طلقت حملات شعبية وإعلامية في مصر خلال يونيو 2026 دعوات واسعة لمقاطعة اللحوم والأسماك، بعد تجاوز كيلو اللحوم 500 جنيه، وصعود أسعار الأسماك إلى مستويات دفعت الأسر إلى حذف البروتين من موائدها.

 

كشفت المبادرة أن الأزمة لم تعد في قرار المقاطعة وحده، لأن قطاعات واسعة من المواطنين قاطعت فعليًا بفعل العجز عن الدفع، بينما تواصل الحكومة تحميل الناس كلفة سوق منفلت لا يضع قدرتهم الشرائية في حساباته.

 

المقاطعة تبدأ من جيب فارغ لا من قرار اختياري

 

جاءت الدعوات الجديدة لمقاطعة اللحوم والأسماك بعد موجة ارتفاعات حادة ضربت أسعار البروتينات، ودفعت نشطاء إلى رفع شعارات مثل الحاجة اللي تغلى متشتروهاش، والسنجة في الرنجة لمقاطعة الأسماك.

 

وبعد اتساع الحملة، لم يظهر الغضب الشعبي باعتباره موجة غضب عابرة، لأن الأسعار نقلت اللحوم الحمراء من سلعة أساسية إلى سلعة ترفيهية لا تدخل بيوت أغلب الأسر إلا في مناسبات محدودة.

 

ثم زادت الأزمة مع ارتفاع أسعار الأسماك، لأن البلطي الذي ظل لسنوات بديلًا أرخص للحوم والدواجن أصبح عبئًا جديدًا، بعدما تحدث مواطنون عن أسعار تجاوزت 130 جنيه للكيلو في بعض الأسواق.

 

في هذا السياق، لم تعد المقاطعة مجرد وسيلة ضغط على التجار، بل صارت وصفًا لواقع قائم، لأن المواطن الذي لا يملك ثمن الكيلو لا يحتاج حملة حتى يتوقف عن الشراء.

 

كذلك، أظهرت تجربة البيض والدواجن أن انخفاض السعر وحده لا يكفي لإعادة الطلب، لأن الأسرة التي استنزفتها فواتير الطعام والكهرباء والمواصلات لم تستعد قدرتها الشرائية بمجرد تراجع بعض السلع.

 

ومن هنا، يصبح جوهر الأزمة مختلفًا عن خطاب المقاطعة التقليدي، لأن السوق لا يواجه مستهلكًا قادرًا يقرر الامتناع، بل يواجه مواطنًا أخرجه الغلاء من دائرة الشراء أصلًا.

 

لذلك، تؤكد المبادرة الحالية أن السلطة تركت المواطن وحيدًا أمام التجار والوسطاء وسلاسل التكلفة، ثم طالبت الناس بالتصرف كمستهلكين أقوياء، بينما هم فقدوا أدوات الاختيار تحت ضغط الدخل المحدود.

 

وبينما تتحدث الحكومة عن آليات السوق، يدفع المواطن ثمن هذه الآليات من صحته وغذائه، لأن البروتين لم يعد بندًا غذائيًا منتظمًا، بل صار قرارًا ماليًا مؤجلًا داخل بيوت كثيرة.

 

الإعلام يدعو للمقاطعة والواقع يسبق الدعوة

 

تبنى الإعلامي محمد علي خير حملة مقاطعة اللحوم والأسماك، وقال إن المواطن كان يصرخ عندما وصل سعر البيضة إلى 7 جنيه والفرخة إلى 100 جنيه، بينما وصلت البيضة الآن إلى 2 جنيه.

 

بعد ذلك، دعا خير إلى تطبيق تجربة البيض والدواجن على اللحوم والأسماك، معتبرًا أن المقاطعة سلاح المواطن الأقوى، وأن الناس أثبتت أنها قوة شرائية لا يستهان بها عندما تتوقف عن الشراء.

 

غير أن الواقع يمنح هذه الدعوة معنى أكثر قسوة، لأن انخفاض البيض والدواجن لم يصنع انتعاشًا حقيقيًا في السحب، وهو ما يكشف ضعف قدرة الأسر على العودة إلى الاستهلاك الطبيعي.

 

في المقابل، يرى الباحث الاقتصادي وخبير أسواق المال سمير رؤوف أن حملات المقاطعة قد لا تملك مردودًا قويًا وحدها، لأن السوق يتحرك وفق العرض والطلب وزيادة الإنتاج لا وفق الغضب فقط.

 

وأوضح رؤوف أن انخفاض أسعار البيض ارتبط بتراكم المخزون وخوف التجار من تلفه مع دخول الصيف، إضافة إلى إنتاج جديد زاد المعروض، ما جعل السعر يهبط تحت ضغط السوق.

 

كما أشار رؤوف إلى أن جشع التجار ساهم في الانهيار السعري بعد التخزين، وهو رأي يضع التجار في قلب الأزمة، لكنه لا يعفي الحكومة من غياب الرقابة على سلوك السوق.

 

وعلى مستوى المعيشة، وسع رؤوف دائرة الأزمة إلى الطماطم والخيار واللحوم والأسماك، معتبرًا أن أقل وجبة لأسرة من 4 أفراد قد تتجاوز 600 جنيه في اليوم الواحد.

 

لذلك، يخدم رأي رؤوف محورًا أساسيًا في التقرير، لأنه يوضح أن المقاطعة قد تضغط على الأسعار مؤقتًا، لكنها لا تعالج أصل المشكلة عندما تترك الحكومة الإنتاج والتوزيع بلا ضبط عادل.

 

ومن ناحية أخرى، لا يستطيع المواطن انتظار توازن العرض والطلب وحده، لأن هذا التوازن يحدث أحيانًا بعد أن يخسر المنتج الصغير، ويعجز المستهلك الفقير، ويحتفظ الوسطاء بمساحات واسعة للمناورة.

 

قدرة شرائية منهارة وحكومة تراقب من بعيد

 

أكد الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني في قراءاته لأزمة الأسعار أن تراجع التضخم الرسمي لا ينعكس مباشرة على حياة الناس، لأن الخدمات الأساسية والطعام والنقل لم تعد إلى مستويات تناسب الأجور.

 

وتخدم شهادة الميرغني محور القدرة الشرائية، لأنها تنقل النقاش من سعر الكيلو إلى دخل الأسرة، فالمشكلة لا تتوقف عند ارتفاع اللحوم والأسماك، بل تمتد إلى اتساع الفجوة بين الأجر والسوق.

 

في السياق نفسه، يصبح الحديث الرسمي عن تراجع بعض الأسعار مضللًا، لأن المواطن لا يقيس حياته بالمؤشرات، بل يقيسها بقدرته على شراء وجبة كاملة لأسرته دون الاستدانة أو الاستغناء.

 

كذلك، يشير الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب في أحاديثه عن الغلاء إلى أن تدهور قيمة الجنيه وضعف الدخول يضربان القدرة الشرائية، ويجعلان ملايين الأسر أقل قدرة على مواجهة الغذاء اليومي.

 

وتدعم قراءة عبد المطلب جوهر الأزمة الحالية، لأن انخفاض سعر سلعة بعينها لا يعوض فقدان الدخل لقيمته، ولا يعالج تراكم الديون الصغيرة التي تتحملها الأسر لتغطية الطعام والدواء.

 

هكذا، تبدو حملات المقاطعة كصرخة سياسية واجتماعية أكثر منها أداة اقتصادية مكتملة، لأنها تقول إن المواطن لم يعد قادرًا على تمويل أرباح التجار ولا أخطاء الحكومة ولا فواتير السياسات الفاشلة.

 

في المقابل، تواصل الحكومة ترك السوق يتحرك بمنطق القوة لا العدالة، فلا تقدم تسعيرًا منضبطًا للسلع الأساسية، ولا تفرض رقابة فعالة على حلقات التداول التي تضاعف السعر قبل الوصول للمستهلك.

 

ثم تتحول المسؤولية رسميًا إلى المواطن، فيطلب منه أن يقاطع عندما تغلو السلعة، بينما يفترض أن تضع الحكومة حقه في الغذاء قبل جيب التجار وقبل حسابات الجباية والسياسات المالية.

 

ومن الناحية الإنسانية، لا تكشف المقاطعة عن وعي استهلاكي فقط، بل تكشف عن انكسار في نمط الغذاء داخل الأسر، حيث يتراجع البروتين وتزيد البدائل الأرخص ولو كانت أقل قيمة غذائية.

 

لذلك، لا تحتاج مصر إلى حملة مقاطعة وحدها، بل تحتاج إلى حكومة تعتبر الطعام حقًا لا رفاهية، وتتعامل مع اللحوم والأسماك والدواجن باعتبارها مكونات أساسية لصحة الناس.

 

وفي النهاية، تختصر مبادرة مقاطعة اللحوم والأسماك مشهدًا أكبر من الأسعار، فالمواطن لم يخرج من السوق احتجاجًا فقط، بل خرج لأن دخله لم يعد يسمح له بالبقاء داخله.

 

ومع استمرار هذا الوضع، ستظل كل حملة مقاطعة إعلانًا جديدًا عن فشل حكومة تركت الأسرة المصرية تواجه السوق وحدها، ثم تحدثت عن العرض والطلب كأن الجوع نتيجة طبيعية لا مسؤولية سياسية.