كشفت صحيفة نيويورك تايمز، عبر أدلة مرئية ومقاطع مصورة جرى التحقق منها، عن استخدام الجيش الإسرائيلي ذخائر الفسفور الأبيض فوق مناطق مأهولة في جنوب لبنان، بينها النبطية وصور والخيام والقليعة ويوحمر، رغم استمرار الحديث عن وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

 

وتضع هذه الأدلة إسرائيل أمام اتهام جديد لا يتعلق فقط بتوسيع الحرب على لبنان، بل باستخدام سلاح حارق شديد الخطورة في بيئات مدنية، بينما تستمر واشنطن في إدارة مسار التهدئة من دون إلزام الاحتلال بوقف القصف أو محاسبته على الانتهاكات.

 

أدلة مرئية تكشف استخدام الفسفور الأبيض

 

جمعت نيويورك تايمز مشاهد مصورة منتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحققت من مواقعها وزمنها، وأظهرت المقاطع آثار الدخان المميزة لذخائر الفسفور الأبيض فوق مناطق في جنوب لبنان خلال المواجهات الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله.

 

وتعود إحدى أبرز المشاهد إلى 30 مايو الماضي، حين ظهرت قذائف تنفجر في الهواء فوق مدينة النبطية، وهي مدينة ذات كثافة سكانية يقطنها نحو 40 ألف نسمة، بالتزامن مع سيطرة الجيش الإسرائيلي على قلعة الشقيف.

 

كما رصد التحقيق استخدام الفسفور الأبيض في مدينة صور الساحلية وثلاث بلدات مجاورة، هي الخيام والقليعة ويوحمر، بعد استئناف المواجهات بين إسرائيل وحزب الله في مارس الماضي، بما يعكس اتساع نمط الاستخدام لا محدوديته.

 

وأشارت الصحيفة إلى أن المقاطع تظهر قذائف مدفعية تنفجر في الهواء وتسقط خيوطًا مشتعلة من مادة بيضاء، في مشهد يتسق مع ذخائر أمريكية الصنع من طراز M825A1 سبق توثيق استخدامها من قبل إسرائيل.

 

وأفادت نيويورك تايمز بأنها أحالت أسئلة إلى إسرائيل مرفقة بإحداثيات أربعة مواقع لبنانية يشتبه في استخدام الفسفور الأبيض فيها، لكنها لم تتلق ردًا، وهو صمت يزيد ثقل الاتهامات ولا يبددها.

 

وتأتي هذه الأدلة بعد أشهر من تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش اتهم الجيش الإسرائيلي باستخدام الفسفور الأبيض بشكل غير قانوني فوق منازل في بلدة يوحمر جنوبي لبنان في 3 مارس 2026.

 

سلاح حارق وسط مناطق مأهولة

 

يمتلك الفسفور الأبيض خطورة خاصة لأنه يشتعل تلقائيًا عند تعرضه للهواء، ويصعب إطفاؤه، وقد تستخدمه الجيوش لإشعال الحرائق أو إنشاء ستائر دخانية، لكنه يصبح تهديدًا مباشرًا للمدنيين عند استخدامه قرب السكان.

 

ولا يحظر القانون الدولي استخدام الفسفور الأبيض في كل الحالات، غير أن استخدامه المتعمد ضد المدنيين أو داخل مناطق آهلة بالسكان يشكل انتهاكًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، بسبب طبيعته الحارقة وصعوبة التحكم في آثاره.

 

وتقول هيومن رايتس ووتش إن استخدامها فوق مناطق سكنية يمثل خطرًا بالغًا على المدنيين، بعدما تحققت من صور أظهرت ذخائر تنفجر في الهواء فوق يوحمر، وآثار حرائق في منازل وسيارات تعامل معها الدفاع المدني.

 

وتكمن خطورة هذه الذخائر في أنها لا تميز بين مقاتل ومدني عندما تنفجر فوق منطقة مأهولة، إذ تتساقط الشظايا المشتعلة على الأسطح والطرقات والحقول، وتترك آثارًا صحية وحروقًا شديدة قد تستمر بعد انتهاء الغارة.

 

ويعني ظهور هذه الذخائر فوق النبطية وصور والخيام والقليعة ويوحمر أن إسرائيل لا تتعامل مع جنوب لبنان كساحة عسكرية محددة فقط، بل توسع نطاق القصف إلى بيئات يعيش فيها مدنيون تحت ضغط النزوح والخوف والحصار.

 

وتضاعف هذه الوقائع الضغط على الأمم المتحدة والقوى الضامنة لوقف إطلاق النار، لأن وجود أدلة بصرية على استخدام ذخائر حارقة فوق مناطق مأهولة يجعل الاكتفاء ببيانات القلق غطاء سياسيًا لاستمرار الانتهاكات.

 

وقف إطلاق نار هش ومقتل جنود الاحتلال

 

تتواصل التطورات الميدانية في لبنان رغم إعلان الولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، بعد جولة محادثات في واشنطن، وهي تهدئة لا تزال عمليًا محكومة بالخروقات والقصف المتبادل.

 

وفي المقابل، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، مساء السبت، مقتل ضابط وجندي في جنوب لبنان بحادثين منفصلين، لترتفع حصيلة الضباط والجنود الذين قتلوا خلال الحرب الحالية في لبنان، وفق المعطيات الإسرائيلية المتداولة، إلى 30.

 

وتكشف هذه الحصيلة أن الجبهة اللبنانية لم تعد هامشًا في الحرب الإقليمية، بل تحولت إلى ساحة استنزاف حقيقية لإسرائيل، بالتوازي مع استمرار الضربات الجوية والقصف المدفعي وتوسيع العمليات داخل القرى الجنوبية.

 

وفي مؤشر على تهدئة محتملة، نقلت هآرتس عن مصدر في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان، يونيفيل، أن الجيش الإسرائيلي نفذ آخر عملية هدم للقرى في الجنوب يوم الأربعاء الماضي، قبل إعلان الخارجية الأمريكية وقف إطلاق النار.

 

وبحسب مصدر إسرائيلي تحدثت عنه التقارير العبرية، جاء وقف عمليات الهدم ضمن تفاهمات جرى التوصل إليها خلال مفاوضات واشنطن بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي برعاية أمريكية، من دون صدور تأكيد رسمي حاسم من الاحتلال.

 

لكن استمرار الحديث عن قصف إسرائيلي بعد التفاهمات يفرغ وقف إطلاق النار من مضمونه، لأن التهدئة التي لا تمنع استخدام الفسفور الأبيض ولا توقف استهداف القرى لا تمنح المدنيين حماية حقيقية على الأرض.

 

وتظهر الوقائع أن واشنطن تدير وقفًا للنار أكثر مما تفرضه، بينما تحتفظ إسرائيل بحق القصف والهدم والتوغل، وتترك لبنان أمام معادلة قاسية تجمع بين التفاوض العلني والاشتعال الميداني جنوبًا.

 

وفي النهاية، لا تضيف مشاهد الفسفور الأبيض مجرد ملف اتهام جديد إلى سجل إسرائيل، بل تكشف طبيعة الحرب التي تديرها فوق لبنان: قصف في ظل التهدئة، ذخائر حارقة فوق مناطق مأهولة، وصمت دولي يسمح للاحتلال بأن يحوّل وقف إطلاق النار إلى هدنة بلا حماية.