أعلنت وزارة الأوقاف تحركها أمام مجلس النواب في القاهرة لمناقشة وقف الأمير مصطفى عبد المنان الذي تقدر مساحته بنحو 420 ألف فدان في كفر الشيخ والدقهلية ودمياط بعد جدل واسع حول أراض تمثل قرابة 7% من الرقعة الزراعية في مصر وانتهى الاجتماع بوعد حكومي بحل جذري قريب.

 

وجاء هذا التحرك بعد أسابيع من تجميد معاملات المواطنين على أراض واسعة بسبب منشور الشهر العقاري رقم 8 لسنة 2026 وهو قرار وضع آلاف الأسر أمام مأزق قانوني مباشر بين عقود قائمة ومصالح معطلة وجهة حكومية تتحدث عن صون الوقف بعد عقود طويلة من غياب الحسم الإداري.

 

 

قرار الشهر العقاري يحاصر المواطنين بدل حسم النزاع

 

بدأت الأزمة عملياً حين أصدرت مصلحة الشهر العقاري والتوثيق منشوراً فنياً بوقف التعاملات والتصرفات على الأراضي محل حجة وقف الأمير مصطفى عبد المنان لحين انتهاء الفحص والحصر فتحول ملف قديم داخل دفاتر الدولة إلى أزمة يومية في التسجيل والتصالح والبيع والرهن وإثبات الملكية.

 

وبحسب البيانات المتداولة عن الوقف تتوزع المساحات على 3 محافظات رئيسية حيث تستحوذ كفر الشيخ على نحو 256 ألف فدان وتضم الدقهلية نحو 74 ألف فدان بينما تصل مساحة دمياط إلى نحو 89 ألف فدان وهي أرقام جعلت القرار الإداري يمس قرى ومراكز كاملة لا مجرد قطع متنازع عليها.

 

ثم زاد الغضب الشعبي لأن المنشور لم يفرق بوضوح بين نزاع الأوقاف مع جهات الدولة وبين مراكز قانونية استقرت لمواطنين اشتروا وبنوا وزرعوا وتعاملوا مع مؤسسات رسمية لسنوات وهو ما جعل الدولة تبدو كأنها تعاقب أصحاب الحقوق على فشلها في ضبط أرشيف أملاكها.

 

وفي هذا السياق قال ضياء الدين داود المحامي والنائب البرلماني إن وقف عبد المنان يعادل 7% من إجمالي الأراضي الزراعية في مصر وإن النزاع ممتد منذ نحو 40 عاماً من دون أن تثبت وزارة الأوقاف أو هيئة الأوقاف سيطرة فعلية على هذه الأراضي طوال تلك الفترة.

 

 

البرلمان يدخل متأخراً بعد اتساع الخسائر القانونية

 

تحرك مجلس النواب جاء بعد أن تمددت آثار القرار خارج الأوراق الرسمية فتعطلت ملفات التصالح في مخالفات البناء وتوقفت معاملات الشهر العقاري وارتبكت مراكز مالية وأسرية مرتبطة بالأرض وهو ما جعل الجلسة البرلمانية أقرب إلى محاولة احتواء سياسي لأزمة صنعتها بيروقراطية الدولة ثم فوجئت بحجمها.

 

وخلال الاجتماع عرض وزير الأوقاف أسامة الأزهري موقف الوزارة أمام لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية وقال إن الدولة تعمل على حل جذري عاجل لكل أمور التصالحات والشهر العقاري مع تعويض هيئة الأوقاف بأراض بديلة بما يحفظ حق الوقف ويرفع الحرج عن المواطنين.

 

لكن هذه الصيغة الحكومية تكشف أن القرار الأول لم يقدر أثره الاجتماعي والقانوني قبل صدوره لأن الدولة عادت لتتحدث عن حقوق المواطنين بعد أن جمدت معاملاتهم بالفعل وجعلت الحل مشروطاً بتسويات بين مؤسسات رسمية لا يتحمل المواطن مسؤولية تأخرها أو تضاربها.

 

وعلى المسار القضائي أقام المحامي أحمد يحيى فايد طعناً مستعجلاً أمام القضاء الإداري ضد قرار منع التعامل مطالباً بوقف تنفيذه وإلغائه ومعتبراً أن القرار ينطوي على مخالفات قانونية وشبهة إساءة استعمال السلطة لأنه عطل مصالح الناس رغم وجود مراكز قانونية مستقرة وأحكام سابقة في النزاع.

 

 

حجة الوقف الغائبة تضع الأوقاف في موضع مساءلة

 

تستند هيئة الأوقاف إلى حجة وقف قديمة تعود إلى العهد العثماني بينما يطالب المتضررون بإظهار أصل الحجة لا صور أو بيانات صادرة من الجهة صاحبة المصلحة لأن النزاع لا يتعلق برواية تاريخية بل بحقوق ملكية ومعاملات رسمية ومصالح زراعية وعمرانية لا يجوز تجميدها بقرار واسع.

 

وفي هذا المحور قال رجاء محمد كبير الخبراء السابق في الأوقاف إن أصل حجة ملكية الأراضي ليس موجوداً عند الدولة ولم يره أحد حتى الآن مطالباً بإظهار أصل الحجة ومشيراً إلى أن الصور الضوئية لا يعتد بها قانوناً وأن قرار وقف التصرف ستكون له آثار سلبية على المواطنين والاستثمار.

 

كما يعزز هذا الرأي ما نشرته الشروق عن حكم لمحكمة النقض في مايو 2024 ألغى حكماً اعتد بصحة حجة الوقف بعد تقرير خبير وأكد أن الأوراق خلت من دليل يؤيد التقرير الذي أعدته هيئة الأوقاف ذاتها بما يمنع الجهة من اتخاذ عملها دليلاً ضد الغير.

 

لذلك تبدو الأزمة أعمق من عنوان أمير عثماني يملك 7% من زراعات مصر لأن جوهرها يتعلق بطريقة إدارة الدولة لملف الملكية العامة والخاصة وكيف تحولت مستندات غير محسومة إلى أداة لتعطيل مواطنين بينما كان على الحكومة أن تنهي النزاع بين مؤسساتها قبل الاقتراب من حقوق الأفراد.

 

 

حل جذري أم التفاف جديد على حقوق أصحاب الأرض

 

الوعد الحكومي بحل جذري قريب لا يكفي وحده ما لم يبدأ بإلغاء آثار منشور الشهر العقاري على المواطنين وفتح باب التصالح والتسجيل فوراً في الحالات المستقرة ثم فصل نزاع هيئة الأوقاف مع الدولة عن الملاك والحائزين الذين تعاملوا مع مؤسسات رسمية ولم يخترعوا هذه الفوضى.

 

ويفترض أن يكون تعويض هيئة الأوقاف بأراض بديلة اعترافاً ضمنياً بأن تحميل المواطنين تكلفة النزاع كان خطأ سياسياً وقانونياً لأن الوقف إذا كان حقاً عاماً فيحتاج إلى حماية موثقة أما إذا ظلت أدلته محل نزاع فلا يجوز أن يتحول الشك إلى عقوبة جماعية على سكان 3 محافظات.

 

ومن ناحية أخرى لا تستطيع الحكومة أن تطلب ثقة الناس في الشهر العقاري والتصالح والرقمنة ثم تصدر منشوراً واحداً يوقف حركة الملكية على مئات الآلاف من الأفدنة لأن الاستثمار الزراعي والعقاري لا يعيش في ظل قرارات مفاجئة تجعل العقد الرسمي أقل قوة من ورقة إدارية لاحقة.

 

وتبقى الخاتمة الأوضح أن أزمة وقف الأمير مصطفى عبد المنان فضحت خللاً في إدارة أملاك الأوقاف قبل أن تكشف لغزاً تاريخياً قديماً فالدولة التي تجمد حقوق المواطنين ثم تعدهم برفع الحرج لا تقدم حلاً بقدر ما تعترف بتأخرها عن واجب الحسم والشفافية وحماية الملكية.