النافذة، كلها عناصر تدفع نحو سؤال واحد لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام نشاط تجاري استثنائي فرضته ظروف السوق والتحولات الإقليمية، أم أمام واحد من أكثر ملفات الذهب غموضا وتعقيدا في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

