أعلنت سلطنة عُمان إتاحة ممر بحري مؤقت أمام السفن الراغبة في عبور مضيق هرمز، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، وفق إحداثيات معلنة وبلا رسوم عبور، في خطوة تعكس محاولة عاجلة لاحتواء اضطراب أحد أخطر الشرايين البحرية في العالم.
ولا تبدو الخطوة العُمانية مجرد ترتيب ملاحي فني، بل مناورة دبلوماسية محسوبة في منطقة تقف على حافة صراع واسع، حيث يتحول المضيق الذي يعبر منه نحو خُمس النفط العالمي إلى مرآة لتوازنات القوة بين طهران وواشنطن ودول الخليج والأسواق الدولية.
ممر مؤقت لتخفيف الخطر
جاء الإعلان العُماني مساء الثلاثاء ليمنح السفن خياراً مؤقتاً للعبور عبر مضيق هرمز، على أن يتم التنسيق مسبقاً مع المنظمة البحرية الدولية، بما يضمن إدارة الحركة البحرية وفق مسارات محددة تقلل مخاطر التصادم أو التعرض للتهديدات الأمنية.
وأكدت مسقط أن تحركها ينطلق من مسؤوليتها تجاه المضيق وأهميته للاقتصاد العالمي، ومن التزامها بالقانون الدولي وقانون البحار وحرية الملاحة، مع التشديد على أن العبور لن يكون مرتبطاً بفرض رسوم على السفن.
وتأتي هذه الصيغة الحذرة في وقت لا تزال فيه حركة السفن في الخليج تتأثر بتداعيات التصعيد الأميركي الإيراني، إذ تحدثت المنظمة البحرية الدولية عن خطة لإجلاء ومساعدة مئات السفن العالقة وعلى متنها نحو 11 ألف بحار.
وبحسب تقارير دولية، فإن المنظمة البحرية الدولية حصلت على ضمانات أمنية من الأطراف المعنية، وبدأت تنسيق العبور على مراحل، مع استخدام مسارات مؤقتة شمالية وجنوبية بدلاً من نظام الفصل المروري التقليدي الذي أصبح غير آمن في الظروف الحالية.
وبذلك تحاول عُمان تخفيف الضغط عن المضيق دون تحويل نفسها إلى طرف صدامي، فهي لا تغلق الباب أمام ترتيبات مستقبلية مع إيران، لكنها في الوقت نفسه تضع حرية الملاحة وعدم فرض الرسوم في صدارة الخطاب الرسمي.
دبلوماسية مسقط بين واشنطن وطهران
بالتوازي مع الممر المؤقت، اتفقت عُمان وإيران على تشكيل فريق عمل مشترك لمواصلة الحوار حول الإدارة المستقبلية للملاحة والخدمات البحرية في مضيق هرمز، عقب مباحثات في مسقط شارك فيها رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي.
ويكشف هذا الاتفاق أن مسقط لا تتعامل مع الأزمة باعتبارها طارئة لوجستية فقط، بل بوصفها ملفاً سياسياً طويل الأمد يحتاج إلى ترتيبات إقليمية تمنع المضيق من التحول إلى ورقة ابتزاز أو ساحة مواجهة مفتوحة.
إيران، من جهتها، تريد أن تكون شريكاً مركزياً في أي نظام جديد لإدارة الملاحة، مستندة إلى موقعها الجغرافي على أحد جانبي المضيق، بينما تسعى عُمان إلى تثبيت دورها كضامن للتوازن ووسيط موثوق بين الخصوم.
لكن الحساسية تكمن في أن أي حديث عن إدارة مشتركة للملاحة يثير قلقاً دولياً فورياً، خصوصاً إذا اقترب من فكرة الرسوم أو القيود، لأن مضيق هرمز ليس ممراً محلياً عادياً بل شرياناً عالمياً للطاقة والتجارة.
لذلك حرصت عُمان على تأكيد أن الممر المؤقت لا يفرض رسوماً، وأنه يجري بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، في رسالة مزدوجة إلى الأسواق والدول الكبرى مفادها أن مسقط تتحرك داخل القانون الدولي لا خارجه.
وتزداد أهمية هذه الرسالة في ضوء اعتراضات أميركية وغربية على أي ترتيبات قد تُفهم باعتبارها تقييداً للملاحة أو محاولة لفرض كلفة على العبور في ممر دولي بالغ الحساسية.
هرمز بين النفط والسيادة والابتزاز
يمثل مضيق هرمز نقطة الاختناق الأهم في تجارة الطاقة العالمية، إذ تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز من الخليج إلى آسيا وأوروبا والأسواق الدولية، ولذلك فإن أي اضطراب فيه ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة والتأمين والشحن.
ومن هنا، لا يمكن قراءة التحرك العُماني بمعزل عن قلق الأسواق، فالممر المؤقت ليس مجرد خط على خريطة بحرية، بل محاولة لطمأنة شركات الشحن والتأمين والدول المستوردة للطاقة بأن باب الخليج لم يغلق بالكامل.
ومع ذلك، فإن الطابع المؤقت للترتيب يكشف أن الأزمة لم تنته، بل جرى فقط فتح نافذة عبور منظمة وسط ضباب سياسي وأمني كثيف، بينما تبقى الإدارة المستقبلية للمضيق محل تفاوض ومساومة واختبار للقانون الدولي.
كما أن وجود فريق عُماني إيراني لإدارة الحوار قد يفتح الباب أمام إشراك دول خليجية وأطراف دولية أخرى، لأن أي صيغة دائمة لا يمكن أن تستقر إذا بدت حكراً على طرفين أو أداة ضغط على حركة التجارة.
وفي الخلفية، تظل تفاهمات خفض التوتر بين الولايات المتحدة وإيران عاملاً مؤثراً في حركة المضيق، إذ تشير تقارير إلى أن الترتيبات البحرية جاءت ضمن مسار دبلوماسي أوسع لتثبيت التهدئة ومنع توسع الاشتباك.
لكن نجاح هذا المسار سيعتمد على سؤالين حاسمين: هل تستطيع عُمان الحفاظ على الممر مفتوحاً بلا رسوم أو قيود سياسية، وهل تقبل إيران بتحويل دورها في المضيق إلى شراكة أمنية لا أداة ابتزاز إقليمي.
في النهاية، تبدو عُمان وكأنها تحاول نزع فتيل قنبلة بحرية قبل انفجارها، عبر ممر مؤقت ورسالة قانونية ودبلوماسية هادئة، لكن مستقبل هرمز سيبقى معلقاً بين حرية الملاحة وحسابات السيادة والتوتر الأميركي الإيراني.

