د. عصام تليمة

من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن

 

الدكتور عمار علي حسن كاتب رزق قلما سيالا، وحضورا إعلاميا، وبحثيا، يتسم قلمه بالرشاقة، والإنصاف والجدة العلمية، وبحكم إكثاره من الكتابة، فمن الطبيعي أن تتفق وتختلف معه فيما يطرح، لكن تقدر وتحترم طرحه، وقد طرح فكرة: أخونة الدولة، في مقالين مؤخرا، كان عنوانهما: سياسة الأخونة.. هل كانت مسارا حقيقيا أم مبالغة إعلامية؟!

 

وقد تناول وجهتي النظر المؤيدة والرافضة لأخونة الدولة، وهل كانت وهما أم حقيقة؟ وإن مال إلى وجود الفكرة في عقلية التنظيم وأتباعه، والمنظرين له، وأنهم أخفقوا في ذلك لأسباب ذكرها في مقاله الثاني، وإنني أختلف مع الصديق العزيز دكتور عمار، في عدة مسائل في مقاليه، لكن قبل الحديث عن مواطن الخلاف، أود التمهيد والحديث بما يسميه علماء الفقه والأصول: تحرير موضع النزاع، فنرى فيم يُختلف مع عمار علي حسن وفيما يُتفق؟

 

إن من مواضع الاتفاق والتي ينبغي أن نبني عليها، أن الحديث عن الإخوان سواء بالنقد، أو الدفاع عنهم، هو لصالح الإخوان، وعليهم أن يستفيدوا من كل طرح عنهم، سواء كان من خصومهم، أو من مؤيديهم، أو من الباحثين المحايدين، وأن يتقبلوا كل نقد لتاريخهم البعيد والقريب، وأن يكون ذلك أساسا مهما لتطوير أدائهم، وتجنب ما مضى من إخفاق.

 

البعض طرح سؤالا: لماذا يطرح عمار علي حسن هذا الحديث الآن؟ وهل الإخوان في الحكم حتى يناقش ذلك؟ ولماذا لا يهتم بالحديث عن الواقع السياسي البائس في مصر؟ وهي أسئلة يمكن أن توجه لسياسي منافس في الحكم للإخوان، أو معارض سياسي لهم ولفكرتهم، لكن الباحث ليس بالضرورة أن يكون هناك سياق لما يقدم من بحوث أو مقالات، صحيح أن كثيرا من المقالات والبحوث من المهم أن تكون مواكبة للأحداث، ومعالجة لمشكلات آنية، لكن جزءا من البحث العلمي والكتابة، يتعلق بالماضي البعيد والقريب، وبخاصة أن تجربة الإخوان ليست تجربة قد قامت وانتهت، ولم يعد لها وجود، بل هي تجربة لا تزال باقية، ولا يزال التنظيم موجود، رغم ضعفه وتشرذمه، لكنه يظل البديل المطروح، وهو ما نراه في تصريحات الساسة العرب والغربيين.

 

وقد أخطأ الإخوان حين كانوا يؤجلون طرح قضايا فكرية وسياسية ومراجعات نقدية لمسيرتهم، وذلك قبل ثورة يناير، متذرعين بأنهم ليسوا دولة، ولا مطروحا عليهم أن يتوسدوا مواقع في الدولة، فلم الانشغال بقضايا المواطنة، وقضايا شكل الدولة، وموقع الفقيه أو الداعية من السلطة والدولة، حيث إن أفق التغيير في زمن مبارك لم يكن ينبئ بفرصة، وهو ما كنت ألوم عليه كثيرين من قيادات الجماعة، فكنت أقول لهم: إذا كنتم لم تتمكنوا من إقامة الدولة على أرض الواقع، فلماذا لا تقيمونها أولا على الورق والبحث والفكر، حتى إذا ما جاءت الفرصة كانت لديكم أدبيات، تكون قابلة للتطبيق، أو للتطوير.

 

أما ما يختلف فيه مع عمار علي حسن، فهو أن الأخونة مصطلح لم يعرف تعريفا يمكن أن نحاكم الإخوان عليه، وهل فعلا يوجد مشروع أخونة لدى الإخوان، وما ذهب إليه أن الذين قالوا بأحقية الإخوان كأي حزب أن يحكم، ويستعين برجاله في الحكم، بأن الإخوان جماعة أيديولوجية، وليست حزبا سياسيا، حتى يكون لديهم أحقية في الأخونة، وذلك بالاستعانة بكوادرهم في الحكم.

 

وكان ينبغي أن يتم الإجابة على هذه الأسئلة حتى يصل لهذه النتيجة وغيرها، مثل: ما التعريف الدقيق لمصطلح الأخونة؟ وهل خطط الإخوان فعلا لأخونة الدولة؟ وما مظاهر هذه الأخونة؟ وهل يملك الإخوان خطة بذلك سواء معلنة أم سرية؟ وأين هي هذه الخطة؟ وما أبرز مظاهرها؟ وهل لدى الإخوان أدبيات بذلك؟ وهل الأخونة أمر مشروع أم ممنوع؟ وإذا كان لدى الإخوان خطة بالأخونة، فهل يملكون كوادر ورؤية لتنفيذها؟ وماذا وجد الباحثون القائلون بأخونة الدولة، من أخونة ملموسة وليست موهومة، أو متخيلة في الرؤوس؟

 

الإجابة عن هذه الأسئلة ستثبت أن الأمر أشبه بنقاش حول تصور تخيلي للإخوان، ومدى تفكيرهم في أخونة الدولة، وهل كان الأولى بخصوم الإخوان العمل بمنافسة سياسية، بدل إلقاء التهم على الإخوان، وهو بالمناسبة رأي عمار علي حسن والأستاذ عماد الدين حسين في أغسطس 2012م، حيث انتقد عمار علي حسن المعركة الوهمية حول أخونة الدولة، وقال: إن على أصحاب هذه الاتهامات أن يدركوا أن الطريق الصحيح لممارسة العمل السياسي ليس توجيه الاتهامات، وإنما العمل الحقيقي والجاد والمنظم من أجل مستقبل مصر.

 

وأضاف: إن من يخشون من سيطرة الإخوان عليهم الدخول بقوة وجدية إلى المعترك السياسي عبر إنشاء أحزاب حقيقية ترتبط بالشارع وتعبر عن نبضه، ولا تكتفي بالظهور في وسائل الإعلام، مؤكدا أن الاستقرار والتوازن سيتحقق عندما تتشكل في مصر قوة سياسية كبيرة يمكنها التنافس مع الإخوان في انتخابات حرة.

 

كان هذا رأي عمار علي حسن قبل الانقلاب العسكري بأقل من عام، وهو ما ذهب إليه عماد الدين حسين أيضا في تصريحات لموقع الجزيرة نت، وهو ما نتفق معه فيما ذهب إليه سابقا، فالإخوان أتوا بالصندوق، ومن اليسير جدا ذهابهم بالصندوق كذلك، وهو ما حدث في أوج قوة وحكم الإخوان، فكل المواقع التي خسرها الإخوان، وكانوا يربحونها وهم في المعارضة، خسروها وهم في الحكم، في انتخابات اتحاد طلاب، ونقابات.

 

بل إن موقع رئيس الجامعة ذهب لعضو سابق في الحزب الوطني وهو الدكتور جابر نصار، وقد جاء بانتخابات، ومنصب مفتي الجمهورية جاء بانتخابات لم يكن فيها مرشح واحد إخوان، والمرشح الوحيد الذي كان عليه توافق للمنصب، أصر على الرفض، ليذهب المنصب للدكتور شوقي علام.

 

ما أختلف مع عمار علي حسن، هو الاستناد إلى أدبيات تنقل عن حسن البنا، بعبارات حمالة أوجه، وذلك دون الرجوع إلى تجارب الرجل، والتي تمتلئ بمراجعات في هذا الباب تحديدا، وكلام البنا ليس معناه أخونة المجتمع، والذهاب إلى أن فحوى كلامه يدل على أنه يريد إسلاما بفهم معين، فعند العودة لأدبيات البنا المختلفة، سنجد أنه بين في مواطن أخرى، أن منع الخلاف في الفروع أمر متعذر، فانتزاع عبارة أو فقرة، أو فكرة، من رسائل البنا، دون وضعها في سياقها، ومدلولها، وهكذا كثير من القضايا التي تنقل عنه وعن رموز أخر.

 

ما أختلف معه أيضا فيه، أن الحجة التي تساق لأحقية خسارة الإخوان للحكم، أنهم دخلوا الحكم وليس لديهم أدوات تمكنهم من إدارة الدولة، فالقوة الناعمة والصلبة لا يمتلكون منها شيئا، وهو ما ينسف فكرة الأخونة، إذ كيف يسعى الإخوان لأخونة لا يمتلكون رؤية لتنفيذها ولا وسائل لتطبيقها؟ وهي نفس حجة حزب النور لتأييده الانقلاب، رغم أن حزب النور أكثر من طنطن بأخونة الدولة، بل ادعى بأن لديه قوائم بها، ولم تظهر القوائم، ولم يكن دوره سوى خنجر في ظهر الإخوان وثورة يناير.

 

وهو ما اعترف به عمار علي حسن في ختام مقاله الثاني، فرد إخفاق الإخوان في أخونة الدولة، لوجود رفض عام من النخب والمجتمع السياسي بذلك، وافتقار الإخوان لكفاءات تعمل في دولاب الدولة، وهو أمر لا تفتقر إليه الإخوان فقط، بل جل الأحزاب السياسية، واعتراف عمار علي حسن برد السبب لتراجع ثقافة الحوار والاختلاف والإبداع داخل المجتمع بوجه عام.

 

والمؤسف أن الصراع دار بين الإخوان ومعارضيهم، حول الأخونة، وهو أمر موهوم ومتخيل في تصوري، أو مؤجل، بينما ترك الجميع الأمر المتفق عليه، وهو أمر واقع، وهو العسكرة، وما اتهم به مرسي والإخوان، بالميل للعشيرة، هو عين ما مارسه السيسي نفسه، فتم تعيين الأقارب والأصهار في مواقع حساسة في الدولة، دون سماع صوت من الذين ملأوا الدنيا ضجيجا وقت حكم الإخوان، بالأخونة!!