أعلنت وزارة الدفاع الروسية، اليوم السبت، إسقاط 187 مسيرة أوكرانية فوق مقاطعات جنوب غربي روسيا والقرم والبحرين الأسود وآزوف، خلال ليلة واحدة، في هجوم واسع أكد انتقال الحرب إلى عمق روسي أكثر حساسية.

 

وفي المقابل، تكشف الواقعة أن الحرب لم تعد محصورة في الجبهات الأوكرانية، بل صارت حرب استنزاف عابرة للحدود، يدفع المدنيون كلفتها، بينما تتحول المدن والطاقة والبنية التحتية إلى رسائل تفاوض دامية.

 

مسيرات تضرب العمق الروسي

 

بداية، يشير رقم 187 مسيرة إلى تصعيد غير عادي في حرب الطائرات بلا طيار، لأن هذا الحجم من الهجمات يعكس قدرة أوكرانية متزايدة على إرباك الدفاعات الروسية وإجبار موسكو على الدفاع داخل أراضيها.

 

وبالتالي، لم تعد روسيا قادرة على تقديم الحرب لمواطنيها كعملية بعيدة عن الداخل، فالمسيرات التي تصل إلى المقاطعات الروسية تفضح هشاشة خطاب القوة، وتعيد آثار الغزو إلى المجتمع الذي حاول الكرملين عزله.

 

كما أن استهداف مناطق جنوب غربي روسيا يعبر عن تحول في قواعد الاشتباك، إذ تريد كييف نقل الضغط إلى العمق الروسي، بعدما ظلت مدنها ومنشآتها تتلقى الصواريخ والمسيرات الروسية منذ فبراير 2022.

 

فضلا عن ذلك، لا يمكن فصل الهجمات الأخيرة عن تصاعد الضربات المتبادلة على منشآت الطاقة، فالطاقة أصبحت ساحة حرب موازية، تستهدف الاقتصاد والوقود والقدرة العسكرية، لا مجرد هدف جانبي في المعركة.

 

لذلك، يرى لورانس فريدمان أن قطاع النفط الروسي يمثل هدفا شديد الأهمية لاقتصاد موسكو ومجهودها الحربي، وهو ما يفسر إصرار كييف على توسيع ضرباتها نحو المصافي والمخازن الحساسة.

 

ومن ثم، فإن إسقاط المسيرات لا يعني انتفاء الخطر، لأن مجرد إطلاق هذا العدد يجبر روسيا على استنزاف دفاعاتها، ويفتح سؤالا داخليا حول تكلفة حرب وعدت السلطة بأنها تحت السيطرة.

 

غير أن الرد الروسي المتوقع لا ينفصل عن منطق العقاب الجماعي، إذ عادة ما تقابل موسكو الهجمات العميقة بضربات صاروخية على المدن الأوكرانية، فتتسع دائرة المدنيين الذين يدفعون ثمن التصعيد المتبادل.

 

علاوة على ذلك، يكشف حديث بوتين عن توسيع نطاق العملية العسكرية أن موسكو لا تقرأ الهجمات كإنذار لوقف الحرب، بل كذريعة لدفع الجبهة أبعد وفرض منطقة عازلة بالقوة.

جنيف بين التفاوض والاستنزاف

 

في المقابل، جاءت مفاوضات جنيف يومي 17 و18 فبراير لتؤكد أن السياسة تسير خلف المدافع لا أمامها، فقد استغرقت الجولة الأولى نحو 6 ساعات، ثم تقلصت الثانية إلى ساعتين فقط.

 

بناء على ذلك، تبدو عبارة فلاديمير ميدينسكي عن مفاوضات صعبة لكنها عملية أقرب إلى توصيف مأزق، لا تقدم حقيقي، لأن الطرفين ما زالا يتفاوضان تحت ضغط الميدان وشروطه القصوى.

 

كذلك، قال زيلينسكي إن هناك لقاء جديدا قريبا لمواصلة النقاش، لكن استمرار الهجمات المتبادلة يجعل أي حديث عن تسوية محكوما بالخوف من أن تتحول المفاوضات إلى إدارة للحرب لا إنهائها.

 

ثم إن احتمال استئناف الجولة المقبلة في جنيف يعكس رغبة في إبقاء القناة مفتوحة، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: هل يجري التفاوض لإنقاذ المدنيين أم لترتيب تنازلات تحت النار.

 

ومن زاوية أخرى، يرى صامويل شاراب وسيرغي رادتشينكو أن محاولات السلام السابقة بالغت في الطموح قبل تحقيق وقف إطلاق نار أساسي، وهو درس قاس يتكرر حين تسبق هندسة التسوية وقف القتل.

 

على هذا الأساس، تصبح جنيف مرآة للفشل الدولي، فالدبلوماسية لا تستطيع إقناع الشعوب بجدواها إذا بقيت الطائرات المسيرة والصواريخ تتكلم بصوت أعلى من المفاوضين والوسطاء والبيانات الختامية.

 

إلى جانب ذلك، تحاول موسكو استخدام المفاوضات لإثبات أنها طرف لا يمكن تجاوزه، بينما تحاول كييف انتزاع ضمانات أمنية تمنع عودة الغزو، فتتحول الطاولة إلى امتداد للجبهة بوسائل أخرى.

 

ومع ذلك، لا يظهر أن التفاوض يقترب من معالجة جوهر الحرب، وهو الاحتلال والسيادة والحدود، بل يدور حول وقف مؤقت أو خطوط تماس قد تتحول إلى قنابل مؤجلة.

 

خطة ترامب وصفقة الأراضي

 

أما خطة ترامب، فتفتح بابا أخطر من باب التفاوض، لأنها تنقل الحرب من سؤال العدوان والحقوق إلى منطق الصفقة، حيث يصبح التنازل عن الأرض ثمنا مفترضا لإنهاء نزيف لم يبدأه الأوكرانيون.

 

وفوق ذلك، تتحدث مسودة الخطة عن تنازل كييف عن أراض لروسيا، واعتراف أمريكي بحكم الواقع في القرم ومناطق استحوذت عليها موسكو، مع تقليص حجم الجيش الأوكراني.

 

نتيجة لذلك، تبدو الخطة كأنها تكافئ القوة العسكرية لا القانون الدولي، لأنها تقول للضحية إن بقاءها يتطلب تقليص جيشها، وتقول للمعتدي إن السيطرة الميدانية قد تتحول لاحقا إلى اعتراف سياسي.

 

في هذا السياق، حذرت فيونا هيل من أن القيادة الروسية لا تبدو راغبة في مفاوضات حقيقية ما دامت ترى الوقت والموارد في صالحها، وهو ما يجعل أي سلام متسرع أقرب إلى استراحة حرب.

 

بالمثل، ترى تاتيانا ستانوفايا أن بوتين يرفض فهم أن المجتمع الأوكراني ونخبه لن يتحولا إلى طرف موال لموسكو، ما يجعل فرض تسوية من الخارج وصفة لمقاومة أطول.

 

لهذا، فإن الاعتراف بحكم الواقع في القرم والأراضي المحتلة لا يعني إنهاء الحرب بالضرورة، بل قد يؤسس لسابقة خطيرة تجعل الحدود قابلة للبيع تحت ضغط الصواريخ والدبابات والصفقات الكبرى.

 

ومن هنا، تبدو واشنطن في خطة ترامب كوسيط يميل إلى منطق الربح السريع، لا إلى عدالة التسوية، إذ يجري اختزال أمن أوكرانيا وسيادتها في بنود تفاوضية ترضي موسكو وتريح الغرب.

 

وبينما تواصل المسيرات الأوكرانية اختراق العمق الروسي، وتواصل روسيا ضرب المدن الأوكرانية، يظهر أن خطة التنازل عن الأرض لا تعالج أسباب الحرب، بل تحاول إغلاق الملف على حساب الضحية.

 

في المحصلة، تكشف المسيرات والمفاوضات وخطة ترامب وجها واحدا للحرب: ميدان مشتعل، وطاولة عاجزة، وصفقة دولية محتملة، بينما يبقى المدنيون الأوكرانيون والروس وقودا لصراع لا يريد الكبار دفع ثمنه.

 

أخيرا، لا يصنع إسقاط 187 مسيرة نصرا روسيا، ولا تصنع مفاوضات جنيف سلاما، ولا تصنع خطة ترامب عدلا، فالحرب التي تكافئ الاحتلال وتساوم على السيادة لا تنتهي بل تغير شكلها.