استُشهد خمسة أشخاص، بينهم ثلاث سيدات، وأُصيب 16 آخرون في لبنان، خلال ساعات دامية سبقت الإعلان عن التوصل إلى مذكرة تفاهم أميركية إيرانية، تقضي بوقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، بعد أشهر من التصعيد العسكري والسياسي الذي وضع المنطقة أمام واحدة من أخطر موجات التوتر خلال السنوات الأخيرة.


وجاءت التطورات المتسارعة بين مساء الأحد وفجر الاثنين، لتكشف حجم الترابط بين الساحة اللبنانية والاشتباك الإقليمي الأوسع، حيث واصلت إسرائيل هجماتها الجوية على جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الهش الساري منذ 17 أبريل الماضي، والممدد حتى مطلع يوليو المقبل، قبل أن تعلن طهران وواشنطن، عبر وساطات إقليمية، الوصول إلى صيغة نهائية لاتفاق يُفترض أن ينهي العمليات العسكرية ويفتح باب تهدئة شاملة.


 

غارات إسرائيلية دامية على الجنوب والضاحية


في بلدة الغسانية جنوبي لبنان، استُشهد رجل وزوجته مساء الأحد، إثر غارة إسرائيلية استهدفت منزلهما بشكل مباشر، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء اللبنانية، التي نقلت أن الطيران الحربي الإسرائيلي شن غارة على البلدة، ما أدى إلى استشهاد صاحب المنزل وزوجته داخل المنزل المستهدف.


وجاءت هذه الغارة بعد ساعات قليلة من هجوم أكثر دموية على الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، حيث استهدفت غارة إسرائيلية شقة سكنية، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة أشخاص، بينهم سيدتان، وإصابة 16 آخرين، في مشهد أعاد إلى الواجهة هشاشة التهدئة القائمة، وخطورة استمرار الضربات داخل المناطق السكنية المكتظة.


وتؤكد هذه الهجمات أن اتفاق وقف إطلاق النار، رغم سريانه الرسمي منذ 17 أبريل الماضي، ظل معرضًا للانهيار مع كل غارة جديدة، خصوصًا في ظل استمرار إسرائيل في تنفيذ ضربات متفرقة داخل لبنان، تحت ذرائع أمنية وعسكرية، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر من الأرواح والمنازل والاستقرار.


وتحوّل جنوب لبنان والضاحية الجنوبية خلال الفترة الماضية إلى ساحة مفتوحة للاختبار السياسي والعسكري، حيث لم تعد الغارات مجرد عمليات محدودة، بل رسائل ضغط متبادلة ضمن معادلة إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية، وترتبط مباشرة بالمواجهة الأكبر بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما في المنطقة.


 

مذكرة تفاهم بعد مفاوضات صعبة


فجر الاثنين، أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني التوصل إلى الصيغة النهائية لمذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة الأميركية، بعد مفاوضات وصفها بأنها صعبة ومضغوطة استمرت لعدة أشهر، مؤكدًا أن الاتفاق ينص على إنهاء الحرب والعمليات العسكرية على جميع الجبهات بشكل فوري ودائم.


وقال المجلس، في بيانه، إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أكملت ما وصفه بـ“تفوقها أمام العدو الأميركي الصهيوني”، معتبرًا أن الاتفاق جاء في ظل توجيهات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، والدعم الشعبي، وجهود القوات المسلحة الإيرانية.


وبحسب البيان الإيراني، فإن الاتفاق لا يقتصر على وقف العمليات العسكرية في لبنان، بل يشمل أيضًا إنهاء كامل وفوري للحصار البحري على إيران، وفتح مضيق هرمز، على أن يتم توقيع الاتفاق رسميًا يوم الجمعة المقبل، بينما تؤجل مفاوضات الاتفاق النهائي إلى ما بعد تنفيذ الطرف الآخر تعهداته الواردة في مذكرة التفاهم.


ويعكس هذا الترتيب رغبة إيرانية في ربط التهدئة العسكرية بالتنفيذ العملي على الأرض، وعدم الانتقال إلى مرحلة الاتفاق النهائي قبل اختبار التزام واشنطن وحلفائها، خاصة في الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها الحصار البحري، وحركة الملاحة في مضيق هرمز، والجبهات المرتبطة بالنفوذ الإيراني في المنطقة.


كما وجّه المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الشكر إلى باكستان وقطر على جهودهما في الوساطة، في إشارة إلى الدور الإقليمي الذي لعبته العاصمتان في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع كانت تهدد الملاحة والطاقة والاستقرار الأمني في الشرق الأوسط.


 

ترامب يعلن إنجاز الاتفاق ولبنان ينتظر التنفيذ


في المقابل، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الاتفاق مع إيران أُنجز بالكامل، مؤكدا أنه يسمح بفتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأميركي على الفور، في خطوة تحمل أبعادًا اقتصادية وأمنية شديدة الحساسية، بالنظر إلى أهمية المضيق في حركة النفط والتجارة العالمية.


وكانت صحيفة وول ستريت جورنال قد نقلت مساء الأحد عن ترامب قوله إن الاتفاق سيُوقّع إلكترونيًا، إما من جانبه شخصيًا أو من جانب نائبه جيه. دي فانس، ما يعكس حرص الإدارة الأميركية على إظهار الاتفاق باعتباره إنجازًا سياسيًا سريعًا، بعد فترة من التصعيد والضغط العسكري والبحري.

 

بدوره، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في وقت متأخر من ليل الأحد إلى الاثنين، أن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى اتفاق سلام، وكتب في منشور على منصة إكس أن الجانبين يعلنان الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.


لكن السؤال الأبرز يبقى مرتبطًا بمدى التزام إسرائيل بوقف الهجمات، خصوصًا أن الغارات الأخيرة جاءت رغم وجود اتفاق تهدئة قائم بالفعل في لبنان. فبالنسبة للمدنيين في الجنوب والضاحية، لا تقاس الاتفاقات بالبيانات الرسمية أو التوقيعات الإلكترونية، بل بتوقف الطائرات عن قصف المنازل والشقق السكنية.


ويضع الاتفاق الجديد لبنان أمام مرحلة اختبار دقيقة؛ فإذا جرى تنفيذ وقف العمليات العسكرية بشكل فعلي، فقد يفتح ذلك الباب أمام تهدئة واسعة تخفف من معاناة السكان وتمنع توسع الحرب. أما إذا استمرت الخروقات، فإن مذكرة التفاهم ستتحول إلى وثيقة سياسية بلا أثر حقيقي على الأرض.


وبين إعلان طهران عن إنهاء الحرب، وتأكيد ترامب رفع الحصار وفتح مضيق هرمز، تظل الساعات المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة أمام بداية تهدئة جدية، أم أمام هدنة جديدة هشة، يدفع اللبنانيون ثمن انهيارها كما دفعوا ثمن التصعيد في الغسانية والضاحية الجنوبية.