يرى ثيو تساوسيدس، أستاذ علم النفس العصبي، أن تحقيق إنجاز كبير يمنح صاحبه شعورًا قويًا بالثقة والرضا، لكنه قد يتحول إلى فخ نفسي يبطئ التقدم إذا استسلم الشخص للاطمئنان المفرط. ويوضح أن كثيرين يظنون أن النجاح السابق يضمن النجاحات المقبلة، بينما يؤدي التوقف الطويل بعد الإنجاز إلى فقدان الزخم الذي يدفع الإنسان نحو أهداف جديدة.
ويشير سايكولوجي توداي إلى أن ما يعرف بـ"الزخم النفسي" يمثل قوة داخلية تعزز الإحساس بالكفاءة وتزيد الثقة في القدرة على تحقيق النجاح مستقبلًا. ويعتمد هذا الزخم على حلقة متواصلة من الجهد والتقدم، إذ يغذي كل تقدم جديد الدافع للاستمرار، بينما يؤدي التوقف عن بذل الجهد إلى إضعاف هذه الحلقة تدريجيًا حتى تتلاشى.
الإنجاز الكبير قد يقود إلى الركود
يسرد الكاتب قصة "أليكس"، الذي حلم سنوات طويلة بإصدار كتابه الأول، وبذل جهدًا كبيرًا في البحث والكتابة والمراجعة حتى رأى كتابه على رفوف المكتبات. وبعد صدور الكتاب شعر بالرضا الكامل، وقرر أن يمنح نفسه فترة راحة قبل البدء في تأليف كتاب جديد.
في البداية بدا القرار منطقيًا، فقد اكتسب أليكس ثقة كبيرة بنفسه واختفى شعوره بعدم الكفاءة الذي لازمه سابقًا. لكنه مع مرور الوقت قلّل ساعات الكتابة، وتراجع اهتمامه بالبحث، وتراكمت الأفكار دون أن يحولها إلى مشروع حقيقي. وبدلًا من استثمار نجاحه الأول نقطة انطلاق، تحول الإنجاز إلى محطة توقف طويلة أفقدته الحماس.
وبعد سنوات بدأ يشك في قدرته على كتابة كتاب ثانٍ، وعادت إليه مشاعر القلق وعدم الثقة، وأصبح يرى أن أفكاره لم تعد مبتكرة أو تستحق النشر. وهكذا اختفى الزخم الذي ساعده في الوصول إلى هدفه الأول.
ويؤكد الكاتب أن هذه الحالة لا تعني الكسل أو ضعف الإرادة، بل تعكس ما يسمى "الرضا المفرط"، وهو شعور يمنح صاحبه إحساسًا زائفًا بالأمان اعتمادًا على نجاح سابق، فيظن أن النجاح المستقبلي سيأتي بسهولة عندما يقرر العودة إلى العمل.
لماذا يفقد الإنسان الزخم بعد النجاح؟
يوضح المقال أن الزخم النفسي يقوم على دورة متصلة؛ إذ يدفع العمل إلى تحقيق تقدم، ويولد التقدم شعورًا بالثقة والتفاؤل، ثم يحفز ذلك على بذل مزيد من الجهد، فتتكرر الدورة باستمرار.
لكن الإنجاز الكبير قد يكسر هذه الحلقة، لأن كثيرًا من الأشخاص يخففون مستوى الجهد بعد الوصول إلى الهدف، ويحولون اهتمامهم إلى أهداف أخرى أو يكتفون بالاحتفال بما حققوه. وتشير أبحاث نفسية إلى أن الإحساس بإحراز تقدم كبير قد يدفع الإنسان إلى التراخي، وهو ما يقلل الإنتاجية تدريجيًا ويضعف الدافع الداخلي.
ويضرب الكاتب أمثلة أخرى لهذه الظاهرة؛ فقد يعتقد شخص فقد وزنًا زائدًا أنه يستطيع تكرار التجربة متى شاء، أو يظن موظف اعتاد العثور على وظائف بسهولة أن الفرصة المقبلة ستأتي تلقائيًا، بينما تختلف الظروف مع مرور الوقت، ويصبح النجاح السابق غير كافٍ لضمان النجاح الجديد.
كيف يحافظ الإنسان على الزخم؟
يشدد الكاتب على أهمية الاحتفال بالإنجازات دون تحويلها إلى نقطة نهاية، فالتقدير الصحي للنجاح يمنح صاحبه دافعًا للاستمرار، بينما يؤدي الاكتفاء به إلى الوقوع في دائرة الركود.
كما ينصح بصناعة انتصارات صغيرة ترتبط بالجهد المبذول لا بالنتائج النهائية، لأن التركيز على أداء المهام اليومية يمنح الشخص شعورًا مستمرًا بالتقدم، حتى إذا تأخرت النتائج. فإذا كان الهدف الحصول على وظيفة جديدة، فإن البحث المنتظم وإرسال طلبات التوظيف وبناء شبكة علاقات مهنية يمثل نجاحات صغيرة تدعم الاستمرار. وإذا كان الهدف خسارة الوزن، فإن الالتزام بعادات صحية يومية يعد تقدمًا حقيقيًا حتى قبل ظهور النتائج على الميزان.
ويرى الكاتب أن الاستمرارية تمثل العنصر الأكثر أهمية في الحفاظ على الزخم. فالعادات لا تحتاج إلى انتظار اللحظة المثالية، بل تبدأ بقرار واضح يلتزم صاحبه بخطوات بسيطة ومتكررة. ولو واصل أليكس كتابة صفحة واحدة فقط كل أسبوع بعد نشر كتابه الأول، لامتلك بعد عشر سنوات أكثر من خمسمائة صفحة تصلح أساسًا لكتاب جديد.
ويختتم المقال بالتأكيد على أن الرضا المفرط ليس حكمًا دائمًا، وأن استعادة الزخم تبدأ بخطوة صغيرة تتكرر باستمرار. فكل جهد منتظم يقرب الإنسان من هدفه، ويحوّل الأحلام المؤجلة إلى إنجازات جديدة، ويمنع النجاح السابق من أن يصبح العقبة الأكبر أمام النجاح القادم.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/smashing-the-brainblocks/202606/the-hidden-cost-of-resting-on-your-laurels

